قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، اليوم الجمعة، إن قرار المحكمة الجنائية الدولية تأكيد التهم الموجهة إلى الليبي خالد محمد علي الهيشري، بعد 15 عامًا من التحقيقات، يمثل محطة فارقة في مسار تحقيق العدالة في ليبيا.
وفي 16 يوليو 2026، أيدت دائرة ما قبل المحاكمة، المكونة من ثلاثة قضاة، بالإجماع، توجيه 17 تهمة إلى الهيشري تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها التعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي والقتل والاستعباد والاضطهاد، التي يُشتبه بارتكابها في حق محتجزين داخل سجن معيتيقة في طرابلس منذ عام 2015.
ورأى القضاة أن هناك أسبابًا جوهرية تدعو إلى الاعتقاد بمسؤولية الهيشري عن هذه الجرائم، وقرروا إحالة القضية إلى مرحلة المحاكمة، على أن تحدد هيئة قضائية أخرى موعد بدء جلساتها في وقت لاحق.
هيومن رايتس ووتش: باب العدالة فُتح أخيرًا
قالت الباحثة في شؤون العدالة الدولية لدى المنظمة، أليس أوتين: «إحالة أول قضية ليبية إلى المحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية تفتح الباب أمام العدالة التي طال انتظارها لضحايا نظام الاحتجاز التعسفي في ليبيا»، وفق الموقع الرسمي للمنظمة.
وأضافت أن السلطات الليبية مطالبة بدعم إجراءات المحكمة، وتسليم بقية المطلوبين الموجودين داخل ليبيا، بما يعكس التزامًا حقيقيًا بإنهاء حالة الإفلات من العقاب التي لا تزال تغذي الانتهاكات في البلاد.
جاء قرار تأكيد التهم عقب جلسات استماع عُقدت بين 19 و21 مايو الماضي، واستمعت خلالها دائرة ما قبل المحاكمة إلى مرافعات الادعاء والدفاع، إلى جانب ممثلي الضحايا، لتحديد مدى كفاية الأدلة لإحالة القضية إلى المحاكمة.
وقدم مكتب الادعاء أدلة تدعم التهم الـ17، التي يُعتقد أنها ترتبط بجرائم ارتُكبت بحق أكثر من 900 محتجز في سجن معيتيقة خلال الفترة التي كان الهيشري يسيطر فيها على المنشأة.
وأشار المكتب إلى أن هذه الوقائع لا تمثل جميع الجرائم المحتملة، موضحًا أنه قد يقدم خلال المحاكمة أدلة إضافية تتعلق بضحايا ووقائع أخرى تدخل ضمن نطاق التهم المؤكدة. كما يظل قرار تأكيد التهم قابلًا للطعن، شريطة الحصول على موافقة دائرة ما قبل المحاكمة.
وقد تقدم الهيشري، قبل جلسة تأكيد التهم، بطعن في اختصاص المحكمة، مدعيًا أن إعلان الحكومة الليبية الصادر في مايو 2025، الذي يقبل اختصاص المحكمة خلال الفترة من 2011 إلى 2027، غير صحيح. كما اعتبر أن قرار مجلس الأمن بإحالة الملف الليبي إلى المحكمة لا يشمل قضيته.
إلا أن قضاة المحكمة رفضوا هذا الطعن في 15 يوليو الجاري، وأكدوا اختصاص المحكمة بنظر القضية.
- الجنائية الدولية تؤكد اختصاصها بمحاكمة خالد الهيشري
- «لوموند»: شهادات مروعة في لاهاي حول الجرائم المزعومة للهيشري داخل سجن معيتيقة
تعاون ليبي مطلوب.. ومطلوبون ما زالوا هاربين
قد ألقت السلطات الألمانية القبض على الهيشري في يوليو 2025، قبل أن تسلمه إلى المحكمة الجنائية الدولية في ديسمبر من العام نفسه، عقب استكمال الإجراءات القانونية المحلية، ومنذ ذلك الحين لا يزال محتجزًا في لاهاي.
وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف علنية بحق 14 شخصًا على خلفية التحقيقات المتعلقة بليبيا، توفى أو قُتل أربعة منهم، بينما لا يزال ثمانية آخرون فارين، بينهم مطلوبون يُعتقد أنهم موجودون داخل الأراضي الليبية.
وبموجب قرار مجلس الأمن الذي أحال الملف الليبي إلى المحكمة، إلى جانب إعلان السلطات الليبية عام 2025 قبول اختصاص المحكمة حتى عام 2027، فإن ليبيا مُلزمة بالتعاون الكامل مع المحكمة، بما في ذلك توقيف المطلوبين، وتسليمهم إلى لاهاي.
وعلى الرغم من ذلك، أكد نائب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، في إحاطاته الأخيرة أمام مجلس الأمن، أن مستوى التعاون الليبي لا يزال محدودًا، في وقت أعلنت فيه بعض السلطات الليبية رفضها، من حيث المبدأ، محاكمة مواطنين ليبيين خارج البلاد، وشككت في ضرورة تدخل المحكمة في بعض القضايا.
وأكدت «هيومن رايتس ووتش» أن المحكمة الجنائية الدولية لا تتدخل إلا عندما تكون السلطات الوطنية غير راغبة أو غير قادرة على إجراء تحقيقات ومحاكمات حقيقية في الجرائم الدولية الخطيرة، مشددة على أن مجرد إعلان السلطات الليبية رغبتها في محاكمة المتهمين محليًا لا يعفيها من التزاماتها القانونية تجاه المحكمة، ما لم تثبت وجود إجراءات وطنية جدية تغطي الأشخاص والوقائع نفسها.
قضية أسامة نجم والعدالة داخل ليبيا
أشارت المنظمة إلى أن السلطات في غرب ليبيا ألقت القبض على اثنين على الأقل من المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية في قضايا تتعلق بجرائم ترهونة. كما أفادت تقارير باعتقال أسامة المصري نجم، المطلوب أيضًا للمحكمة على خلفية جرائم يُشتبه في ارتكابها داخل سجن معيتيقة، الذي ورد اسمه بوصفه أحد شركاء الهيشري في تلك الجرائم.
وعلى الرغم من ذلك، أوضح مكتب الادعاء بالمحكمة أنه لم يتلق أي تأكيد رسمي من النائب العام الليبي بشأن احتجاز نجم أو سير التحقيقات بحقه، بينما ذكرت مصادر أخرى أنه لم يعد رهن الاحتجاز.
وقد أُوقف نجم في إيطاليا خلال يناير 2025، قبل أن يُطلق بعد يومين لأسباب إجرائية، ويُعاد إلى ليبيا، وهو ما دفع المحكمة الجنائية الدولية لاحقًا إلى اعتبار إيطاليا قد أخلّت بالتزاماتها القانونية بعدم تسليمه، وأحالت الأمر إلى الدول الأطراف بالمحكمة، لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
ولا يزال الطعن الذي قدمه نجم بشأن اختصاص المحكمة بقضيته منظورًا أمام القضاة، بينما يبقى التزام ليبيا بتسليمه قائمًا.
وفي 21 يونيو الماضي، أصدرت محكمة في طرابلس حكمًا بسجن نجم سبع سنوات وأربعة أشهر بتهم تتعلق بتعذيب محتجزين في سجن معيتيقة، إلا أن «هيومن رايتس ووتش» أوضحت أن القضية المحلية تبدو محدودة النطاق مقارنة بالاتهامات التي تنظرها المحكمة الجنائية الدولية، والتي تتضمن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها مسؤولية مزعومة عن مقتل ما لا يقل عن 34 محتجزًا.
واختتمت المنظمة تقريرها بتأكيد أن تحقيق عدالة حقيقية في ليبيا لا يزال يتطلب إصلاحات جوهرية في المنظومة القضائية، معتبرة أن تبرئة عبد الله السنوسي، رئيس جهاز المخابرات السابق في عهد معمر القذافي، من التهم المرتبطة بثورة 2011 تعكس استمرار أوجه القصور في النظام القضائي الليبي، وتؤكد الحاجة إلى استمرار دور المحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة المرتكبة منذ عام 2011.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة