آخر الأخبار

حصاد الملح في «كركورة».. مصدر الرزق يتحول إلى إرث

شارك
مصدر الصورة
إنتاج الملح في ليبيا. (الوسط)

مثل كل العاملين في هذا المجال، أصبح لصوت حبات الملح الخام وهي تتكسر تحت قدميه في أثناء مروره على سبخة كركورة وقع خاص، فقد اعتاد الشاب الثلاثيني المكان بكل ما فيه من ضجيج، تختلط فيه أصوات أصحاب الجرافات التي تنقل الملح إلى «القاعة» مع أصوات المضخات، التي تهدر لسحب الماء من عيون الملح.

مصدر الصورة مصدر الصورة

على هذه الأرض الرخوة، يقف عون محمد المشيطي وسط أكوام الملح، ويستذكر لحظات ذهابه مع والده في صباحات حصاد الملح الأولى التي تبدأ مع بداية شهر مايو، حين تخف الأمطار، وتبدأ عيون الملح في التكون.

يقول عون في حديثه إلى «الوسط»: «لم يكن والدي يملك سيارة، فكنا نستقل العربة التي يجرها الحمار، ونحمل معنا زادنا، وعدتنا البسيطة التي تتكون من مضخة صغيرة لضخ الماء والمجرفة والمخرطة من أجل جمع الملح وكشطه، ومسمار (6)، حتى نزيل به ما يعيق خروج الماء من العين. نصل إلى عيون الملح، ويبدأ والدي في وضع المضخة، ووصل الخرطوم المرفق بها إلى الأحواض التي صنعناها من الملح، التي تبلغ مساحتها 150 م × 100 م، وبعد أن يجف نجمعه، ونحمله إلى قطعة كبيرة من الأرض، نطلق عليها اسم (القاعة)، وتبلغ مساحتها نحو 100 م × 150 م». عون يمتلك مطحنا للملح «تشاركيا» بالمنطقة التي اشتهرت بتجارة الملح منذ القدم، ويعمل في هذه الحرفة منذ كان صغيرا، حيث ورثها أبا عن جد.

مهنة توارثها الأبناء
وتتواصل حكاية مهنة توارثها الأبناء عن الآباء، فيقول مبروك محمد مصطفى المشيطي، الذي لم تكن علاقته بالملح مجرد عمل، بل امتداد لمسار عائلي طويل تشكّل عبر عقود من التجربة والتكيّف مع الطبيعة، فـ«دخوله هذا المجال لم يكن قرارا فرديا بقدر ما كان امتدادا طبيعيا لعمل والده. فمنذ نحو أكثر من ثلاثين عاما، بدأ يرافق والده في هذه المهنة، ليتعلم تفاصيلها الدقيقة خطوة بخطوة، قبل أن يتحمل مسؤوليتها لاحقا».

مبروك يقول إن والده كان من أوائل من اشتغلوا في إنتاج الملح بالمنطقة بعد فترة السبعينات، إلى جانب عدد محدود من المنتجين المحليين، مضيفا: «على الرغم من أن الجد لم يكن من سكان كركورة، فإن انتقال والده إلى المنطقة شكل نقطة التحول، حيث وجد في إنتاج الملح فرصة عمل مستقرة نسبيا. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت هذه المهنة جزءا من هوية العائلة، بل ومن هوية المنطقة بأكملها، التي يعتمد معظم سكانها على هذا النشاط كمصدر رئيسي للدخل».

تاريخ إنتاج الملح في كركورة
وعن تاريخ إنتاج الملح في كركورة، يشير المشيطي إلى أن هذا النشاط يعود إلى فترات أقدم، حيث كان الإيطاليون خلال فترة الاستعمار يشغّلون الملاحات باستخدام تقنيات حديثة نسبيا، وأنشأوا مصنعا صغيرا لمعالجة الملح، بحسب قوله.

وبعد الاستقلال، استمر العمل في الملاحات، وإن كان بوتيرة متفاوتة، إلى أن تولّى سكان المنطقة إدارتها بشكل كامل بعد العام 1969. ويصف المشيطي تلك المرحلة بأنها كانت تعتمد بشكل كبير على العمل اليدوي، قبل أن تدخل بعض المعدات الحديثة تدريجيا، ما أسهم في تحسين الإنتاج.

وعن طبيعة العمل، يوضح أن إنتاج الملح في كركورة يعتمد أساسا على مياه الأمطار، حيث تتجمع المياه في الأحواض الطبيعية، وتتبخر على مدى أشهر، تاركة خلفها طبقات من الملح. ويوضح أن هذه العملية الطبيعية تجعل جودة الملح مرتبطة بعوامل مناخية دقيقة، مثل كمية الأمطار ودرجة الحرارة.

- للاطلاع على العدد «544» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

وفيما يتعلق بتأثير التغيرات المناخية، يلاحظ مبروك المشيطي أن مواعيد الإنتاج لم تعد ثابتة كما كانت في السابق، فبينما كان العمل يبدأ عادة في مايو، شهدت السنوات الأخيرة تأخرا ملحوظا، حيث بدأ الإنتاج في بعض المواسم خلال شهر يوليو نتيجة تغير توقيت سقوط الأمطار.

وعلى الرغم من أن هذا التأخير قد يبدو سلبيا من الناحية الزمنية، فإنه، وفقا للمشيطي، أسهم أحيانا في تحسين جودة الملح، إذ يقلل من تأثير الغبار والعواصف الرملية التي كانت تؤثر على نقاء المنتج في بداية الموسم.

أما عن ملكية الملاحات، فيوضح أن الأراضي تُعد ملكا للدولة، لكنها موزعة على السكان المحليين بنظام الانتفاع، حيث جرى تقسيمها إلى مئات القطع، ويتولى كل منتج العمل في قطعة محددة دون أن يمتلك حق بيعها أو التصرف فيها.
كما يشير إلى أن تجربة تصدير الملح كانت محدودة، حيث جرت محاولة واحدة تقريبا قبل العام 2011 عبر أحد التجار، لكنها لم تستمر، إذ بقي التصدير محصورا في إطار الدولة أو عبر المصانع الرسمية.

ولا يغفل المشيطي البُعد البيئي، إذ يلفت إلى أن المنطقة تُعد من الأراضي الرطبة التي تستقطب الطيور المهاجرة، خاصة خلال مواسم الأمطار، ويصف هذه الملاحات بأنها تشبه «محطات عبور» للطيور، التي تتوقف فيها فترات قصيرة قبل مواصلة رحلتها.

ليست مجرد نشاط اقتصاد
مبروك المشيطي يؤكد أن مهنة إنتاج الملح ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل إرث اجتماعي وثقافي متجذر في المنطقة، يتوارثه الأبناء عن الآباء. وعلى الرغم من التحديات، سواء المرتبطة بالمناخ أو بضعف الاستثمارات، لا يزال الأمل قائما في تطوير هذا القطاع، خاصة مع الحديث عن إعادة تشغيل المصانع وتحديث وسائل الإنتاج، بما يضمن استمرارية هذه الحرفة التي صمدت عقودا طويلة.

وبحسب الإحصائيات السنوية لمصرف ليبيا المركزي، ارتفعت صادرات الصناعات التحويلية للملح من 174 مليون دولار في عام 2017 إلى 857 مليون دولار بعام 2021. ويقول رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور علي الشريف، معلقا على هذه الإحصائية: «أي سلعة يجرى تصديرها تعد سلعة اقتصادية، وصغر الحجم وكبره يعتمد على الاستثمار في هذه السلعة، ولو تحدثنا عن صناعة الملح لا بد أن نعرف حجم الأراضي المتاحة، ودعم القطاع الخاص فيه لا بد أن يكونا بشكل قانوني بإصدار رخص له، ولا بد أن تكون هناك آليات لتمويل المشروعات الصغرى والمتوسطة، التي تندرج صناعة الملح ضمنها».

ويعد الملح صديقا مستداما للبيئة بحسب كبير الباحثين بمركز بحوث الأحياء البحرية، الدكتور ضوء حدود، الذي يؤكد أن استغلال السبخات واستخراج الملح منها هو أفضل بكثير، وصديق للبيئة، من استخراج الملح بضخ مياه البحر للشاطئ.

أما أستاذ العلوم البيئية بالجامعات الليبية، الدكتور فرج المبروك، فيقول إن السبخات الملحية تدعم النظم الإيكولوجية الفريدة والتنوع البيولوجي للأنواع، خاصة الميكروبات، وتوفر العديد من المواد الكيميائية المستغلة تجاريا، مثل أملاح البوتاسيوم والصوديوم والمغنسيوم والباريوم والليثيوم، وعناصر وأنواع أخرى، وتوفر خدمات العلاج الطبي، والخدمات الثقافية والترفيهية.

مصدر الصورة
إنتاج الملح في ليبيا. (الوسط)
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا