آخر الأخبار

«جريدة الوسط»: تحديات «جهوية» تهدد خريطة تيتيه ومخرجات «المهيكل»

شارك
مصدر الصورة
المشاركون في ختام جلسات الحوار المهيكل، طرابلس 7 يونيو 2026 (البعثة الأممية)

بالتزامن مع نشر توصيات تقرير الحوار المهيكل، ومع جلسات الطاولة المصغرة «4+4»، ومسار المبادرة الأميركية التي يتولاها الدبلوماسي مسعد بولس، دخلت على الخط مطالب «جهوية» من هنا وهناك، أثارت الكثير من ردود الفعل، بما فيها تحذيرات تصفها بـ«المقامرة السياسية».

مصدر الصورة مصدر الصورة

ولم تتوقف الأصوات التي تنتقد الإعلان عما أطلق عليه «إقليم المنطقة الوسطى»، وعاصمته مدينة مصراتة التي تبعد 187 كلم تقريباً إلى الشرق من العاصمة الليبية طرابلس، وسط صمت رسمي، فيما يخشى أن يجرى اعتماده كأمر واقع وفق سوابق عديدة عرفتها البلاد، ما قد يخل بما بقي من توازنات في المشهد الليبي إذا ما استمر واقع المحاصصة في البلاد.

وجاء هذا المستجد في سياق الظروف السياسية المتسمة بالانقسام الحكومي والمؤسساتي، ما يثير شهية أطراف أخرى في مناطق ليبيا لتظهر مشاريع مماثلة ستشكل بالضرورة عنصراً آخر يزيد من تهديد وحدة البلاد وسيادتها.

ميلاد إقليم المنطقة الوسطى
في يوم الثامن من يونيو الجاري ظهر بيان متلفز يعلن ميلاد «إقليم المنطقة الوسطى»، مبرراً ذلك بأنه «ليس مجرد إعلان تنظيمي، بل خطوة نحو مستقبل أكثر تنسيقاً وتكاملاً، وبداية لمسيرة تبنى على التعاون والرؤية المشتركة لخدمة المنطقة وأبنائها، ويمثل انطلاقة جديدة تحمل في طياتها آفاقاً واسعة للتطوير والعمل المؤسسي»، ويضم «الإقليم»، وفق معلنيه، بلديات كل من مصراتة، وبني وليد، وتينيناي، والمردوم، وزليتن، والخمس، وترهونة، وقصر الأخيار، ومسلاتة.

وقد تعامل الكثيرون مع هذه الخطوة على أنها دعوة لاعتماد إقليم رابع في التقسيم الإداري لمكونات الدولة الليبية إلى جانب مسمى الأقاليم الثلاثة المعروفة تاريخياً في ليبيا، حسب ما نص عليه الدستور الملكي للعام 1951 قبل تعديله في دستور 1963، ويتعلق الأمر بطرابلس غرباً، وبرقة شرقاً، وفزان جنوباً.

وعلى الرغم من تراجع «المملكة الليبية» عن النظام الفيدرالي، إلا أن منطق المحاصصة بقي ليتجلى في السنين الأخيرة، أي منذ العام 2012 تقريباً، عبر سياسة توزيع المناصب الحكومية والإدارية، ويفرض نفسه في النهج الذي تشكل بموجبه المجلس الرئاسي والسلطة التنفيذية.

لكن، ضمن ردود الفعل، أصدر المجلس الاجتماعي لقبائل ترهونة، الأربعاء، بياناً يعلن رفضه لما سمي «إعلان إقليم المنطقة الوسطى»، مؤكداً أن مثل هذه الدعوات لا تمثل الإرادة المجتمعية لأهالي ترهونة، ولم تسبقها أي مشاورات أو توافقات محلية، وشدد على رفض أي مشاريع أو طروحات من شأنها «المساس بوحدة ليبيا أو فتح المجال أمام أي انقسامات جهوية أو إقليمية»، وحمل المجلس عميد البلدية المسؤولية الكاملة عن تصريحاته وما قد يترتب عليها من تداعيات.

ودعا المجلس الاجتماعي لقبائل ترهونة إلى تكليف مجلس تسييري لإدارة شؤون البلدية إلى حين إجراء انتخابات بلدية جديدة، وسبق ذلك إقدام ناشطين من ترهونة على إغلاق مقر المجلس البلدي، وتجميد عمله اعتراضاً على أي ترتيبات إدارية أو تنظيمية مستقبلية.

أما مدينة بني وليد التي شملها إعلان «الإقليم الجديد»، فقد شهدت احتجاجات انعكست في إغلاق مقر المجلس البلدي رفضاً لإعلان الانضمام إلى الإقليم المزعوم، مقابل تحذير المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة من مؤامرة تقسيم الوطن.

- بلدية مصراتة: إعلان ميلاد إقليم المنطقة الوسطى
تيتيه تقدم إحاطة لمجلس السلم والأمن الأفريقي بشأن التطورات في ليبيا
البعثة الأممية: اختتام «الحوار المُهيكل» وتقديم التوصيات النهائية بشأن العملية السياسية في ليبيا

ولم يمر كثير من الوقت حتى انطلق من الجنوب الليبي صوت آخر يعلن تأسيس «التجمع السياسي الوطني فزان»، وقال مطلقوه إنه «يأتي من أجل دور وطني فاعل لفزان نحو استقرار ليبيا».

وفي محاولة لتدارك التأويلات، أوضح بيان التجمع الجنوبي الجديد، الذي يضم عدداً من أبناء فزان من «الأكاديميين والباحثين والخبراء والشخصيات الوطنية والاجتماعية»، أنه ينطلق من «التمسك الكامل بوحدة ليبيا وسيادتها واستقلالها، ولا يمثل أي توجه انفصالي أو جهوي ضيق، بل يسعى إلى معالجة الاختلالات التاريخية والتنموية والسياسية التي عانى منها الجنوب الليبي عبر الحوار الوطني، والعمل السلمي، وطرح المبادرات والمقاربات العملية التي تعزز الاستقرار».

توصيات الحوار المهيكل
في هذه الأجواء المشحونة سياسياً واجتماعياً، كان من المتوقع أن تخرج أصوات أخرى من مكونات البلاد لتثبت وجودها كعنصر أساسي في أي صورة قد يؤول إليها المشهد التحاصصي الانقسامي، وتماهياً مع هذا الاتجاه أفصح الدبلوماسي الليبي، سفير ليبيا السابق بالسويد، وأحد نخب نشطاء المكون الأمازيغي، إبراهيم موسى جرادة، عما اعتبره «مطلباً تأسيسياً وشرطياً أمازيغياً»، وفق تعبيره، وكتب عبر حسابه الرسمي في «فيسبوك» تدوينة جاء فيها: «بعد صدور توصيات الحوار المهيكل وتواصل حوارات 4+4 ومبادرة بولس، فإنه ينبغي مشاركة الكتلة الأمازيغية -حتى لا تقاطع ولا تعرقل ولا تقاوم- في المجلس الرئاسي (رئيساً أو عضواً)، أو في رئاسة الحكومة، أو تولي منصب نائب رئيس الوزراء مع حقيبة وزارية سيادية، فضلاً عن تمثيل لا يقل عن 10 % في الوزارات والمؤسسات المركزية، وضمان التمثيل العادل في السلطة التشريعية (مجلسي النواب والشيوخ)».

ويرى جرادة أن ذلك «حق أصيل واستحقاق عادل للكتلة الأمازيغية التي تشكل ما بين 7 % إلى 10 % من سكان ليبيا، وفق التقديرات الإحصائية التاريخية والحديثة»، وفق قوله.

وظهرت هذه التحديات الجهوية مع دخول بعثة الأمم المتحدة مرحلة اختبار التعامل مع نتائج أعمال لجنة «الحوار المهيكل»، ومحاولة تفعيلها على أرض الواقع السياسي، حيث نشرت البعثة التقرير النهائي للحوار بعد انتهاء جلسته الختامية بمقرها في العاصمة طرابلس.

ويرى التقرير أن إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي وازدواجية المؤسسات شرط أساسي لأي مشروع إصلاحي للوضع في البلاد، مع ضرورة وضع سقف زمني محدد للمرحلة الانتقالية، من خلال اتباع نهج متدرج ومتكامل يوازن بين الاستحقاقات المرحلية والإصلاح الهيكلي العميق للأزمة.

لكن التقرير لم يمنع ظهور عدد من المشاركين في الحوار ليعبروا عن تحفظاتهم على مخرجاته بسبب استبعاد مقترح في الصياغة النهائية حظي بتوافق داخل النقاشات، إذ قدموا، وفق قولهم، رؤية تقوم على تأسيس دولة جديدة عبر عقد اجتماعي شامل يحدد النظام السياسي والاقتصادي والإداري، ويؤسس لقاعدة دستورية يجرى عرضها على استفتاء شعبي.

وأكد هؤلاء المشاركون، في بيان، رفضهم محاولات إعادة تدوير المراحل الانتقالية واستنساخ تجارب سياسية سابقة، وحذروا من إطالة أمد الأزمة بدل إنهائها، كما أبدوا تحفظهم على توسيع صلاحيات الحكومة الموقتة في ملفات حساسة، منها الأرقام الوطنية والسجل المدني، مع التحذير من تداعيات ذلك على التوازنات الديمغرافية.

وأشاروا إلى غياب الحياد في إدارة بعض مسارات الحوار، والتدخلات في صياغة النصوص النهائية دون عرض كافٍ على جميع المشاركين، مع التأكيد على رفض أي ترتيبات تنتج وصاية خارجية على القرار الوطني الليبي.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا