آخر الأخبار

صفحات التواصل تتحول إلى طوق نجاة لليبيين

شارك
مصدر الصورة
منصات التواصل إحدى وسائل طلب المساعدة. (أرشيفية: الإنترنت)

ليست مجرد منشورات عابرة على صفحات التواصل الاجتماعي، أو كلمات يكتبها أصحاب الحاجة بحثا عن مساعدة موقتة، فقد تحولت المناشدات الإنسانية خلال السنوات الأخيرة إلى نافذة واسعة تكشف حجم المعاناة التي يعيشها كثير من المواطنين الليبيين، هنا مساحة يلتقي فيها وجع المرض والفقر والعجز مع محاولات فردية للإنقاذ في ظل تعثر المؤسسات الرسمية الغارقة في الانقسام.

مصدر الصورة مصدر الصورة

فخلف كل مناشدة قصة إنسانية؛ فهناك أم تنتظر بفارغ الصبر علاج طفلها، أو شخص أنهكه المرض ولم يعد قادرا على توفير ثمن الدواء، أو أسرة فقدت مصدر دخلها، وبينما يعتبر البعض أن هذه المناشدات إحدى صور التكافل الاجتماعي، يرى آخرون أنها مؤشر على أزمة أعمق تكشف ضعف قدرة المؤسسات على أداء أدوارها الطبيعية.

الناشطة حميدة البرعصي، التي تطلق على نفسها وعلى المجموعة التطوعية التي تعمل معها وصف «المتاجرين مع الله»، اختارت أن تكون قريبة من هذه الحالات، معتبرة أنهم يقومون بعمل خيري هدفه مساعدة الناس وتخفيف معاناتهم.
حميدة اقترحت عبر حسابها بمنصة فيسبوك إنشاء مكاتب للمساعدات في المدن، تكون مهمتها استقبال الحالات الإنسانية، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة ومرضى الأورام، مؤكدة أن حجم الحالات التي تصل إليها المجموعة أصبح يفوق قدرتها على الاستجابة.

تقول «مع كثرة الحالات والمناشدات، لم يعد لدينا جهد كافٍ، وبعض الحالات تبكي العين وتحزن القلب، أخذنا بالآجل وبأرقام كبيرة تصل إلى مئة ألف، وللأسف لم نستطع ستر جميع المحتاجين».

من هنا جاء اقتراح البرعصي بإنشاء مكتب مساعدات في كل مدينة، يضم عددا من الإداريين والمحاسبين ذوي الخبرة، مع وجود رقابة تضمن الشفافية، على أن يكون التمويل قائما على مساهمات أهل المدينة بشكل طوعي، عبر آلية واضحة تتيح لمن يرغب في المساهمة أن يشارك وفق قدرته.

وتشير إلى أن هذا النوع من التنظيم يمكن أن يخفف العبء عن المبادرات الفردية، ويحول العمل الخيري من جهود متفرقة إلى منظومة أكثر قدرة على الوصول إلى المحتاجين، لكن خلف الأرقام والمنشورات، هناك قصص إنسانية تقول حميدة إنها تكشف واقعا أكثر قسوة مما يظهر على شاشات الهواتف.

تقول حميدة البرعصي «هذه هي صورة الفقر الحقيقي؛ مرض، وقلة حيلة، وعدم وجود علاج أو مال، من يقول إن الفقر غير موجود في ليبيا فهو لا يرى ما نراه يوميا، وتؤكد أن الفريق الذي تعمل معه لا يتعامل مع الحالات من خلال ما ينشر فقط، بل يعتمد كذلك على زيارات ميدانية ودراسات للحالات».

تضيف: «هناك عائلات لا تملك حتى القدرة على إيصال صوتها، هناك بيوت متهالكة، وأطفال يحتاجون إلى التعليم، ومرضى يحتاجون إلى العلاج، نحن أمام واقع أكبر من قدرة أي مجموعة تطوعية وحدها».

