آخر الأخبار

«إنكستيك ميديا»: السوريون في ليبيا.. طريق العودة إلى الوطن محاصر بالفقر

شارك
مصدر الصورة
الشاب السوري إياد غنام خلال عمله في مقهي بالعاصمة الليبية طرابلس، 18 مايو 2026 (إنكستيك ميديا)

منذ سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد أواخر العام 2024، وجد آلاف السوريين العالقين خارج بلادهم أنفسهم أمام معادلة صعبة؛ بعدما اصطدم الحلم الذي انتظروه لسنوات بالعودة إلى الوطن بواقع اقتصادي هش، وبنية تحتية مدمرة، ومخاوف من مستقبل لا يزال غامضًا.

مصدر الصورة مصدر الصورة

وفي ليبيا، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى محطة لجوء وعبور لكثير من السوريين الفارين من الحرب والتجنيد الإجباري إبان عهد بشار الأسد، تتشابك قصص النزوح مع أوضاع معيشية لا تزال صعبة في بلدهم، بينما تتزايد الضغوط الدولية لإعادة اللاجئين إلى سورية. وبين الرغبة في العودة والخشية من المجهول، يكشف تقرير لموقع «إنكستيك ميديا» الأميركي كيف يعيش السوريون في ليبيا مرحلة انتظار قلقة.

وتتبع التقرير قصة شاب سوري يدعى إياد غنام بعد رحلة شاقة من التنقل بين تركيا ولبنان ثم ليبيا، حتى حطت رحاله في مقهى بالعاصمة الليبية طرابلس، وقتما سمع نبأ سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024. لم يصدق الشاب وقتها ما يسمعه في البداية، وتساءل بدهشة: «هل يحدث هذا فعلاً؟». وبينما بدت اللحظة أشبه بالحلم بالنسبة له، بدأ يفكر سريعًا في سؤال أكثر تعقيدًا: كيف ستكون سورية بعد الأسد؟ وعلى الرغم من الضبابية، كان مصممًا على العودة إلى وطنه.

الهروب من التجنيد.. بداية رحلة اللجوء
غادر إياد غنام سورية العام 2015 وهو في الثامنة عشرة من عمره هربًا من التجنيد الإجباري في جيش النظام السوري. كان يستعد آنذاك للتقدم إلى امتحانات الثانوية العامة، إلا أن الحرب غيّرت مسار حياته بالكامل.

اتجه أولاً إلى تركيا بعدما سبقه شقيقه إليها، في وقت كان فيه كثير من الشباب السوريين يختبئون داخل منازلهم خوفًا من الاعتقال أو إرسالهم إلى الجبهات العسكرية. ويقول غنام إن مجرد رؤية شاب في سن التجنيد يسير في شوارع دمشق بملابس مدنية كان أمرًا نادرًا آنذاك.

ولم تكن مخاوفه مجرد هواجس؛ إذ فقدت عائلته ابن عمه الذي اختفى داخل سجون النظام السوري ضمن آلاف حالات الاختفاء القسري. وبعد بحث استمر لعامين، أبلغهم أحد الحراس داخل مركز احتجاز بأن ابنهم «مات»، دون أي تفاصيل إضافية.

الشبكة السورية لحقوق الإنسان أحصت اختفاء أكثر من 160 ألف سوري في ظل نظام الأسد، وقد عكس هذا الاختفاء الجماعي خيارًا صعبًا أمام الشباب إما القتال في حرب لم يؤيدها الكثيرون، أو المخاطرة بالاعتقال، أو التجنيد الإجباري، أو الاختفاء.

رحلة شاقة بين لبنان وتركيا
بدأ غنام رحلة الهروب عبر لبنان، حيث أمضى ساعات طويلة على الحواجز الأمنية قبل أن يصل إلى مدينة طرابلس اللبنانية، ومنها استقل قاربًا بحريًا لمدة 12 ساعة إلى مدينة مرسين التركية، ثم واصل طريقه إلى إسطنبول للقاء شقيقه.

أقام هناك أربع سنوات، عمل خلالها في وظائف متعددة لإعالة أسرته داخل سورية، لكنه عاش تحت ضغط دائم بسبب تهديدات الترحيل. وفي نهاية المطاف، قرر العودة إلى سورية العام 2019 وكان عمره آنذاك 22 عامًا، بعد وعود من أقاربه بمساعدته على تجنب التجنيد.

- تسوية أوضاع السوريين في شرق وجنوب ليبيا
- مئات السوريين في ليبيا يستفيدون من تذاكر عودة مجانية إلى بلادهم

سورية المنهكة.. خوف دائم وحياة مستحيلة
عندما عاد غنام إلى سورية، وجد بلدًا أنهكته الحرب والانهيار الاقتصادي. المدارس تعرضت لعشرات الهجمات، والعديد منها تحول إلى مقار عسكرية، بينما بقي شبح التجنيد الإجباري يطارد الشباب. وعلى الرغم من محاولاته استكمال تعليمه والعمل، عاش غنام حالة خوف دائمة. ويقول إنه كان يخشى الخروج من منزله بسبب حملات التفتيش التي تستهدف الرجال المطلوبين للخدمة العسكرية.

ليبيا وجهة جديدة للهاربين من الحرب
مع تدهور الأوضاع في لبنان، خصوصًا بعد الأزمة الاقتصادية وانفجار مرفأ بيروت، بدأ غنام يبحث عن وجهة أخرى، لتقوده الظروف نحو ليبيا.

وفي تلك الفترة، كانت ليبيا تعيش انقسامًا سياسيًا وأمنيًا بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب، بينما تحولت البلاد إلى محطة رئيسية للمهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.

ووصل عدد المهاجرين داخل ليبيا بحلول العام 2026 إلى نحو مليون شخص، وفق تقديرات دولية، فيما تعرض كثير منهم للاحتجاز والانتهاكات خلال محاولات العبور إلى أوروبا.

التهريب عبر الجبال.. رحلة محفوفة بالموت
لم يتمكن غنام هذه المرة من مغادرة سورية بشكل قانوني بسبب انتهاء صلاحية جواز سفره، إضافة إلى كونه مطلوبًا للخدمة العسكرية. جرى تهريبه عبر الحدود إلى لبنان من حمص السورية في رحلة وصفها بـ«المرعبة»، حيث اضطر للسير ليلاً وسط الجبال لساعات طويلة تحت تهديد السلاح. ويقول إن المهربين كانوا يفرضون صمتًا كاملًا على المجموعة، محذرين من أن أي مخالفة للتعليمات قد تنتهي بإطلاق النار.

وبعد شهر تقريبًا في لبنان تمكن خلاله من تجديد جواز سفره، سافر جوًا إلى القاهرة، ثم إلى مدينة بنغازي الليبية الخاضعة لقوات «القيادة العامة».

من بنغازي إلى الزاوية.. طرق التهريب داخل ليبيا
عند وصوله إلى بنغازي، جرى نقل غنام مع عدد من السوريين إلى مستودع مهجور قبل تهريبهم إلى مدينة الزاوية غرب البلاد. ويقول إن الرحلة التي كان يفترض أن تستغرق 12 ساعة امتدت إلى أكثر من 26 ساعة، تنقل خلالها بين سيارات وسائقين مختلفين عبر طرق معقدة لتجنب الحواجز الأمنية.

بعدها عمل لفترة قصيرة في الزاوية قبل الانتقال إلى طرابلس، حيث واجه صعوبات كبيرة في العثور على سكن أو الاستقرار. يقول غنام: «أقمت لفترة وجيزة في فندق، لكنني كنت يائسًا لدرجة أنني كنت أتوجه إلى الغرباء عشوائيًا وأسألهم إن كان لديهم مكان للإيجار».

أوروبا تضغط لإعادة السوريين.. وليبيا تلحق بالركب
بعد سقوط نظام الأسد، بدأت عدة دول أوروبية تجميد طلبات لجوء السوريين تمهيدًا لإعادتهم إلى بلادهم، وسط ضغوط سياسية متزايدة لإنهاء ملف اللجوء السوري. لكن خبراء حذروا من أن سورية ما بعد الحرب لا تزال غير قادرة على استيعاب العائدين، في ظل الفقر الواسع وندرة فرص العمل وانهيار البنية التحتية.

ووفقًا للباحث في شؤون الشرق الأوسط والأستاذ بجامعة أوكلاهوما جوشوا لانديس، فإن الحكومة السورية «لا تملك أموالًا» للمساعدة في إعادة التوطين. وأوضح لانديس قائلًا: «إجبار السوريين على العودة في هذا الوقت المبكر أمر غير عادل ومضر. فالوظائف قليلة، ويعيش أكثر من 60% من السوريين في فقر».

وبحلول أواخر العام 2025، عاد أكثر من ثلاثة ملايين سوري إلى بلادهم، فيما أطلقت ليبيا بدورها برنامجًا لإعادة المهاجرين واللاجئين شمل السوريين وجنسيات أخرى.

وعلى الرغم من رغبة إياد غنام في مغادرة ليبيا والعودة إلى وطنه، فإن الديون التي تراكمت عليه، إلى جانب الغموض الذي يحيط بمستقبل سورية، جعلا قراره أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا