آخر الأخبار

هل تصبح ليبيا في «مرمى النينيو»؟

شارك
مصدر الصورة
رئيس اللجنة العلمية بمنظمة الحياة لحماية الكائنات البرية والبحرية، فرج سليمان مازق والخبير الليبي الدكتور علي المبروك. (بوابة الوسط)

مع دخول فصل الصيف تتجه أنظار العالم إلى ظاهرة «النينيو»، التي عادت إلى واجهة النقاشات المناخية العالمية بعد تحذيرات أطلقتها المؤسسات الدولية المختصة بالأرصاد الجوية. وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة تنشأ في أعماق المحيط الهادئ، لكن تداعياتها تمتد عبر القارات والبحار، لتصل إلى مناطق بعيدة، من بينها ليبيا، التي تواجه أصلا تحديات مناخية متزايدة.

مصدر الصورة مصدر الصورة

وفي ظل هذه الظروف، تحاول«الوسط» معرفة آراء الخبراء حول التأثيرات المحتملة لهذه الظاهرة العالمية على ليبيا.

«الظاهرة تُعد أحد أبرز مظاهر التذبذب المناخي الطبيعي على مستوى العالم، وهي تمثل أحد أطوار نظام مناخي واسع يُعرف باسم (ظاهرة النينيو والتذبذب الجنوبي)، وهو نظام يرتبط بالتفاعل المستمر بين المحيط والغلاف الجوي فوق المحيط الهادئ الاستوائي».. هكذا بدأ رئيس اللجنة العلمية بمنظمة الحياة لحماية الكائنات البرية والبحرية، فرج سليمان مازق، حديثه معنا.

مازق وهو مدرس الجغرافيا بجامعة درنة يضيف :«في الظروف المناخية الاعتيادية، تدفع الرياح التجارية المياه الدافئة من سواحل أميركا الجنوبية نحو غرب المحيط الهادئ باتجاه أستراليا وإندونيسيا، بينما تصعد المياه الباردة من أعماق المحيط إلى السطح قبالة سواحل أميركا الجنوبية فيما يُعرف بظاهرة (الرفع أو الانبثاق المائي). أما خلال سنوات (النينيو)، فإن هذا النظام يضعف أو ينعكس جزئيا، فتتحرك كتل المياه الدافئة نحو وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، ما يؤدي إلى تراكم كميات كبيرة من الحرارة في تلك المنطقة، ليس على السطح فقط بل أحيانا في الطبقات المائية العميقة أيضا».

الخبير الليبي يرى أن هذا «التراكم الحراري يؤدي إلى إعادة توزيع الطاقة داخل النظام المناخي العالمي، فتحدث تغيرات واسعة النطاق في أنماط الطقس والمناخ، تشمل مسارات العواصف والمنخفضات الجوية، وتوزيع الأمطار، وموجات الحر والجفاف في مناطق مختلفة من العالم».

ويكمل:«من المهم تأكيد أن (النينيو) ليست ظاهرة جديدة، بل هي ظاهرة طبيعية متكررة رصدها العلماء منذ فترات طويلة. أما التغير المناخي فهو أمر مختلف، إذ يشير إلى تغيرات طويلة الأمد في النظام المناخي العالمي ترتبط بصورة كبيرة بارتفاع تركيز غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن الأنشطة البشرية، إلا أن التفاعل بين الظاهرتين أصبح محل اهتمام متزايدا، لأن الاحترار العالمي قد يؤدي إلى تضخيم بعض التأثيرات المصاحبة لـ(النينيو)، خاصة موجات الحر والأحداث المناخية المتطرفة».

- تحذيرات من «سوبر إل نينيو».. تهديد مزدوج لأمن الطاقة والغذاء في آسيا
الأمطار الموسمية في الهند عند أدنى مستوى في 5 أعوام بسبب ظاهرة «النينيو»

ما تأثيرها على مناطق حوض البحر المتوسط، وفي ليبيا؟
على الرغم من أن منشأ ظاهرة «النينيو» يقع في المحيط الهادئ الاستوائي، فإن تأثيراتها لا تقتصر على تلك المنطقة، بل تمتد إلى أجزاء واسعة من العالم من خلال ما يُعرف بـ«الترابطات المناخية العالمية»، فتؤثر التغيرات في توزيع الحرارة على أنماط دوران الغلاف الجوي العالمي.

وعندما تتراكم كميات كبيرة من الحرارة في المحيط الهادئ، قد تتغير مواقع ومسارات التيارات النفاثة، وهي من أهم العناصر المتحكمة في حركة المنخفضات الجوية والعواصف، وأنماط الهطول المطري في العالم.

وبالنسبة لمنطقة البحر المتوسط، فإن تأثير «النينيو» يُعد تأثيرا غير مباشر وغير ثابت، إذ يتداخل مع مجموعة من العوامل المناخية الأخرى، مثل تذبذب شمال الأطلسي، ودرجة حرارة مياه البحر المتوسط، وأنظمة الضغط الجوي الإقليمية. لذلك قد تشهد بعض مناطق المتوسط مواسم أكثر دفئا من المعتاد خلال سنوات النينيو، بينما قد تشهد مناطق أخرى تغيرات في توزيع الأمطار أو زيادة بحدة بعض الظواهر الجوية المتطرفة.
لهذا لا يمكن التعامل مع ظاهرة «النينيو» بوصفها العامل الوحيد المسؤول عن التغيرات الجوية في المنطقة، بل بوصفها إحدى المؤثرات ضمن منظومة مناخية معقدة ومتداخلة.

• وما التأثيرات الملموسة التي تلاحظونها لظاهرة «النينيو» وتغير المناخ على ليبيا، سواء من ناحية الأمطار أو درجات الحرارة؟

تأثير ظاهرة «النينيو» يظل في معظمه تأثير غير مباشر على ليبيا، نظرا لوقوع البلاد خارج النطاق الرئيسي لتأثير هذه الظاهرة. كما أن ليبيا تقع في منطقة انتقالية تتأثر في الوقت نفسه بالمؤثرات الصحراوية من الجنوب، والمنخفضات المتوسطية والتيارات النفاثة القادمة من العروض العليا.

ومن خلال مراجعة السجلات المناخية السابقة، يمكن ملاحظة أن سنوات «النينيو» غالبا ما ترتبط بارتفاع درجات الحرارة فوق معدلاتها الطبيعية بأجزاء واسعة من شمال أفريقيا، بما في ذلك ليبيا.

لذلك من المرجح أن ترتفع فرص حدوث موجات حر أكثر شدة أو أطول زمنا، خاصة في ظل استمرار الاحترار العالمي الذي أصبح عاملا مضاعفا للتطرف المناخي. أما فيما يتعلق بالأمطار، فالصورة أكثر تعقيدا، فليبيا تتأثر بدرجة كبيرة بمسار التيار النفاث القطبي والتيار النفاث شبه المداري، وأي تغير في مواقع هذه التيارات قد يؤدي إلى نتائج مختلفة تماما. ففي بعض الحالات قد ينزاح التيار النفاث جنوبا باتجاه سواحل شمال أفريقيا، ما يسمح بعبور منخفضات جوية عميقة، وزيادة فرص هطول أمطار غزيرة أو حدوث فيضانات مفاجئة. كما أن التحام التيار النفاث القطبي مع التيار النفاث شبه المداري قد يؤدي إلى حالات جوية شديدة التطرف، ترفع من احتمالات الفيضانات والسيول.

وفي حالات أخرى، قد ينزاح التيار النفاث شمالا، فتسود ظروف أكثر استقرارا وجفافا، لذلك فإن إصدار توقعات دقيقة بشأن كميات الأمطار في ليبيا استنادا إلى «النينيو» وحدها يبقى أمرا بالغ الصعوبة من الناحية العلمية، ويستلزم متابعة مستمرة لمختلف المؤشرات المناخية والغلافية.

• .. وكيف يؤثر تغير المناخ وظاهرة «النينيو» المتكررة على ارتفاع مستوى سطح البحر؟ وما المخاطر التي تهدد المدن الليبية الساحلية؟

ارتفاع مستوى سطح البحر أحد أبرز التحديات المرتبطة بالتغير المناخي العالمي، وينتج بصورة رئيسية عن التمدد الحراري لمياه المحيطات والبحار نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى ذوبان الأنهار والصفائح الجليدية في المناطق القطبية.

أما تأثير «النينيو» على هذا الجانب فيبقى موقتا ومحدودا مقارنة بالتأثيرات الطويلة الأمد المرتبطة بالاحترار العالمي. وبالنسبة لليبيا، فإن امتداد الساحل الليبي على طول البحر المتوسط يجعل العديد من المدن الساحلية والمنشآت الاقتصادية والبنى التحتية عرضة لمخاطر متزايدة مستقبلا، من بينها تآكل الشواطئ، وارتفاع ملوحة المياه الجوفية الساحلية، وزيادة مخاطر الفيضانات البحرية في أثناء العواصف القوية، فضلا عن التأثيرات المحتملة على الموانئ والمنشآت الحيوية الواقعة بالقرب من الساحل. من هنا تبرز أهمية دمج الاعتبارات المناخية في التخطيط العمراني وإدارة المناطق الساحلية، بما يضمن تعزيز قدرة المدن الليبية على التكيف مع التحديات المناخية المستقبلية.

كيف يمكن التوفيق بين التنمية واحتياجات الطاقة وحماية البيئة؟
أعتقد أن أهم درس ينبغي أن تستفيد منه ليبيا من التجارب السابقة هو أن إدارة المخاطر المناخية لا تبدأ عند وقوع الكارثة، بل من خلال الاستعداد المسبق، وبناء منظومات فعالة للرصد والتنبؤ والإنذار المبكر.

ومن هذا المنطلق، فإن الأولوية الأولى تتمثل في إنشاء منظومة وطنية متكاملة للإنذار المبكر، قادرة على متابعة الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة، وإصدار التحذيرات في الوقت المناسب، بما يحد من الخسائر البشرية والمادية. كما أن تحديث شبكة محطات الرصد الجوي، وتوسيع نطاق تغطيتها الجغرافية، يعدان أمرين بالغي الأهمية، خاصة أن جزءا من هذه الشبكات يعاني التقادم أو محدودية الكفاءة التشغيلية.

ليبيا تحتاج إلى تعزيز التعاون الإقليمي والدولي مع المراكز المناخية والأرصاد المتخصصة. كما ينبغي أن تسير جهود التنمية الاقتصادية وتلبية احتياجات الطاقة جنبا إلى جنب مع حماية البيئة، وتعزيز القدرة على التكيف المناخي، من خلال الاستثمار في مصادر الطاقة النظيفة.

التعامل مع ظاهرة «النينيو» يجب أن يكون بعيدا عن التهويل من جهة، وعن التقليل من أهميتها من جهة أخرى، فالنهج العلمي السليم يقوم على المتابعة الدقيقة للمؤشرات المناخية، والاستعداد المسبق، وبناء القدرات الوطنية في مجالات الرصد والتنبؤ وإدارة المخاطر. فالمخاطر المناخية أصبحت جزءا من الواقع العالمي المعاصر.

لكن التغير المناخي لا يظهر فقط في المؤشرات العلمية والخرائط المناخية، بل ينعكس مباشرة على حياة الناس وصحتهم، وهنا يلفت الدكتور علي المبروك إلى أن موجات الحر المتزايدة لم تعد مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل أصبحت اختبارا حقيقيا لقدرة الإنسان على التكيف.

ويقول د. علي المبروك: «ففي صيف يزداد وهجا عاما بعد عام لم تعد الحرارة في ليبيا مجرد حالة طقس عابرة، بل إنها تحولت إلى اختبار يومي لقدرة الإنسان على التكيف، واختبار أعمق لمدى جاهزية المجتمع والنظام الصحي لمواجهة ما لم يعد استثناء، إنما أصبح نمطا متكررا».

ويضيف أن ارتفاع درجات الحرارة ليس مجرد رقم في نشرة الأرصاد، فهو حدث بيولوجي يمس كل خلية في جسد الإنسان، وكل تفصيلة في نمط حياته، فالجفاف لا يبدأ بالعطش، وإنما يبدأ بصمت داخلي حين يفقد الجسم توازنه المائي تدريجيا، وحين تتسلل الحرارة إلى أجهزة الجسم، فتربك وظائفه الدقيقة.

فالماء ليس خيارا، بل هو شرط حياة في بيئة حارة، ويصبح خط الدفاع الأول، لذا شرب ما بين 2 و3 لترات يوميا ضرورة بيولوجية، للحفاظ على توازن الجسم. والعطش بحد ذاته علامة على بدء الجفاف، وما يُزيد الأمر خطورة هو اللجوء إلى مشروبات تزيد العبء على الجسم كالمشروبات الغازية أو الغنية بالكافيين، والسكريات التي تُفقد الجسم سوائله بدل أن تعوضها.

«المبروك» يرى أن أن الملبس هو لغة صامتة في مواجهة الشمس، وما نرتديه في الصيف ليس مجرد اختيار جمالي، فهو وسيلة حماية، فالأقمشة القطنية الخفيفة والفضفاضة والألوان الفاتحة أدوات تقلل من امتصاص الحرارة، وتسمح للجسم بالتنفس. أما القبعة والنظارات الشمسية والمظلة فهي دروع واقية في مواجهة أشعة قد تكون قاسية على الجلد والعينين، والزمن الحرج هو حين تصبح الساعة خطرا ما بين الحادية عشرة صباحا والرابعة عصرا، إذ تبلغ الشمس ذروة تأثيرها في هذه الساعات، ويكون الخروج مخاطرة صحية، خصوصا لكبار السن والمرضى والأطفال.

ويوضح «المبروك» أن إعادة تنظيم اليوم وفق إيقاع الحرارة هو أحد أشكال الذكاء الصحي، حيث يصبح الظل ملاذا، والبيت المحمي بالتهوية الجيدة حصنا، وفي كل موجة حر هناك من يدفع الثمن أكثر من غيره، منهم كبار السن ومرضى القلب والسكري والأطفال والنساء الحوامل، فجميعهم في دائرة الخطر. ويشدد على أن ترك طفل داخل سيارة مغلقة تحت الشمس ليس إهمالا فقط، بل قد يكون حكما بالموت، وإجبار عامل على العمل المتواصل تحت الشمس دون راحة هو انتهاك لحقه في الحياة قبل أن يكون مخالفة مهنية.

ويرى أن البيت هو خط الدفاع الخفي، والتهوية الجيدة ضرورة صحية، وفتح النوافذ في الأوقات المناسبة، واستخدام وسائل التبريد، وتقليل مصادر الحرارة داخل المنزل، كلها عوامل تسهم في خلق بيئة آمنة. وفي غياب التكييف يمكن للحلول البسيطة كالمراوح والستائر العازلة وترطيب الهواء أن تصنع فارقا ملموسا، والغذاء دواء صيفي غير معلن. ففي الحرّ يحتاج الجسم إلى غذاء خفيف وغني بالماء، والفواكه كالبطيخ والخيار والخضراوات الطازجة وسائل ترطيب طبيعية.

ويعتبر الدكتور علي المبروك أن الوعي المجتمعي يجب أن يرتقي إلى مستوى التحدي، فـ«في زمن التغير المناخي الوعي ضرورة ملحة، والالتزام بالإرشادات الوقائية احترام للحياة. فالشمس على الرغم من قسوتها لا تقتل وحدها، وإنما يقتل الجهل بها، والتهاون أمامها، فهل سنبقى نتعامل مع الحر كخبرٍ عابر أم كقضية تستحق أن نعيد من أجلها تشكيل سلوكنا ومدننا وأنظمتنا الصحية؟ّ!».

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا