سلط المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية الضوء على ما عده «مؤشرات برزت في ليبيا خلال الأسابيع الماضية، تعكس اقتراب نهاية حالة الجمود السياسي المستمرة منذ العام 2021»، في إشارة إلى توصل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، في 18 يونيو، إلى اتفاق على وثيقة مبادئ وخريطة طريق، لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية موحدة بحلول 17 فبراير 2027.
لكنه قال، في تقريره المنشور أمس الجمعة، إن «نجاح هذا الاتفاق لا يزال محل شك، إذ لم تثبت الأطراف بعد التزامها بتنفيذه، في ظل ظهور مبادرات أخرى لحل الأزمة السياسية»، على الرغم من ترحيب جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي بالمقترح.
في المقابل، لفت التقرير إلى «عدم تبني السلطات في شرق ليبيا خريطة الطريق المعلنة مقابل دعمها المبادرة التي طرحها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس».
مبادرة أميركية لكسر الجمود في ليبيا
تناول المعهد الإيطالي بعض ملامح المبادرة الأميركية، التي كُشفت تفاصيلها تدريجيا خلال الأشهر الماضية عبر تصريحات بولس ومسؤولين آخرين، والتي تركز على تكريس الوضع القائم من خلال إعادة التقارب بين الطرفين الرئيسيين المتنافسين عبر حوافز اقتصادية، بهدف توحيد الحكومة والمؤسسات والموازنة العامة والمؤسسة العسكرية، بالتوازي مع دعم جهود الأمم المتحدة، لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
- مسعد بولس: خطوات توحيد ليبيا بدأت على الأرض.. والمبادرة الأميركية لا تهدف إلى تقسيم البلاد
- جريدة «الوسط»: مخاوف «الفرقاء» من تجاوب تيتيه مع خطط بولس
- تمتد حتى 2032.. مصادر تكشف لـ«بوابة الوسط» تفاصيل مشروع «خطة» بولس
ونقل التقرير عن مصادر أن «المبادرة تتضمن الإبقاء على عبدالحميد الدبيبة رئيسا للوزراء، مع إسناد منصب رئيس الدولة إلى صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة، بينما لا تزال ملامح الحكومة الموحدة المقترحة غير واضحة».
ومن أبرز النتائج التي تحققت في إطار هذا المسار للمرة الأولى منذ بداية المرحلة الانتقالية إعلان مصرف ليبيا المركزي، في أبريل، موازنة موحدة للدولة بعد 13 عاما من الانقسام، بالإضافة إلى المشاركة المشتركة لقوات «القيادة العامة» وحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» في مناورات «فلينتلوك»، التي تنظمها القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، خلال أبريل.
انتقادات واسعة
إلا أن المسار الذي تتبعه الإدارة الأميركية، بحسب تقرير المعهد الإيطالي، قد تعرض لانتقادات واسعة، حيث اعتبر منتقدوه أنه يركز على تحقيق الاستقرار السريع، وإبرام تفاهمات بين النخب الحالية، بدلا من الدفع نحو إصلاحات هيكلية، وتمثيل ديمقراطي حقيقي.
في المقابل، تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا التراجع على هامش المشهد السياسي، بينما بقيت خريطة الطريق الأممية، التي أُعلنت في أغسطس 2025، والقائمة على قوانين انتخابية متوافق عليها، وتوحيد المؤسسات، وإطلاق حوار وطني شامل، دون تنفيذ فعلي.
كما أدى تصاعد انعدام الثقة الشعبية والمؤسسية، على خلفية اتهامات بتجاوز الدور السياسي للبعثة وتشجيع توطين المهاجرين في ليبيا، إلى إضعاف دور الأمم المتحدة كوسيط في العملية السياسية.
وفي ظل التنافس بين المسار الأميركي البراغماتي وخريطة الطريق الأممية، تظل العملية السياسية في ليبيا هشة وغير مستقرة، في وقت عقدت فيه مصر والسعودية وتركيا اجتماعا في القاهرة، لمناقشة الملف الليبي، في مؤشر على تنامي التنسيق الإقليمي بالتوازي مع التحرك الأميركي.
الحل يجب أن يكون ليبيا خالصا
تعليقا على المبادرات الأممية والأميركية المقترحة، استعرض تقرير المعهد الإيطالي آراء محللين مراقبين للوضع في ليبيا، إذ ترى الباحثة في مركز الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، كاترينا روغيرو، أن «الاتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة يعكس استعدادا من الأطراف الليبية للعب دور أكثر فاعلية بعد سنوات من الجمود، ومحاولة تحمل مسؤولية توحيد البلاد».
وأشارت إلى أن «الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، أكدت أمام مجلس الأمن أن الاتجاه معروف، والأدوات موجودة، وما ينقص الآن هو الإرادة السياسية».
وأضافت روغيرو: «الخروج من الأزمة الليبية، التي استغلتها أطراف خارجية لتحقيق مصالحها، يجب أن يكون عبر إرادة ليبية خالصة»، لكنها حذرت في الوقت نفسه من «احتمال أن يكون الاتفاق محاولة من المؤسسات الرئيسية للحفاظ على سيطرتها، وتقاسم النفوذ، واستمرار منظومة الفساد القائمة على الولاءات».
خطة بولس لن تعالج جذور الأزمة
من جهته، يرى الباحث البارز في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، فولفرام لاخر، أن «الوساطة الأميركية الحالية تتجاوز عقدا كاملا من الجهود التي قادتها الأمم المتحدة، والتي استندت إلى المؤسسات والأطر القانونية والمشاركة الشاملة، لكنها لم تحقق نتائج ملموسة».
وأوضح: «خطة مسعد بولس تقوم على تقاسم السلطة بين عائلتي حفتر والدبيبة»، معتبرا أنها «لن تحل مشكلات ليبيا حتى لو نجحت، لأن استمرار هيمنة العائلتين سيؤدي إلى مزيد من استنزاف المال العام، فضلا عن خلق وضع ينتظر فيه كل طرف اللحظة المناسبة للانقضاض على الآخر، والانفراد بالسلطة».
قطاع الطاقة أمام فرصة غير مسبوقة
بدورها، قالت المحررة المساهمة في نشرة الشرق الأوسط الاقتصادية، كيت دوريان، إن «قطاع الطاقة الليبي يبدو في أفضل أوضاعه منذ عقود، بعدما أبرز إغلاق مضيق هرمز أهمية ليبيا كمنتج متوسطي قريب من الأسواق الأوروبية، وبعيد عن مخاطر اضطراب طرق التصدير في الخليج».
وأضافت: «اعتماد موازنة موحدة من شأنه تقليل الخلافات التمويلية التي عطلت القطاع مرارا، بينما عززت النجاحات الأخيرة في أعمال الاستكشاف وعودة اهتمام شركات النفط الدولية الثقة بإمكانات قطاع الاستكشاف والإنتاج».
وأشارت إلى أن ليبيا تستهدف أن تمثل مصادر الطاقة المتجددة 22% من مزيج إنتاج الكهرباء بحلول العام 2035، مع توجيه مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لدعم إنتاج النفط والغاز، وتوفير المزيد من المحروقات للتصدير، فضلا عن خطط لربط شبكات الكهرباء مع إيطاليا واليونان ومالطا، بما يعزز دور ليبيا في سوق الطاقة الأوروبية.
تنسيق إقليمي بدلا من التنافس
في سياق آخر، قال مؤسس والمدير المشارك لمعهد «صادق»، أنس القماطي: «اجتماع القاهرة يعكس انتقال القوى الإقليمية من مرحلة التنافس على ليبيا إلى مرحلة التنسيق بشأنها»، موضحا: «تركيا ومصر والسعودية تتقارب حاليا ليس حول رؤية مشتركة لمستقبل ليبيا، وإنما حول تقليل كلفة انخراطها في الأزمة، وتحقيق الاستقرار، وإدارة مرحلة ما بعد خليفة حفتر».
وأضاف القماطي: «السيناريو المرجح، برعاية مسعد بولس، يتمثل في تعيين صدام حفتر رئيسا للدولة مع الإبقاء على عبدالحميد الدبيبة رئيسا للحكومة، مستندا إلى الموازنة الموحدة والمناورات العسكرية المشتركة بوصفهما أساسا سياسيا لهذا الترتيب».
واعتبر أن «هذا المسار لا يمثل انتقالا سياسيا حقيقيا، بل تسوية بين النخب برعاية خارجية تعزز النفوذ العائلي للطرفين، وتؤجل حصول الليبيين على توافق سياسي وتمثيل فعلي إلى أجل غير محدد».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة