آخر الأخبار

تهديدات الانسحاب من اتفاق الإنفاق الموحد.. ما تداعياتها على اقتصاد ليبي يواجه أزمات متراكمة؟

شارك

أعاد الخطاب الذي وجهه رئيس لجنة الإنفاق الموحد بمجلس النواب، عيسى العريبي، إلى محافظ مصرف ليبيا المركزي، الجدل حول مستقبل اتفاق الإنفاق الموحد ومدى قدرة الأطراف السياسية والتنفيذية على الالتزام به. وجاءت التحذيرات من إمكانية العودة إلى آليات التمويل السابقة في وقت تتزايد فيه المخاوف الاقتصادية من تداعيات أي انتكاسة قد تصيب مسار توحيد الإنفاق العام، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أهم أدوات الحد من الانقسام المالي وضبط المصروفات العامة في البلاد.

الاتفاق مهدد بسبب عدم الالتزام

وفي رسالته إلى محافظ مصرف ليبيا المركزي، اعتبر عيسى العريبي أن استمرار ما وصفه بالصرف والإنفاق خارج إطار الاتفاق من قبل حكومة الوحدة الوطنية يقوض الأسس التي قام عليها اتفاق الإنفاق الموحد، ويهدد الجهود التي بُذلت للوصول إليه.

وأكد العريبي أن الطرف الذي يمثله يحتفظ بحقه في العودة إلى الآليات والإجراءات السابقة المعمول بها قبل إبرام الاتفاق، إذا استمرت المخالفات وعدم الالتزام ببنوده، مطالبًا المصرف المركزي بالتدخل لضمان التنفيذ الكامل والفوري للاتفاق.

ويعكس هذا الموقف حجم التوتر القائم بين الأطراف المعنية بإدارة المال العام، ويثير تساؤلات حول قدرة الاتفاق على الاستمرار في ظل الخلافات المتكررة بشأن آليات تنفيذه.

مخاوف من عودة الإنفاق غير المنضبط

ويرى رجل الأعمال والخبير الاقتصادي حسني بي أن أي انسحاب من اتفاق توحيد الإنفاق قد يدفع البلاد مجددًا نحو مرحلة الإنفاق المتعدد المصادر وغير المنضبط، وهي المرحلة التي سعت المؤسسات المالية خلال السنوات الأخيرة إلى تجاوزها.

ويؤكد “بي” في تصريح للرائد أن توحيد المؤسسات المالية لا يمكن أن يتحقق دون توحيد قواعد الإنفاق والرقابة ومصادر التمويل، محذرًا من أن التوسع في الإنفاق دون غطاء مالي حقيقي أو عبر قنوات متعددة سيؤدي إلى زيادة الالتزامات غير الممولة وارتفاع معدلات التضخم.

كما يشير إلى أن أي تراجع عن آلية الإنفاق الموحد سيضعف مستويات الشفافية والرقابة على المال العام، ويقوض جهود الإصلاح المالي التي تستهدف ضبط المصروفات وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
ضغوط متوقعة على سعر الصرف

ومن بين أبرز التداعيات التي يحذر منها الخبراء، انعكاس الخلافات المالية على سوق النقد الأجنبي وسعر صرف الدينار الليبي.

وفي هذا السياق، يرى حسني بي أن زيادة الإنفاق بالعجز أو تعدد مصادر التمويل سيرفع الطلب على الدولار، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، ويزيد الضغوط على العملة المحلية.

ويؤكد أن الحفاظ على استقرار سعر الصرف يتطلب ربط الإنفاق العام بالإيرادات الفعلية، خصوصًا الإيرادات النفطية المحولة إلى مصرف ليبيا المركزي، مع وقف التمويل بالعجز والحد من المضاربات في سوق العملات الأجنبية.

أقرب إلى شعار سياسي

من جانبه، يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة عبد الحميد الفضيل أن الخطر لا يكمن فقط في التهديد بالانسحاب من الاتفاق، بل في غياب إطار مالي واضح يحدد سقف الإنفاق وآليات الالتزام به.

ويشير الفضيل في تدوينة على صفحته الشخصية إلى أن تجاوز منتصف السنة المالية دون صدور وثيقة رسمية تنظم الإنفاق الحكومي يثير مخاوف حقيقية بشأن الاستقرار المالي، معتبرًا أن اتفاق الإنفاق الموحد لا يزال أقرب إلى “شعار سياسي” منه إلى إطار مالي منضبط وقابل للتطبيق.

كما يحذر من أن استمرار الخلافات بين الأطراف المختلفة قد يؤدي إلى تسارع وتيرة الإنفاق المزدوج خلال النصف الثاني من العام، الأمر الذي سينعكس على زيادة الطلب على النقد الأجنبي وارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.

لاتفاق فُرض أكثر مما تم التوافق عليه

أما المحلل الاقتصادي مختار الجديد فيقدم قراءة مختلفة لطبيعة الاتفاق نفسه، إذ يرى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الاتفاق لم يكن نتاج توافق كامل بين الأطراف المحلية، بل جاء نتيجة ضغوط وتدخلات دولية دفعت الأطراف إلى التوقيع عليه.

وبحسب الجديد، فإن هذا الواقع يفسر محاولات التنصل المتكررة من الالتزامات المرتبطة بالاتفاق، مشيرًا إلى أن كل طرف يحاول بين الحين والآخر تجاوز القيود المفروضة عليه أو البحث عن منافذ للإنفاق خارج الإطار المتفق عليه.

ومع ذلك، يعتقد الجديد في تدوينة على صفحته الشخصية أن الضغوط الدولية التي ساهمت في فرض الاتفاق لا تزال قائمة، وهو ما يجعل فرص الانسحاب الكامل منه محدودة رغم التصعيد السياسي والإعلامي المتكرر.

اتفاق غير قابل للتنفيذ

ومن جهته قال رئيس اللجنة المالية بمجلس النواب، عمر تنتوش، إن الاتفاق التنموي الموحد غير قابل للتنفيذ، مضيفا أنه من رغم اجتماعات الأطراف المعنية ووضعها قواعد للإنفاق وآليات التنفيذ، يبقى السؤال: لماذا لم يدخل الاتفاق حيز التنفيذ رغم توقيعه في شهر أبريل الماضي.
وتابع في تصريح لمنصة “فواصل” أن هناك عدم رغبة في توحيد الإنفاق وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين الأطراف الموقعة، ولا أعلم الأسباب التي تعرقل هذا الاتفاق، مشيرا إلى أن هذا الاتفاق سيحافظ على وحدة الميزانية ووحدة الصرف في وجود خطة محكمة وأطراف موحدة لتنفيذه.

المواطن الحلقة الأضعف

ورغم تباين التقديرات بشأن مستقبل الاتفاق، يتفق الخبراء على أن المواطن الليبي سيكون المتضرر الأول من أي انهيار في آليات ضبط الإنفاق العام.

فارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة الدينار وزيادة أسعار السلع والخدمات تمثل النتائج المباشرة لأي توسع في الإنفاق غير المنضبط أو عودة الانقسام المالي، وهو ما ينعكس في النهاية على القوة الشرائية ومستوى المعيشة.

وتكشف التحذيرات المتبادلة بشأن اتفاق الإنفاق الموحد عن هشاشة التوافقات المالية في ليبيا واستمرار التباين بين الأطراف السياسية والتنفيذية حول إدارة المال العام. وبينما يرى البعض أن التهديد بالانسحاب يمثل ورقة ضغط سياسية أكثر منه خيارًا عمليًا، يحذر خبراء الاقتصاد من أن أي تراجع عن مسار توحيد الإنفاق قد يعيد البلاد إلى دوامة الفوضى المالية، ويضاعف الضغوط على سعر الصرف ومستويات التضخم، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد الليبي إلى مزيد من الانضباط والشفافية والاستقرار أكثر من أي وقت مضى.

الرائد المصدر: الرائد
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا