إعلان الأمم المتحدة عن مبادرة اللجنة المصغرة «4+4» رأته بعض الأطراف إرباكًا مضافًا للمشهد السياسي الليبي، من زاوية كونه يغذي الانقسام بدل احتوائه، ويتهم هؤلاء البعثة الأممية بخلق مسارات موازية، ما قاد إلى أسئلة أخرى حول إن كانت المقاربة المطروحة تتماهى مع المسار الأميركي الموازي أم تسبقه؟ في وقت صار الخلاف على المناصب السيادية، على رأسها حقيبة الخارجية في طرابلس، في نطاق المكشوف.
ولم تخرج إحاطة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي، عن السياقات السابقة، باختزال الحالة التي آلت إليها البلاد عند «مفترق طرق سياسي واقتصادي وأمني مهم»، حيث لا تزال مؤسسات الدولة منقسمة، ولا يوجد تقدم كافٍ نحو إجراء انتخابات وطنية، كما دعت الأطراف السياسية والأمنية الفاعلة إلى العمل معًا من أجل بناء الدولة، حتى إن المندوب الدائم لليبيا لدى الأمم المتحدة، طاهر السني، وصف، في كلمة له، بيانات مجلس الأمن بأنها مجرد نشرات إخبارية متكررة، وحذر من أن الجمود السياسي قد يؤدي إلى صراع جديد.
جدل حول مبادرة «الطاولة المصغرة»
لكن تيتيه، التي ألقت مبادرة «الطاولة المصغرة» لتضاف إلى قائمة اللجان المشابهة، فجَّرت جدلًا واسعًا واعتراضات من جانب أطراف رسمية فاعلة، حيث شهدت اعتراض عددٍ من أعضاء «الحوار المهيكل»، بعدما ناقضت البعثة الأممية التزاماتها بطرح خطة بديلة في حال فشل مجلسي النواب والدولة، ومع ذلك، فإن التسريبات أكدت تلقي السلطات في طرابلس وبنغازي طلبًا لتسمية المشاركين في حوار «4+4»، إذ رشحت حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عضوي المجلس الأعلى للدولة، علي عبدالعزيز، وعبدالجليل الشاوش، ومستشار رئيس الحكومة مصطفى المانع، ووزير الدولة للاتصالات والشؤون السياسية وليد اللافي.
أما ممثلو «القيادة العامة» فحددوا عضوي مجلس النواب، آدم بوصخرة، وزايد هدية، والسياسيين عبدالرحمن العبار، والشيباني بوهمود.
وفي غياب تأكيدات رسمية أو أممية حول الأسماء وآليات عمل ما يسمى الطاولة المصغرة، التي جرى التوصل إليها بعد نقاشات موسعة بين المبعوثة الأممية ونائبتها الأميركية ستيفاني خوري، يرى متابعون للشأن الليبي أن المقاربة الجديدة تسعى لاحتواء مسار مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترامب، حيث يتقاطعان في فتح قنوات تواصل مباشر بين حكومة الوحدة و«القيادة العامة»، ما قد يضفي الشرعية الدولية على أي اتفاق شامل مصدره الأمم المتحدة.
رسالة من تيتيه إلى أعضاء الحوار المهيكل
وطمأنت تيتيه، في كلمة لها عبر تقنية الـ«فيديو»، أعضاء الحوار المهيكل بأن أعماله المتوقع اختتامها أوائل يونيو المقبل، سوف تنتج عنه توصيات «تساعد في صياغة رؤية وطنية والوصول إلى إصلاحات سياسية جوهرية وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية سلمية».
وقالت إن البعثة لا تزال تتواصل مع الأطراف السياسية الفاعلة، بما في ذلك مجلسي النواب والدولة، لإحراز تقدم في خريطة الطريق، مع التهديد، مرة أخرى، بالعودة إلى مجلس الأمن «لتقديم اقتراح من شأنه الدفع قدمًا بالعملية استنادًا إلى أحكام الاتفاقات السياسية القائمة» إذا لم يُحرز تقدم كافٍ.
