قال الخبير في الأمن والتحليل السياسي، فولفغانغ بوستاي، إن روسيا تواصل لعب دور رئيسي في ليبيا عبر دعمها قوات «القيادة العامة» بقيادة المشير خليفة حفتر، مؤكدا أن ليبيا تمثل أولوية استراتيجية لموسكو وبوابتها العسكرية إلى أفريقيا.
وفي تصريحات نُشرت أمس الأحد في مجلة «ميليتير أكتويل» النمساوية، المتخصصة في الشؤون الأمنية والعسكرية، أكد بوستاي الأهمية المحورية التي تمثلها ليبيا بالنسبة إلى طموحات روسيا في منطقة شمال أفريقيا وحوض البحر المتوسط، لافتا في الوقت نفسه إلى حرص الكرملين على الحفاظ على علاقات مع طرفي الصراع في شرق وغرب البلاد.
روسيا الشريك العسكري الأهم لليبيا
وتحدث بوستاي عن أهمية العلاقات بين ليبيا وروسيا، وقال إن «الاتحاد السوفيتي كان الشريك العسكري الأهم لليبيا في عهد معمر القذافي، وأن روسيا ورثت هذا الدور بعد انهيار الاتحاد السوفيتي»، مشيرا إلى أن «معظم المعدات الثقيلة التي تستخدمها قوات القيادة العامة تعود إلى الحقبة السوفيتية أو الروسية، كما تلقى العديد من كبار ضباط الجيش الليبي السابق تدريباتهم العسكرية في موسكو».
- مستشار في معهد أوكراني لـ«بوابة الوسط»: مخاوف من تحول البحر المتوسط قبالة ليبيا إلى «ساحة عمليات» بين كييف وموسكو
- فخ بروكسل.. كيف تراجع نفوذ أوروبا في ليبيا وصعدت روسيا وتركيا؟
- «فوربس»: ليبيا تحولت إلى ساحة مواجهة جديدة بين أوكرانيا وروسيا
وأضاف أن «المرتزقة الروس يدعمون القيادة العامة منذ العام 2016 على الأقل، وكان دورهم في البداية يقتصر على إزالة الألغام والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة والحماية الشخصية، قبل أن يشكلوا لاحقا العمود الفقري لسلاح الجو والدفاع الجوي التابع لها».
وأشار إلى أن «هذه القوات تعتمد بصورة شبه كاملة على الطائرات المقاتلة الروسية، ومنها طائرات (ميغ-21 إم إف)، و(ميغ-23 إم إل دي)، و(ميغ-29 إس إم)، و(سو-24 إم كيه)، إضافة إلى مروحيات (مي-8) و(مي-24 بي/مي-35)، وأنظمة الدفاع الجوي الروسية، بينما يتلقى الطيارون والفنيون الليبيون تدريباتهم في روسيا».
كما توفر روسيا، بحسب بوستاي، قوات مشاة قوامها يقارب كتيبة كاملة، إلى جانب قوات لوجستية واسعة داخل ليبيا.
روسيا لا تملك قواعد خاصة في ليبيا
لكنه أوضح أيضا أن «روسيا لا تمتلك قواعد خاصة بها في ليبيا، وأن أبرز المواقع العسكرية تشمل قواعد الخادم والقرضابية والجفرة وبراك الشاطئ، والتي تضم قواعد جوية ومرافق تدريب للقوات المدعومة من روسيا وهي قواعد مشتركة مع قوات القيادة العامة».
وقال بوستاي إن «روسيا ستظل شريكا لا غنى عنه لخليفة حفتر طالما بقي احتمال تعرض قواته لهجوم من المجموعات المسلحة المدعومة من تركيا في شمال غرب ليبيا قائما»، مضيفا أنه «لا يتوقع انسحاب المرتزقة الروس من ليبيا في المستقبل المنظور».
أهداف ذات طابع جيوسياسي
وأكد أن «الأهداف الرئيسية لروسيا في ليبيا ذات طابع جيوسياسي، إذ تستخدم البلاد نقطة انطلاق لتعزيز نفوذها في أفريقيا جنوب الصحراء وفي منطقة البحر المتوسط، من خلال ترسيخ وجودها العسكري في مواقع استراتيجية بشرق ليبيا وجنوبها».
وأضاف أن «روسيا تمتلك أيضا مصالح اقتصادية كبيرة في ليبيا، التي تضم أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، بما يزيد على ثلث احتياطيات القارة»، مشيرا إلى أن «موسكو ترى في ليبيا شريكا اقتصاديا مهما وفرصة لإضعاف النفوذ الغربي في شمال أفريقيا، وتسعى إلى توسيع حضورها الاقتصادي عبر مشاريع استراتيجية طويلة الأجل لإعادة إعمار البلاد».
الحفاظ على علاقات مع الشرق والغرب
وعلى الصعيد السياسي، أشار بوستاي إلى حرص روسيا على إقامة علاقات مع طرفي الصراع في ليبيا، وقال: «روسيا تحافظ على علاقات جيدة مع طرفي الصراع الليبي، فإلى جانب تحالفها مع قوات حفتر، تقيم أيضا علاقات عملية مع الحكومة برئاسة عبدالحميد الدبيبة في طرابلس، مع تركيز التعاون على الجوانب الاقتصادية، إضافة إلى الحصول على حقوق عبور جوي لطائرات النقل المتجهة إلى الجزائر ومالي».
وأشار إلى أن «العلاقات بين حكومة الدبيبة وروسيا تأثرت بوجود المرتزقة الروس في الشرق، وكذلك باتهامات وصفها بأنها غير مثبتة حول استخدام أوكرانيا قواعد في غرب ليبيا لتنفيذ هجمات بطائرات مسيرة ضد سفن تجارية روسية في البحر المتوسط، في حين بقيت العلاقات بين موسكو والشرق مستقرة إلى حد كبير».
إضعاف النفوذ الغربي
في سياق متصل، أوضح بوستاي أن «الاستراتيجية الروسية في أفريقيا والبحر المتوسط تهدف إلى إضعاف النفوذ الغربي، وضمان الوصول إلى الموارد الحيوية، وإنشاء وجود عسكري طويل الأمد، بما يشمل إقامة قواعد بحرية على سواحل البحر المتوسط والبحر الأحمر قرب طرق الملاحة الرئيسية، والحد من وصول الغرب إلى الموارد الأفريقية مثل اليورانيوم والذهب والعناصر الأرضية النادرة، إلى جانب توسيع النفوذ الروسي في شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء».
وأضاف أن «هذه الاستراتيجية تعتمد على الطائرات القتالية وطائرات النقل والقوات البحرية، إضافة إلى وحدات المرتزقة التي يقودها جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية»، مؤكدا أن «ليبيا، إلى جانب سورية سابقا، تمثل محور هذه الاستراتيجية».
وأشار إلى أن «الحفاظ على الوجود العسكري الروسي في أفريقيا سيكون غير ممكن من دون الوصول إلى القواعد الموجودة في ليبيا، حيث يجري نقل جزء كبير من الإمدادات اللوجستية جوا عبر سورية أو بعد عبور الأجواء التركية إلى ليبيا، التي تستخدم أيضا مركزا متقدما للإمداد والتدريب على القتال في الصحراء».
وأضاف أن «موسكو لا تمتلك حاليا بديلا عن ليبيا كبوابة عسكرية إلى أفريقيا»، مشيرا إلى أن «المرتزقة الروس أو حلفاء موسكو في ليبيا يمكنهم، على غرار الحوثيين في اليمن، تهديد حركة الملاحة في وسط البحر المتوسط باستخدام طائرات مسيرة بعيدة المدى، من دون أن تتحمل روسيا مسؤولية مباشرة».
استقرار نسبي في الشرق
فيما يتصل بالوضع الأمني الراهن في ليبيا، قارن بوستاي الوضع في شرق وغرب ليبيا، وقال إن «الشرق يتمتع حاليا باستقرار نسبي، بينما تشهد منطقة طرابلس والزاوية والساحل الغربي اشتباكات متكررة بين المجموعات المسلحة المتنافسة، على الرغم من أنها تخضع رسميا لسلطة الحكومة وتتلقى التمويل منها».
وأضاف أن «قوات القيادة العامة تواصل في الجنوب القتال ضد مجموعات متمردة محلية وأخرى مسلحة من النيجر وتشاد، بينما لا يزال إقليم فزان ملاذا آمنا للجماعات الجهادية الناشطة في الصحراء وغرب أفريقيا».
وأكد أن «الجريمة المنظمة تمثل مشكلة خطيرة في أنحاء ليبيا، وتشمل تهريب الوقود إلى دول الجوار وأوروبا، إضافة إلى تهريب المخدرات والأسلحة وعمليات الخطف والهجرة غير النظامية».
كما أشار إلى «أن مشاريع إعادة الإعمار في غرب البلاد تعثرت بسبب الفساد، بينما شهد الشرق تقدما ملحوظا منذ العام 2024»، مضيفا أن «جزءا من سكان الشرق والجنوب يعتبرون توزيع عائدات النفط من قبل مصرف ليبيا المركزي والحكومة في طرابلس غير عادل، نظرا إلى أن معظم الحقول النفطية تقع خارج إقليم طرابلس».
الفيدرالية أو مزيد من التفكك
في الإطار نفسه، استعرض بوستاي توقعاته للوضع السياسي الراهن في ليبيا، وقال إن «ليبيا، التي نادرا ما كانت تدار تاريخيا كدولة موحدة، لا تزال منقسمة بصورة عميقة»، مرجحا أن تتجه بحلول العام 2030 إلى الفيدرالية أو مزيد التفكك.
وختم بوستاي بالقول إن «ليبيا ستبقى أولوية استراتيجية لموسكو في أفريقيا، وإن روسيا تواصل توسيع تعاونها العسكري مع القيادة العامة عبر الزيارات المتبادلة، وتدريب العسكريين الليبيين، وتزويدهم بمعدات عسكرية حديثة»، مؤكدا أن هذه «الخطوات تحمل دلالات رمزية على اعتبار الشرق شريكا مهما، وتمهد لإمكانية بيع معدات أكثر تطورا بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا وتعافي الجيش الروسي».
لكنه قال أيضا إن «ليبيا لا تستطيع أن تحل محل سورية كقاعدة استراتيجية في البحر المتوسط، بسبب معارضة محلية لوجود قواعد أجنبية، واستمرار التحديات اللوجستية، فضلا عن أن إنشاء قاعدة بحرية دائمة يتطلب استثمارات كبيرة، كما ستكون عرضة لتهديد قوات حلف شمال الأطلسي المتمركزة في جزيرة كريت».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة