تداول مستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي مقالًا بعنوان “التدين المسلوب” يناقش العلاقة بين التدين الفردي والاهتمام بقضايا المجتمع، في طرح فكري أثار نقاشا بين المتابعين حول حدود العلاقة بين العبادة والانخراط في الشأن العام.
ويبدأ المقال المتداول بسرد موقف يرويه الكاتب – الذي لم يُعرف اسمه – يقول فيه إنه جرى بينه وبين أحد جيرانه حديث عقب صلاة التراويح أثناء عودتهما إلى المنزل.
وخلال الحديث، سأل الكاتب جاره عن آخر أخبار الحروب والأحداث الجارية، غير أن الجار أبدى نوعا من عدم الاهتمام، معتبرا أن الانشغال بالعبادة والابتعاد عن صخب السياسة هو الخيار الأفضل في زمن الفتن.
ومن هذا الحوار ينطلق المقال لطرح فكرة ما يسميه “التدين المسلوب”، وهو – بحسب الطرح الوارد في النص – نمط من التدين يركز على الطقوس والممارسات الدينية الفردية، لكنه يميل إلى الانسحاب من الاهتمام بالشأن العام أو قضايا المجتمع.
ويرى المقال أن هذا الفهم قد يحوّل التدين إلى حالة من الانكفاء عن الواقع، في حين أن التجربة الإسلامية – بحسب ما يورده النص – تقدم نماذج لارتباط العبادة بالعمل العام والسعي إلى نصرة المظلومين وإصلاح المجتمع.
ولتعزيز هذه الفكرة، يستشهد المقال بعدد من المفكرين، من بينهم المفكر علي شريعتي الذي تحدث عن أهمية الوعي بالواقع وعدم الاكتفاء بالمواقف الرمزية، كما يورد أفكارا للفيلسوف السياسي كارل شميت حول حضور السياسة في حياة المجتمعات، خاصة عندما تتعرض لهوياتها وقيمها للتحدي.
كما يتطرق المقال إلى مفهوم “السياسة الصغرى” الذي ناقشه الفيلسوفان الفرنسيان جيل دولوز وفيليكس غواتاري، وهو مفهوم يشير إلى أن السياسة لا تقتصر على القضايا الكبرى أو القرارات الدولية، بل تمتد إلى مواقف الأفراد اليومية وتفاعلهم مع الأحداث من حولهم.
ويتوقف المقال أيضًا عند طرح المفكر البوسني علي عزت بيجوفيتش الذي ميّز بين نوعين من التدين: أحدهما يكتفي بالمظاهر والطقوس دون تأثير حقيقي في الواقع، والآخر يرى في الإيمان دافعًا للعمل والإصلاح ومواجهة الظلم.
ويخلص المقال إلى أن الإيمان في المنظور الإسلامي يرتبط بالعمل، مستندًا إلى الترابط المتكرر في القرآن بين الإيمان والعمل الصالح، باعتبارهما أساسا لبناء الإنسان والمجتمع.
وقد أثار المقال تفاعلا بين المتابعين على منصات التواصل، حيث رأى بعضهم أنه يطرح إشكالية فكرية مهمة تتعلق بعلاقة التدين بالواقع، فيما اعتبر آخرون أن النقاش يحتاج إلى قراءة متوازنة تجمع بين أهمية العبادة الفردية والاهتمام بقضايا المجتمع.
وهذا هو النص الحرفي للمقال:
“التدين المسلوب
=====
بعد انفضاء صلاة التراويح، سألت جاري ونحن في طريق العودة: ما آخر أخبار الحرب؟ هل من انفراجة؟
هزّ رأسه بلا مبالاة:
والله يا دكتور كلها لعبة ومسرحية متفق عليها..
استوقفتني جملة: (الله لا يشغلنا إلا في طاعته)
بدا لي أن مفهوم (العبادة) لديه صار وسيلة للهروب من مرارة الواقع، بدلًا من أن يكون دافعًا لإصلاحه ونصرة المظلوم؟
قلت له: ولكن النبي ﷺ الذي نقتدي به، مارس السياسة، وفاوض الخصوم، وأمرنا بنصرة المظلومين والمستضعفين.
رد عليّ بابتسامة:
صحيح، ولكن في زمن الفتن أقوى سلاح للمؤمن هو (الدعاء).
إن هذا (الزهد السياسي) هو بالضبط ما يسعى إليه (الاستعمار الجديد).
فالمجتمع الذي يكتفي بالدعاء بينما تُسلب كرامته، ويغزوه الشيطان من كل صوب، ويجتمع عليه الأمم، ويُقتل النساء والأطفال، ويحرق الأرض،
وهو يرى ذلك (خارج اهتماماته وهمومه)،
هو مجتمع (سهل الانقياد).
تمامًا كما قال علي شريعتي في كتابه:
(النباهة والاستحمار): (عندما يشب حريق في بيتك ويدعوك أحدهم للصلاة والتضرع إلى الله، فاعلم أنها دعوة خائن.)
حتى وإن كان هذا الانشغال عملًا مقدسًا في ظاهره.
قلت له:
حتى الدعاء في جوهره هو (موقف سياسي)؛ لأنه إعلان انحياز للحق.
لكن هذا الانحياز يجب أن يُترجم في تفاصيل حياتك، وفي وعيك وفهمك لمنظومات الهيمنة حولك.
إذا لم يغيّر الدعاء فيك طريقة نظرك لعدوك ومصالح أمتك، فإنه يبقى أمنيات مجردة لا ترهب عدوا ولا تبني وطنا.
اتجه نحو باب منزله وهو يبتسم:
والله أنا أقول من لزم محرابه سلم، ومن خاض في شؤون الدنيا ندم.. في أمان الله.
بقيت صامتًا في مكاني، أشاهد انغلاق بابه وكأنه يُغلق عقله قبل منزله.
شعرت بإحباط ثقيل يضغط على صدري، وقلت في نفسي:
هذا هو…
المسلم كما يريده الشيطان
الشيطان يريد مسلمًا (درويشًا)، يصلي ويصوم، لكنه لا يملك (أنيابًا) تحمي دينه وأرضه.
يريده غارقًا في أوراده، منفصلًا عن واقع أمته، يرى دماء إخوانه (لعبة سياسية) لا تستحق منه حتى (القلق الوجودي).
هذا النموذج صُمم لينتج (تابعًا مطيعًا) للنظام العالمي المادي، وليس (خليفة) يعمر الأرض بالعدل والقوة.
يظن جاري أن (طاعة الله) تقتضي منه إغلاق عقله عن فهم ما يدور حوله، وكأن العالم سيتوقف عن ملاحقته بمجرد أن يقرر هو اعتزال شؤون المسلمين.
لكن الفيلسوف السياسي كارل شميت
يؤكد أن الهوية السياسية تتشكل في لحظة التمييز بين (الصديق والعدو).
وحين يظهر عدو يستهدف وجودك وقيمك،
فإن السياسة (تخترق) كل مجالات حياتك:رصلاتك، بيتك، وحتى صمتك.
لا توجد (فردانية محايدة)حين يقرر العدو أنك طرف في الصراع.
قد يعتقد البعض أن السياسة هي (القضايا الكبرى) فقط،
مثل التطبيع أو الثورات.
لكن في كتاب ألف هضبة وهضبة
يطرح جيل دولوز وفيليكس غواتاري مفهومًا أعمق:
السياسة الصغرى – Micro-politics
يعني أن السياسة تتغلغل في
(تفاصيل حياتك اليومية): رد فعلك على الخبر
مشاعرك تجاه الضحايا، وعيك بما يُحاك ضدك
كل هذه ملفات سياسية (صغرى) تبني وعيك وهويتك،
والهروب منها هو استسلام سياسي كامل.
يفرق علي عزت بيجوفيتش بين نوعين من التدين:
المتدين المسلوب:
وهو الذي يركز على المظاهر والطقوس،
ويستسلم للواقع المرير بحجة (الزهد) والهروب من الفتن.
المتدين الفاعل:
وهو الذي يرى في العبادة وقودًا لتغيير العالم،
ومحركًا أساسيًا لمواجهة الظلم وإصلاح الواقع.
يرى بيجوفيتش أن القوى المهيمنة تفضل دائمًا النوع الأول من المتدينين.
فالمسلم الذي يكتفي بالعبادات الشعائرية
لا يمثل أي تهديد حقيقي لمصالحهم؛
هو تابع مطيع، وتصرفاته متوقعة،
وردود أفعاله تجاه سلب الحقوق غائبة تمامًا.
وهذا ما يريده الشيطان!
أن يجعلنا مؤمنين دون عمل،
مع أن القرآن يقرن دائمًا بين الإيمان والعمل:
(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات).
الشيطان وأولياؤه من الإنس والجان يريد منا
(إيمان العبيد) القائم على المسكنة،
ويرفض أن نمتلك (إيمان السادة)
القائم على السيادة والمسؤولية”.
المصدر:
الرائد