- للاطلاع على العدد «544» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وأوضحت المبعوثة الأممية أن تواصل البعثة مع مجموعة مصغرة من الفاعلين الليبيين يهدف إلى إيجاد سبل للخروج من حالة الانسداد السياسي، وتمهيد الطريق أمام المؤسسات الليبية لتنفيذ المرحلتين الأوليين من خريطة الطريق، استنادًا إلى توصيات اللجنة الاستشارية. وفي الوقت ذاته، أقرت بوجود «تحفظات محلية بشأن المضي قدمًا بهذا الشكل».
ردود حادة على «الطاولة المصغرة»
وجاءت أبرز الردود الحادة على خطوة تيتيه الجديدة من المجلس الرئاسي ومجلس الدولة، اللذين تحركا مبكرًا عشية جلسة الإحاطة الأممية، حيث أبدى رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، تحفظه على الأسس التي جرى على أساسها تشكيل اللجنة المصغّرة، مؤكدًا ضرورة التزام أي مسار سياسي بالمرجعيات الدستورية والسيادة الوطنية، وفي إشارة مبطنة إلى مسار مسعد بولس، شدد المنفي على ضرورة الفصل بين مسار الأمم المتحدة وأي «مسارات موازية»، والالتزام بخريطة الطريق والاتفاق السياسي، مستغربًا ما اعتبره محاولات تجاوز مخرجات لجنة «6+6»، التي حظيت بقبول سياسي واسع.
أما رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، فقد عبر، في رسالة وجهها إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، عن قلقه مما سماه «الممارسات غير المسبوقة لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، المتمثلة في فرض مسارات بديلة تتجاوز المؤسسات الشرعية»، وطالبه بالتدخل المباشر لتصويب مسار عمل البعثة، وحدد تكالة «الخطوات أحادية الجانب»، من خلال اتهامه البعثة بإنشاء أجسام موازية مثل اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل، واختيار أعضائها بمعايير غير شفافة ودون تنسيق مع المؤسسات المعنية، حسب تعبيره.
وعلى الرغم من إشارتها، للمرة الأولى، إلى التعديل الحكومي الذي يجريه الدبيبة على حكومته، فقد دعت المبعوثة الأممية تيتيه، في الوقت نفسه، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، عبدالحميد الدبيبة، إلى ضرورة أن تحترم جميع التعيينات أحكام الاتفاقات السياسية السابقة في ليبيا، «إذا ما أريد لها تحقيق غاية توحيد البلاد»، حسب تعليق لها.
صراع حول حقيبة الخارجية في حكومة الدبيبة
وفي السياق، أظهرت حقيبة الخارجية في حكومة الدبيبة تصاعدًا للصراع بين المنفي والدبيبة، على خلفية مطالبة الأول بإيقاف وزير الخارجية المُكلّف الطاهر الباعور عن العمل، غير أن حكومة الأخير تجاهلت القرار، وتجلى ذلك في إيفاد الباعور في مهمة إلى موسكو، معلنًا استئناف عمل اللجنة المشتركة بين البلدين، بعد توقف دام نحو 15 عامًا، وزار قبلها العاصمة النيجرية نيامي ضمن مهمة عمل رسمية.
وسجل المستوى السياسي، خلال الأيام الأخيرة، نشاطًا سياسيًا شمل غرب البلاد وشرقها، فالتقى الدبيبة مع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا، وناقش معه «مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تعزيز التعاون المشترك، بما يخدم المصالح المتبادلة»، حسب بيان لحكومة الوحدة الموقتة، وانتهز الدبيبة وجوده في تركيا ليعقد سلسلة اجتماعات باتجاه تحريك الملف الليبي، أبرزها لقاؤه الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، حيث جرى التشديد على استمرار التعاون العسكري بين الطرفين، ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، بما يعزز الاستقرار ويدعم مؤسسات الدولة، وفق توضيحات حكومية.
وفي بنغازي، التقى قائد «القيادة العامة»، المشير خليفة حفتر، نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، وكان اللقاء مناسبة للإشادة بدور البعثة في دعم مسارات الحوار السياسي والجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار الدائم، كما التقى حفتر سفير روسيا، إيدار أغانين، وأشار إلى بحث سبل مواجهة التحديات الأمنية الراهنة، وتعزيز التنسيق المشترك في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة