آخر الأخبار

في ظل موجات الغلاء.. هل يرتدي الليبيون ملابس «مستعملة»؟

شارك
مصدر الصورة
ملابس مستعملة معروضة في أحد الأسواق (أرشيفية)

تتعالى أصوات من كل اتجاه «أجدابيا البيضاء- سرت- طرابلس»، وأصوات أخرى تساوم «يا بلاش»، تتخللها همهمات بلهجات عربية مكسّرة، تكشف عن جنسيات متعددة تتشارك المكان ذاته، في هذا السوق، لا تُعرض السلع فقط، بل تتجاور قصص العبور والانتظار، وتتشكل يومياً تفاصيل حياة على هامش المدن.

مصدر الصورة مصدر الصورة

هنا في بنغازي نقطة تلتقي فيها طرق الهجرة وتتشابك اللغات واللهجات، يمتد شارع «الجنسية» كمساحة مفتوحة تعكس وجهاً آخر للمدينة، على جانبيه، تتقاطع جنسيات أفريقية وعربية، بين مهاجرين شرعيين وآخرين غير نظاميين، يجمعهم السعي ذاته، وإن اختلفت الحكايات.

- للاطلاع على العدد 538 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

سوق عشوائية تبيع كل شيء
السير وسط شارع المفاتيح في فترة ذروته التي تبدأ من الساعة 3 مساء يحمل كثيرا من الصعوبة، وكان سؤالي هل وسط هذه السوق العشوائية التي تبيع كل شيء توجد سوق لـ«البالة» أو الملابس المستعملة؟

في الشارع الذي استحوذ عليه الأفارقة والعرب وجعلوه سوقا لبيع المستعمل خاصا بهم، وكان لا بد من طرح السؤال الملح، هل توجد ملابس «بالة» للبيع هنا؟ أجاب شاب ليبي أطل من وسط الزحام حين سمع سؤالي وصعوبة التفاهم مع المرأة الأفريقية التي تضع بسطة أمامها، «تفرش ببعض الملابس»، نعم توجد بعض الملابس المستعملة هنا، ولكن لا يشتري منها الليبيون، بل يشتري منها العمالة الوافدة، ولم أر يوماً ليبياً يشتريها.

الليبيون لا يرتدون ملابس البالة
أعقبت السؤال بآخر، لماذا الليبيون لا يشترون الملابس المستعملة على الرغم من صعوبة الوضع الاقتصادي وغلاء الأسعار؟
أجاب: الليبي «ما زال يتحشم يلبس حاجة مستعملة» على الرغم من أنه يمكن أن يشتري ثلاجة مستعملة مثلا أو أواني، وحتى المراتب الأرضية والفرش، ولكن الملابس، لا على حد علمي بما أنني موجود في السوق منذ فترة طويلة.

حين فكرت في تنفيذ هذا التقرير حول الملابس المستعملة لم يخطر في بالي أنه سيكون بهذا العمق، فمع صعوبة الوضع الاقتصادي وشح السيولة، وتأخر المرتبات، لا يزال الليبي غير مقتنع بأن يرتدي ملابس مستعملة حتى لو كانت صدقة، إلا على استحياء، ودون أن يعرف من حوله أنها ملابس مستعملة.

فهل يرتدي الليبيون ملابس مستعملة؟ تجيب المتطوعة في الأعمال الخيرية، نعيمة سعد «اسم مستعار» قائلة: «أعمل في العمل الخيري منذ العام 2005، ولم ترد في بالنا أبدا فكرة الملابس المستعملة، أن نطلبها كصدقة ونتبرع بها للناس، لم نكن نطلب ملابس مستعملة أو حتى أثاثا مستعملا».

وتضيف: «قد نتبادل هذه الملابس فيما بيننا كأخوات مثلا، ولكن أن نعطي ملابس مستعملة لأحد آخر هذه الفكرة لم تكن واردة لأننا نخجل من فعل ذلك».

انتشار الفقر وغلاء الأسعار
ولكن تغير الوضع وانتشر الفقر، مع وجود عدد كبير من النازحين والمهاجرين غير النظاميين، بدأنا على استحياء تجميع هذه الملابس المستعملة وتوزيعها، ولكن بعد فرزها، وأخذ الجيد منها، ونحملها للمغسلة ونرتبها في أكياس، وأشعر بالخجل عندما أعطيهم هذه الملابس، خاصة وأنهم على الرغم من نزوحهم ووضعهم الصعب لم يتقبلوا أبدا فكرة الملابس المستعملة، قالتها نعيمة بحسم.

المتطوعة تشير إلى أنها كفاعلة خير لا تحبذ التبرع بالملابس المستعملة «عادة أحاول بكل السبل أن آخذ أموال من المتبرعين وأشتري ملابس جديدة، أو أقوم بإعطاء الإنسان المحتاج مبلغا ماليا حتى يشتري ملابس بنفسه».

وتوضح أنها عندما فتحت باب التبرع بالملابس المستعملة منذ عشر سنوات بدأ الناس يتبرعون بملابس «قذرة» وبالية لدرجة أنها لا تصلح حتى لغسلها، وتقول: «شعرت أن الناس يريدون التخلص من هذه الملابس ليس للتصدق بها وإنما للتخلص منها باي طريقة فكانوا يحضرونها بشكل مخجل، وغير آدمي لذلك أغلقت باب التبرع بها منذ فترة طويلة».

تزايد موجات الهجرة يعيد التبرع بالمستعمل
تتابع «توقفت لفترة معينة عن تلقي الملابس المستعملة والتبرع بها، نظرا لأن المتبرعين لم يراعوا الاحترام في تبرعهم بهذه الملابس، ولكن خلال السنتين الماضيتين ومع موجات الهجرة غير النظامية ووجود عدد كبير من الوافدين الأفارقة، خاصة الإخوة من السودان الشقيق ونزوحهم من الحرب، وتدهور الوضع الاقتصادي لعائلات ليبية كثيرة، عدت لجمع التبرعات للملابس المستعملة، والعمل على فرزها ووضعها في الشمس ومن ثم غسلها وتعطيرها، وكيها، وتقديمها للعائلات، الليبية التي تطلب مني هذه الملابس».

وتشير المتطوعة نعيمة إلى أنه بدأت تنتشر فكرة بيع الملابس على الإنترنت تحديدا بين «القروبات»، حيث تقوم النساء بعرض بعض الملابس المستعملة للبيع مثلا ملابس الأفراح، وهناك نسوة يشترين هذه الملابس.

وتؤيد نعيمة وجود سوق للملابس المستعملة بقوة قائلة «لقد زادت نسبة الفقر في ليبيا بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، بحكم عملي في هذا المجال منذ فترات طويلة وأراقب الوضع الاقتصادي للناس عن كثب، فارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه جعل الناس ذوي الدخل المحدود أو معدومي الدخل يلجؤون لطلب الصدقات حتى لو كانت الملابس مستعملة».

وتتابع «لدينا مناطق شعبية كثيرة في بنغازي، ولا ضير من إنشاء سوق للملابس المستعملة بها، خاصة وأنه هذه المناطق يوجد بها عدد كبير من الوافدين العرب والأفارقة، وحتى الليبيون خاصة العائلات المسجلة عندي بدأت تطلب هي بنفسها الملابس المستعملة».

الليبيون يرتدون البالة ولكن لا يعلمون
من جانبه، يقول محمد عبدالله، صاحب محل تخفيضات: «هناك فعلا محلات تبيع ملابس مستعملة، ولكن استعمال أوروبي يحضرون أصحاب هذه المحلات الملابس في أكوام كبيرة مربوطة بأحكام وتشبه شكل (بالة التبن)، لذلك نحن كمشتغلين في هذا المجال نسميها «ملابس البالة»، من منطلق شكل «بالة التبن» وليس اللفظ المتعارف عليه عند العرب بالة بمعنى ملابس بالية».

- للاطلاع على العدد 538 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

ويشير إلى أن الناس تشترى من هذه المحلات ولكن لا تدري أبدا أن الذي تقوم بشرائه هي ملابس مستعملة، خاصة لو كانت بعض الملابس من الماركات أو ذات علامات تجارية معروفة، لأن الليبي لا يزال يتعفف عن لبس الملابس المستعملة، وأظن أنه لو علم الناس بأنها مستعملة لن يذهبوا مرة أخرى لهذه المحلات.

يضيف التاجر: «كما أن هناك ما يسمى ببضاعة «الستوكات»، وهي ملابس جديدة ولكن بها عيوب بسيطة في الصناعة نقوم باستيرادها وبيعها بأسعار رخيصة، ولكن هذه الملابس ليست مستعملة للأمانة».

أما فرج العقوري، تاجر ملابس بالجملة فيقول: «دعيني أخبرك أولا نحن كتجار جملة نحضر الملابس من الصين ومصر، والآن أصبحت هناك ملابس محلية الصنع نقوم ببيعها، وهناك ملابس موجودة غير مستعملة بحسب قدرة المواطن الشرائية منها قمصان بثمانية دينارات».

ويؤكد أن «الليبي لا يشترى الملابس المستعملة أبدا، وفي المقابل قد يشترى الأثاث المستعمل، والإلكترونيات، وغيرها، ولا يرغب في شراء الملابس المستعملة، حتى الفقراء منهم لا يشترون الملابس المستعملة تحديدا».

لا تزال الفكرة غير مقبولة
ويرى فرج أن «الفكرة الرئيسية حول بيع الملابس المستعملة في ليبيا لا تزال غير مقبولة، ويراها كثيرون أنها وصم لا يمكن أن يتحمله الشخص، على الرغم من أن الوضع الاقتصادي أصبح صعب وصعب جدا».

ويلفت الصحفي المتخصص في الاقتصاد عبدالله الزائدي إلى أن المجتمع الليبي ارتبط بالقدرة الشرائية في زمن الوفرة النفطية، وقوة الدينار، ماجعل سلوك الذهاب إلى هذه الأسواق يشكل وصمة اجتماعية.

- للاطلاع على العدد 538 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

ويقول: «نعم هناك جمعيات خيرية للتبرع بالملابس ولكن هي لا تبيع، إنما تقصد العائلات بشكل غير معلن، أو تذهب بعض العائلات التي ترغب في التبرع بشكل مباشر إلى العائلات المحتاجة، ويعطونهم هذه الملابس دون أن يعلم أحد بهذا العمل».

ويلفت إلى أن استيراد الملابس المستعملة محظور في القانون الليبي، وإن وجدت في السوق فهي بالتأكيد دخلت بطرق غير رسمية.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا