في الوقت الذي تصُمّ فيه السلطات آذانَها عن صرخات الثكالى وأنين الجرحى في مدينة الزاوية الأبية، وتغمض عيونها عن مشاهد الدماء والأشلاء، تطل علينا الجهات الرسمية بمشاهد الرقص والغناء والاحتفال بما يسمى “موسم صيف الشباب”!
مفارقة مخزية تُظهر هوة سحيقة بين واقع مرير يعيشه المواطن، وبين عبث رسمي مستهتر لا يقيم وزناً لأرواح البشر.
لقد جاءت الشريعة الإسلامية الغراء بحفظ الضروريات الخمس، وعلى رأسها “النفس البشرية”. ولم يغلظ الإسلام في شيء بعد الشرك بالله كما غلظ في سفك الدم الحرام. يقول الله تعالى في محكم التنزيل: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}
فأين أولياء الأمر والمجموعات المسلحة من هذه الآيات والأحاديث الزاجرة؟
كيف تجرأت هذه العصابات على استباحة دماء المسلمين، بل وكيف يجرؤ مسؤول على الابتسام والاحتفال والدماء لم تجف بعد؟!
إن النكبة الكبرى والمصيبة العظمى تكمن في أن أغلب هذه المجموعات المسلحة التي تزرع الموت والرعب، تضع على آلياتها شعارات الدولة وجهاتها الرسمية، وتتقاضى ميزانياتها من قوت الشعب.
إن إضفاء “الشرعية الزائفة” على القتلة والمجرمين هو خيانة للأمانة، ونكث للعهود.
إن الدولة في المنظور الشرعي والسياسي إنما أُوجدت لحفظ الأمن وبسط العدل، فإذا تحولت مؤسساتها أو الغطاء الممنوح منها إلى مظلة للظلم والحرابة، فقدت مبرر وجودها شرعاً وعُرفاً.
ثم كيف يُعقل أن تُغلق المكاتب الرسمية أفواهها عن نعي أربعة شباب تفحمت جثثهم في وضح النهار، بينما تفتح ذات الجهات منصاتها وأبواقها لترويج الاحتفالات والنشاطات الترفيهية؟
إن هذا السلوك يعكس عقلية ترفض حتى الاعتراف بالأزمة، وتستكثر على المظلومين مجرد إظهار التعاطف، مما يضع السلطة في موقع الإدانة المباشرة أمام الله وأمام خلقه؛ فمَن لا يستطيع أن يحمي دماء الناس، ولا يملك الشجاعة الأخلاقية لتعزية أهلهم، هو أبعد ما يكون عن أمانة الحكم ورعاية الرعية.
فإلى تلك الحكومة التي ترقص وتغني على جراح المكلومين، نذكركم بموقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: “لو أن بغلة عثرت في العراق لظننت أن الله سائلي عنها لمَ لمْ تسوِّ لها الطريق؟”. فكيف بمن تسيل في عهدهم دماء الشباب أنهاراً، ويزهق في مدينة واحدة قرابة 50 نفساً خلال اشهر معدودة دون نكير أو حراك؟!
إن المسؤولية أمام الله تبارك وتعالى مسؤولية فردية ومباشرة، ولن تنفعكم مناصبكم ولا حراساتكم يوم يقف الخصوم بين يدي أحكم الحاكمين.
قال صلى الله عليه وسلم: “كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”، وقال أيضاً: “مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ”.
وأي غش أعظم من ترك الرعية نهباً للمجرمين والقتلة، والانشغال عنهم بالحفلات والمهرجانات؟!
إن إيقاف هذه المجازر في مدينة الزاوية، والقبض على الجناة، ورفع الغطاء الشرعي والمالي عن كل تشكيل مسلح يثبت تورطه في دماء الناس، هو واجب شرعي قطعي، وفرض عين على كل من بيده مقاليد الأمور.
وإن الاستمرار في سياسة التغافل والترفيه المبتذل وسط برك الدماء، هو استجلاب لغضب الله وعقابه، وسقوط أخلاقي وإنساني لا يمكن تبريره.
اتقوا الله في دماء الشباب، واعلموا أن عروشاً تُبنى على أشلاء الأبرياء هي عروش واهية، وأن دماء المظلومين ستظل لعنة تلاحق كل من ظلم، وكل من خذل، وكل من صمت.
ولله عاقبة الأمور.
وإنا لله وإنا إليه راجعون ..
المصدر:
الرائد