استحوذت الصفقة الأميركية ومناورات الرئاسات الثلاث في ليبيا على عناوين الإعلام الفرنسي الذي أشار إلى تنافس ثلاث خرائط طريق وانعدام الثقة المزمن بين الأطراف الفاعلة.
عشية جلسة حاسمة لمجلس الأمن بشأن الأزمة الليبية، فوجئت المبعوثة الخاصة للأمم المتحدة، هانا تيتيه، بمناورة سياسية كبيرة، فقد كشف رؤساء المؤسسات الثلاث في ليبيا - محمد المنفي (المجلس الرئاسي)، وعقيلة صالح (مجلس النواب)، ومحمد تكالة (المجلس الأعلى للدولة)، عن «خارطة طريق» وطنية تحدد 17 فبراير 2027 موعداً نهائياً لإجراء انتخابات عامة، حسب مجلة «موندافريك» الفرنسية في تقرير لها.
يهدف هذا التوقيت، الذي لا يخلو من الغموض، إلى استباق نتائج الحوار المهيكل برعاية البعثة، كما يُمثل رداً ضمنياً على المبادرة الأميركية بقيادة مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترامب، وبين هذه السيناريوهات الثلاثة المتنافسة، علقت المجلة أن طرابلس الآن وكأنها في سباق مع الزمن، بينما يخشى المجتمع الدولي العودة إلى نقطة الصفر، وفق المجلة.
ولا تقتصر الوثيقة على تحديد موعد نهائي للانتخابات في 17 فبراير المقبل، بل تسعى إلى حلّ أكثر النزاعات حساسية. ويُقرّ النص القوانين الصادرة عن لجنة «6+6» (وهي فريق عمل قانوني مُكلّف بوضع الصيغة النهائية لقوانين الانتخابات، ويتألف من ستة أعضاء من مجلس النواب وستة من المجلس الأعلى للدولة) باعتبارها المرجع الوحيد المُعتمد، مُستبعداً أي حل آخر نابع من «المائدة المستديرة المُغلقة» أو الحوار المهيكل بشأن مراجعة قوانين الانتخابات. زيادة على ذلك، ينصّ على أن أي تغييرات في المناصب السيادية يجب أن تجري في إطار اتفاقية بوزنيقة بين المجلسين، وهو بند يُفسّر على أنه محاولة لحماية هذه المسألة من الضغوط الداخلية والدولية.
وحسب المجلة الفرنسية، الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو ما أغفلته خارطة الطريق، فهي لا تذكر أي تعديل في السلطة التنفيذية (الحكومة والمجلس الرئاسي) خلال الفترة الانتقالية. وتقرأ في هذا الإغفال أنه يُخفي فعلياً العنصر الأساسي لمبادرة مسعد بولس، القائمة تحديداً على إعادة توازن القوى بين الشرق والغرب.
ومن خلال هذا التصرف، تُرسّخ الرئاسات الثلاث مكانتها كضامنة لشرعية المؤسسات القائمة، في مواجهة ما تُصوّره على أنه «تدخل خارجي» يهدف إلى إطالة أمد الأزمة إلى أجل غير مسمى.
جلسة مغلقة متوترة في مجلس الأمن
ونقلت «موند أفريك» عن مصادر مطلعة على وقائع الجلسة المغلقة لمجلس الأمن، التي عُقدت في 18 يونيو، بأن تيتيه اتخذت موقفاً حازماً للغاية. فقد أعربت عن تحفظات عميقة، معتبرةً أن توقيت هذا الإعلان ليس بالأمر الهين، وأنه يُمثل «محاولةً للحفاظ على الوضع الراهن» ومعارضةً صريحةً للحوار المعروف باسم «4+4» الذي تشرف عليه.
وفي كشف نادر عن خفايا الاجتماع الداخلي، أفادت أن المبعوثة، التي استهدفت ضمنياً رئيسي مجلسي النواب والدولة، وصفت الموقعين على الاتفاقية بـ«المعرقلين». وأكدت أن الخلافات حول قوانين الانتخابات لا تزال قائمة، وأن إجراء انتخابات قبل تسويتها سيكون عبثياً. ورفعت صوتها محذرةً من أن استمرار الجمود قد يجبرها على اللجوء إلى المادة 64 من الاتفاق السياسي كبديل لتجاوز المؤسسات المشلولة، على الرغم من رغبتها المعلنة في تجنب هذا الإجراء المتطرف.
- وفد من مصراتة يعرب لـ«تيتيه» عن «مخاوفه» بشأن «غياب الشفافية» في العمليات السياسية
- تيتيه: الحوار المهيكل أصدر 600 توصية تعالج أبرز التحديات البنيوية في ليبيا
- «فاينانشيال تايمز»: مسعد بولس يقود خطة أميركية لتقاسم السلطة في ليبيا
- رئاسيات «النواب» و«الدولة» و«الرئاسي» تعتمد «خريطة طريق»: انتخابات بموعد أقصاه فبراير 2027
وفيما يتعلق بالحوار المهيكل، أقرت تيتيه بوجود توافق واسع النطاق في معظم الجوانب، باستثناء الحوكمة، حيث حاولت أقلية، في رأيها، «فرض رؤيتها». ومع ذلك، قللت من شأن تأثير هذه الخلافات، مشيرة إلى أن التوصيات الناتجة عن هذا الحوار ليست ملزمة قانوناً وأن البعثة سيكون لديها شهر واحد لمراجعتها قبل تقديمها إلى المجلس.
دعم دولي للمهمة وقلق أميركي
وفي تحليل المجلة لمداخلات الدول الأعضاء خلال الجلسة المغلقة، فقد كشفت عن جبهة موحدة من القوى الكبرى - روسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة والدنمارك - لدعم جهود البعثة وآلية الحوار المقيد، التي تُعتبر حجر الزاوية لأي تسوية دائمة. وطلبت موسكو توضيحاً بشأن إجراءات اعتماد التوصيات، واستفسرت لندن عن الخطوات التالية؛ وأدانت باريس المظاهرات الأخيرة أمام مقر البعثة، وربطتها بتصاعد التوترات وحملات الكراهية ضد المهاجرين، مع الترحيب بالهدف الانتخابي.
في غضون ذلك، أضاف بيان صادر عن القيادة العامة للجيش الليبي، بقيادة خليفة حفتر، بُعداً جديداً للأزمة. فقد رحّب حفتر رسمياً بالمبادرة الأميركية التي أطلقها مسعد بولس، واصفاً إياها بأنها «المفتاح المفقود لحل سلمي»، وأعلن استعداده للتفاوض مباشرةً بشأن بنودها، شريطة حصوله على دعم واضح من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وفق المجلة.
يؤكد هذا الموقف، الذي يتناقض تماماً مع خارطة طريق الرئاسات الثلاث التي تتجاهل أي مراجعة للسلطة التنفيذية، الانقسام الداخلي بين أولئك الذين يراهنون على توحيد المؤسسات القائمة عبر صيغة «6+6»، وأولئك الذين يراهنون على إعادة توزيع السلطة تحت رعاية واشنطن.
الشهر المقبل سيكون حاسماً
وقد يكون الشهر المقبل حاسماً لتحديد ما إذا كانت ليبيا تتجه نحو فترة هدوء حقيقية أم أنها على وشك الانزلاق إلى مرحلة جديدة من الفوضى. وهل ستتمكن الإرادة المحلية من كسر جمود صنع القرار الدولي؟ أم أن المبادرة الأميركية، المدعومة بدعم محتمل من البعثة، ستنتصر في نهاية المطاف؟ هذا ما أبرزت تساؤلات المجلة.
من جانبها، ركزت جريدة «لاكروا» الفرنسية على جهود واشنطن، مشيرة إلى أنه بعد أن تحررت الإدارة الأميركية جزئياً من عبء الحرب في إيران، باتت تمارس ضغوطاً على ليبيا لتمهيد الطريق أمام استغلال النفط.
في العام 2021، كان الليبيون قد تسلموا بطاقاتهم الانتخابية استعداداً لانتخابات برعاية الأمم المتحدة، قبل أن تعود الانقسامات التي تعصف بالبلاد إلى الظهور مجدداً.
وتعليقاً على الإعلان عن الانتخابات، التشريعية والرئاسية على حد سواء، قبل 17 فبراير (ذكرى الانتفاضة ضد القذافي)، يوضح جلال حرشاوي، الخبير في الشأن الليبي بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة، قائلاً للجريدة: «لدى هؤلاء الشخصيات الثلاثة ما يبرر شعورهم بالتهديد جراء المفاوضات الجارية مع إدارة ترامب، التي تُصعّد ضغوطها منذ إبرام اتفاقها مع إيران».
وتسعى واشنطن إلى إعادة توزيع السلطة، حيث من المتوقع أن يحتفظ رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة بمنصبه في الغرب، وأن يصبح صدام حفتر، نجل المشير، رئيساً للبلاد.
هل الولايات المتحدة مهتمة بإجراء انتخابات؟
ويبدو أن هذا لم يكن هدف المبعوث الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، كما توضح الجريدة، فمنذ نهاية العام 2025، تضمنت «خطته» تقارباً سياسياً بين الشرق والغرب، لكن لم يُذكر إجراء انتخابات قط. ويضيف الخبير: «هدفه هو التوصل إلى «صفقة» سياسية، مع حكومة موحدة تدوم عاماً أو عامين، وذلك لتقديم هيكل قابل للتطبيق لشركات النفط العملاقة التي لا ترغب في التعامل مع حكومتين».
وتمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا (حوالي 48.4 مليار برميل) وموارد غازية كبيرة. وفي فبراير، منحت ليبيا امتيازات نفطية لشركة شيفرون الأميركية. كما جرى التوصل إلى اتفاقيات مع إكسون موبيل وشركة «إس إل بي» لتحديث البنية التحتية.
ولا ترغب واشنطن في مواجهة مثل هذه المعضلة، وإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في ليبيا في آن واحد قد يفشل في أي لحظة، لا سيما أن دور الرئيس غير محدد بوضوح.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة