التوافقات السريعة والمفاجئة بين الخصوم الذين أدمنوا التعطيل لسنوات لا تهبط من السماء كصحوة ضمير، بل تأتي نتيجة مباشرة لوجود تهديد وجودي يمس احتكارهم للسلطة ومصالحهم.
الخبر الذي أعلنته المبعوثة الأممية هانا تيتيه عن نجاح الجولة الرابعة من الاجتماع المصغر في تونس، والتوصل إلى توافق حول قانون الانتخابات الرئاسية واستكمال مجلس المفوضية، لا يُقرأ على ظاهره الدبلوماسي، بل يُقرأ استراتيجياً من زاوية واحدة: هذه هي الثمار الأولى لنجاح الحوار المهيكل والتلويح الجاد بورقة المسار البديل.
بصفتي عضواً في مسار الحوكمة، أقولها بوضوح: هذه الأجسام الممثلة في الاجتماع المصغر لم تذهب إلى تونس لتتفق حباً في الانتخابات أو تنازلاً من أجل الوطن، بل ذهبت وهي تدرك أن تقريرنا النهائي قد وُضع على طاولة مجلس الأمن كخطة بديلة جاهزة ومكتملة.
لقد أدركت، عقب الإحاطة الأممية الأخيرة، أن تجاوز المجلسين والانتقال إلى خيارات أخرى أصبح احتمالاً حقيقياً وقريباً.
لذلك فإن هذا التوافق السريع يمثل محاولة تكتيكية لامتصاص الصدمة، واحتواء الضغط الدولي، وإثبات أنها ما زالت تملك زمام المبادرة.
لكن بقراءة سياسية واعية لا تنخدع بالابتسامات أمام الكاميرات، يجب ألا نغرق في التفاؤل الساذج.
إن ترحيل استكمال التفاهمات إلى جولة خامسة الشهر المقبل قد يكون تكتيكاً لشراء الوقت وتنفيس الاحتقان.
في السياسة، تكمن التفاصيل الحاسمة في طبيعة التوافق المعلن: هل هو توافق حقيقي يمهد الطريق إلى صناديق الاقتراع؟ أم توافق ملغوم يعيد إنتاج الخلافات عبر شروط الترشح وغيرها من القضايا الخلافية، بما يقود لاحقاً إلى رفض القوانين والعودة إلى نقطة الصفر؟
رسالتنا اليوم، بعد إصدار تقريرنا، واضحة: نحن نراقب عن كثب، ونعتبر ما حدث في تونس نتيجة مباشرة لهندسة الضغط التي مارسها الحوار المهيكل. وقد أثبتت التجربة أن هذه الأجسام لا تتحرك خطوة إلى الأمام إلا تحت ضغط حقيقي.
لكننا نؤكد أيضاً أن الوعود وحدها لم تعد كافية. فالمهلة الزمنية الصارمة البالغة 45 يوماً، التي وضعها مسار الحوكمة كخيار أخير لإنهاء هذا العبث، بدأت بالفعل في الانقضاء.
وعليه، يجب أن تكون الجولة الخامسة المقررة الشهر المقبل جولة حسم وتوقيع نهائي، لا جولة جديدة من المناورات المفتوحة.
أما إذا جرى توظيف هذا التقدم التكتيكي كوسيلة جديدة لإطالة أمد الأزمة، فإن المسار البديل، المتمثل في لجنة الحوار الموسعة، يبقى جاهزاً للانطلاق فوراً بدعم الإرادة الوطنية والغطاء الدولي.
لقد بدأ احتكار القرار السياسي يتصدع، وما نشهده اليوم من تنازلات مفاجئة ليس إلا انعكاساً لحجم الضغط المتزايد. وستستمر هذه الضغوط حتى تُستعاد الدولة وتُعاد الأمانة إلى الشعب الليبي.
المصدر:
الرائد