- للاطلاع على العدد «556» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

وترى حميدة أن انتشار المناشدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لم يأتِ من فراغ، بل أصبح نتيجة طبيعية لشعور المواطن بأن الطرق التقليدية لم تعد قادرة على تلبية احتياجاته، وأن كثيرا من الأشخاص الذين يطلبون المساعدة دفعهم الضيق إلى البحث عن أي باب يمكن أن يفتح أمامهم.

ندى ماضي.. حين تصبح المناشدة طريقا أخيرا لإنقاذ طفل
بين عشرات القصص المعلنة عبر منصات التواصل، تبرز قصة ندى ماضي، التي وجدت نفسها مضطرة إلى اللجوء للمناشدة من أجل علاج ابنها، بعد أن تعثرت محاولاتها في الوصول إلى حل عبر المسارات الطبية التقليدية.
تقول ندى إن تجربتها مع المناشدة لم تكن خيارا أوليا، بل جاءت بعد رحلة من المحاولات التي لم تصل إلى نتيجة، مؤكدة أنها كانت تتمنى أن يتم علاج ابنها من خلال المؤسسات الصحية المتاحة، لكنها اصطدمت بعراقيل حالت دون ذلك.

تضيف «بالنسبة لتجربتي الشخصية، خاصة فيما يتعلق بعلاج ابني، فقد تمت الاستجابة للمناشدة بشكل مباشر، عندما وصلت الحالة إلى الجهة التي توجهت إليها، وجدت تجاوبا سريعا، وهذا ما جعلني أشعر بأن هناك من يستمع للحالات الإنسانية الطارئة».

وتوضح ندى أنها قبل اللجوء إلى المناشدة حاولت إجراء العملية لابنها عبر المستشفيات العامة، لكنها واجهت صعوبات كبيرة، وترى أن انتشار «الواسطة» كان أحد أبرز العوائق التي واجهتها.

تواصل: «لا أحد يصل إلى مرحلة المناشدة إلا عندما تضيق به السبل، الإنسان لا يخرج لعرض مشكلته أمام الناس إلا إذا كان في حاجة حقيقية، لأن الأمر ليس سهلًا أن يشارك الإنسان تفاصيل معاناته أمام الجميع».

وترى ندى أن المناشدات أصبحت اليوم جزءا من الواقع الليبي، وأن تزايدها يعكس حالة عامة مرتبطة بضعف قدرة المؤسسات على الاستجابة السريعة لاحتياجات المواطنين.

تقول ندى ماضي: «هذه المناشدات أصبحت لغة الليبيين في الوقت الحالي، وأعتقد أنها ستزداد ما لم يتم حل المشكلات الأساسية التي يعيشها البلد، خاصة في ظل الانقسام وعدم توحيد المؤسسات بالشكل المطلوب».

وبالنسبة لها، فإن الحل لا يكمن فقط في الاستجابة للحالات الفردية، بل في الوصول إلى مرحلة تصبح فيها حقوق المواطنين متاحة من خلال مؤسسات الدولة، دون الحاجة إلى نشر الألم على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتختم بقولها «نتمنى أن يأتي اليوم الذي تكون فيه المؤسسات قادرة على خدمة المواطن، وأن تتم محاسبة كل من يعرقل وصول الحقوق إلى أصحابها، لأن الفقير هو أكثر من يدفع ثمن الفوضى والفساد».

المناشدة ليست مذلة
الليبية حنان آدم ترى أن المشكلة ليست في فكرة المناشدة نفسها، وإنما في الطريقة التي يقدم بها بعض المواطنين مطالبهم، مؤكدة أن الإنسان الذي يطلب المساعدة في ظرف صعب لا ينبغي أن يشعر بأنه يتخلى عن قيمته أو مكانته.
تقول حنان: «بالنسبة للمناشدات، أنا لا أراها مذلة، فالإنسان عندما يكون في حاجة إلى المساعدة من حقه أن يطلبها، لكن الأسلوب الذي تُطرح به بعض المناشدات هو ما يحتاج إلى مراجعة».

وتعتبر أن المواطن الذي يخرج للحديث عن مشكلته أمام المسؤولين يجب أن يقدم نفسه باعتباره صاحب حق، وليس شخصا يتوسل المساعدة، مضيفة: «المواطن الليبي له قيمة وقدر وهيبة، وعندما يخرج لعرض مشكلته لا يفترض أن يشعر بأنه يستجدي، بل هو مواطن يطلب من المسؤول أن يقوم بدوره ويساعده في حل مشكلة تواجهه».

لكن في الوقت نفسه تنتقد حنان الطريقة التي يظهر بها بعض أصحاب المناشدات، خاصة عندما تتضمن عبارات توحي بفقدان الكرامة أو الاستسلام الكامل، معتبرة أن المواطن يستطيع أن يطلب المساعدة ويحفظ احترامه لنفسه في الوقت ذاته.

المناشدات بين ضعف المؤسسات وصعود دور الأشخاص
قصص المرض والفقر والحاجة تكشف الجانب الإنساني لظاهرة المناشدات، لكنها في الوقت نفسه تفتح نقاشا أوسع حول طبيعة الدولة ومؤسساتها، وهنا يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة بنغازي محمود الكاديكي أن التعامل مع ظاهرة المناشدات يحتاج إلى قراءة متأنية من خلال ثلاثة مستويات مترابطة: المستوى القانوني، والمستوى السياسي، والمستوى الاجتماعي، لأن الخلط بين هذه المستويات قد يقود إلى أحكام متناقضة بين من يرى المناشدات عملاً إنسانيا مطلوبا، ومن يعتبرها مؤشرا على خلل في بناء الدولة.

يشير الكاديكي إلى أن الأصل في أي دولة تقوم على سيادة القانون هو وضوح الاختصاصات والفصل بين السلطات، بحيث تكون مسؤولية تقديم الخدمات العامة وتنفيذ السياسات من اختصاص السلطة التنفيذية، بينما يضطلع البرلمان بدوره التشريعي والرقابي، وتبقى المؤسسة العسكرية معنية أساسًا بمهام الدفاع والأمن وحماية الدولة.

- للاطلاع على العدد «556» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

يقول «لكن الواقع الليبي يختلف عن هذا التصور التقليدي بسبب حالة عدم الاستقرار المؤسسي والانقسام السياسي الذي أثر في أداء الدولة وأضعف ثقة المواطن في المؤسسات الرسمية».

الكاديكي يوضح أن المواطن «لا يسأل دائما من المسؤول قانونيا عن تقديم الخدمة، بل يسأل من يستطيع أن يقدمها بالفعل»، ويرى أن توجه بعض المواطنين بمناشداتهم إلى شخصيات قيادية أو ذات تأثير اجتماعي وسياسي لا يعني بالضرورة رغبة في إحلال دور الأفراد محل الدولة، أو تفضيل نموذج معين للحكم، بقدر ما يعكس حالة من فقدان الثقة بقدرة المؤسسات القائمة على الاستجابة.

لكن استمرار هذا النمط يحمل، وفق الكاديكي، مجموعة من التداعيات على بناء الدولة، لأن الاعتماد المتزايد على الأشخاص بدل المؤسسات قد يؤدي إلى تغيير علاقة المواطن بالدولة، فتصبح الثقة مرتبطة بفرد قادر على التدخل، وليس بمؤسسة يفترض أن تعمل وفق قواعد ثابتة.

ويؤكد أن الدولة القوية لا تُقاس بقدرة الأشخاص على حل المشكلات بشكل مباشر، وإنما بقدرة مؤسساتها على أداء وظائفها بصورة مستقرة ومنظمة، بحيث يحصل المواطن على حقه باعتباره مواطنًا، وليس باعتباره صاحب طلب أو مناشدة.

في نهاية حديثه يشدد الكاديكي على أن المطلوب هو الانتقال من ثقافة «حل المشكلة لشخص معين» إلى «ثقافة إصلاح النظام الذي ينتج المشكلة»، لأن معالجة الحالات الفردية مهما كانت مهمة وإنسانية لن تنهي جذور الأزمة.

مصدر الصورة
(من اليمين) حميدة البرعصي وندى ماضي ومحمود الكاديكي. (أرشيفية: الإنترنت)
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا