سلطت منصة «ديفديسكورس» العالمية الضوء على دور الصناعات الصغيرة وشبكات التجارة المحلية في ليبيا كونها أحد أهم العوامل التي ساعدت الاقتصاد الليبي على الاستمرار ومنعت انهياره الكامل، على الرغم من الانقسام السياسي والمؤسسي المسيطر على البلاد.
وفي تقرير نشر، السبت، أشارت المنصة العالمية، المتخصصة في الاقتصاد والتنمية المستدامة ومقرها الهند، إلى نجاح آلاف المشروعات الصغيرة والمتوسطة في خلق مسارات بديلة للحياة الاقتصادية في ليبيا، سواء عبر التجارة الداخلية أو الصناعات الغذائية والخدمية والحرفية، بعيدا عن قطاع النفط الذي ظل محور الاهتمام الدولي.
ويرى مراقبون أن هذه الأنشطة الاقتصادية لعبت دورا غير مباشرٍ في الحفاظ على قدر من الاستقرار الاجتماعي، خصوصا في المدن التي تعتمد بصورة كبيرة على المبادرات الفردية والتجارة العابرة للحدود والأسواق المحلية.
اقتصاد مواز يواجه الأزمات
فمنذ العام 2011، واجه الاقتصاد الليبي تحديات متراكمة شملت الانقسام المؤسسي، وتعطل بعض المنشآت النفطية، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع معدلات التضخم، فضلا عن تراجع الاستثمارات الأجنبية. لكن على الرغم من هذه الظروف، ظهرت شبكات اقتصادية محلية استطاعت التكيف مع الواقع الجديد.
- منتدى اقتصادي ليبي- فرنسي في باريس بمشاركة الجهاز الوطني للتنمية
- «اقتصاد بلس» يناقش: تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة لحل مشكلة البطالة
- تقييم أممي: صعوبة التمويل أبرز المعوقات أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة في ليبيا
وشهدت مدن ليبية عدة توسعًا في المشروعات الصغيرة المرتبطة بالتجارة والخدمات والصناعات الخفيفة، مثل الصناعات الغذائية والملابس ومواد البناء والأثاث والمنتجات اليدوية، إلى جانب توسع نشاط الورش المحلية.
كما أسهمت التجارة غير الرسمية وحركة الاستيراد عبر المنافذ البرية والبحرية في توفير السلع الأساسية، خصوصا في الفترات التي شهدت اضطرابات في سلاسل الإمداد أو نقصا في السيولة، بحسب التقرير الذي استند على بيانات من مجموعة بنك التنمية الأفريقي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وألقى التقرير الضوء على دور قطاعي الزراعة والثورة السمكية لدورهما في توفير مزيد من فرص العمل وتعزيز التعاون الإقليمي، إذ تتمتع المناطق الزراعية في جنوب ليبيا بإمكانيات كبيرة في إنتاج التمور، وتصنيع الطماطم، وتجارة المواشي، بينما يمكن أن تساهم مصايد الأسماك على طول ساحل البحر المتوسط في إنعاش الاقتصادات المحلية من غرب ليبيا إلى شرقها.
ويعتقد الباحثون أن الاستثمارات في هذين القطاعين لن تحسن سبل العيش فحسب، بل ستعزز أيضا الروابط الاقتصادية بين مناطق ليبيا المقسمة. ومن خلال خلق فرص عمل، لا سيما للشباب والنساء، يمكن لهذين القطاعين أن يساهما في تخفيف التوترات الاجتماعية ودعم الاستقرار على المدى الطويل.
دور الأسواق المحلية
وتعتمد شريحة واسعة من الليبيين على الأسواق المحلية كمصدر رئيسي للدخل، سواء من خلال المتاجر الصغيرة أو الأنشطة العائلية أو التجارة اليومية. وفي مدن مثل مصراتة وطرابلس وبنغازي وسبها، ظهرت شبكات تجارية مرنة ساعدت على استمرار حركة الأسواق على الرغم من الأزمات السياسية والأمنية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الاقتصاد الليبي أصبح يعتمد بصورة متزايدة على «المرونة المجتمعية»، حيث تقوم العائلات والتجار الصغار بسد الفراغ الناتج عن ضعف المؤسسات الرسمية.
وشهدت بعض أنشطة الصناعات الغذائية نموًا ضمن قطاع المشروعات الصغيرة في ليبيا، وفق تقارير دولية عن تنوع الاقتصاد المحلي. يعود ذلك إلى زيادة الطلب المحلي، إلى جانب سعي المستهلكين للبحث عن بدائل أقل تكلفة من المنتجات المستوردة.
تحديات تواجه المشروعات الصغيرة
وعلى الرغم من الدور المتزايد للصناعات الصغيرة، لا تزال هذه المشروعات تواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، وصعوبة الحصول على القروض، وتقلبات سعر العملة، وارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل.
كما تعاني بعض المدن من مشكلات مرتبطة بالبنية التحتية وانقطاع الكهرباء ونقص الخدمات المصرفية، ما يحد من قدرة المشروعات على التوسع.
وتعاني المشروعات الصغيرة أيضا من انقسام النظام التنظيمي، حيث تتداخل فيه الهيئات الحكومية وتُعيق القوانين القديمة حركة الأعمال، مما يسبب حالة من عدم اليقين. فضلا عن التأخر في تفعيل قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، الذي طال انتظاره، مما يُحد من فرص تنفيذ مشاريع البنية التحتية الضخمة والاستثمار الأجنبي.
ويشكل الحصول على التمويل تحديا رئيسيا آخر. فالقطاع المصرفي في ليبيا لا يزال خاضعا لهيمنة البنوك المملوكة للدولة، في حين أن الائتمان الرسمي المتاح للمشاريع الصغيرة محدود للغاية. ويلجأ رواد الأعمال غالبا إلى أنظمة التمويل غير الرسمية نظرا لصعوبة الحصول على القروض بسبب شروط الإقراض الصارمة ومتطلبات الضمانات العالية.
ويؤكد محللون أن أهمية الصناعات الصغيرة في ليبيا لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي والأمني، فكلما توسعت فرص العمل وتحسنت حركة التجارة، تراجعت حدة التوترات المحلية وازدادت قدرة المجتمعات على التكيف مع الأزمات.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة