ربما كانت واحدة من أهم علامات الاستفهام المرتبطة بالحرب الدائرة حاليا في منطقتنا من حيث دوافعها وأهدافها وتوقيتها والتي تثير نقاشا عميقا وتتعدد الآراء في زاوية النظر إليها، هي تلك التي تتعلق بالولايات المتحدة. فرغم أن إسرائيل مشارك قوي وفعال في هذه الحرب- وقد تكون هي من قدحت شرارتها الأولى- فإن أمريكا هي الممول الأكبر، والطرف الأكثر تأثيرا عسكريا وسياسيا.
فالموقف الإسرائيلي كان دائما واضحا من أن أي تعامل مع النظام القائم في إيران منذ أبريل/نيسان 1979 لا بد أن يكون من خلال استخدام القوة العسكرية، وهو ما كان يتمظهر في محاولاتها وسعيها الحثيث لدفع الولايات المتحدة للقيام بهذا الدور، خلال العقود الماضية. وقد عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن ذلك بصورة جلية، عندما قال في بداية العمليات العسكرية الأخيرة؛ إن ما يحدث حاليا هو ما كان يحلم به طيلة الأربعين عاما الماضية.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فرغم عدائها المعروف للنظام الإيراني- والذي انعكس في جزء منه على نوعية العقوبات التي فُرضت على طهران، والتي لم يسبق لدولة أن تعرضت لمثلها- فقد كان هناك دائما استعداد من جانبها للوصول إلى حلول تفاوضية- وإن لم تكن شاملة- للتعامل مع بعض جوانب الاختلاف بين الدولتين، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني.
فقد توصل الطرفان في فترة إدارة الرئيس باراك أوباما إلى اتفاق تمّ بمقتضاه قبول إيران بوضع قيود واضحة وقابلة للتحقق على برنامجها النووي، مقابل رفع الولايات المتحدة جزءا من العقوبات المفروضة عليها، وإنهاء تجميد بعض أرصدتها في البنوك الخارجية، وهو الاتفاق الذي ألغاه الرئيس دونالد ترمب فور وصوله للسلطة في فترة رئاسته الأولى.
وعندما بدأت حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ورغم أن الولايات المتحدة تحت رئاسة جو بايدن تغاضت إلى حد كبير عن تجاوزات إسرائيل في هجومها الوحشي على القطاع، بما في ذلك قتل آلاف المدنيين، وتدميرها مناطق واسعة في لبنان، ومهاجمتها مناطق في اليمن، وإمدادها بالذخائر بما في ذلك أشد القنابل فتكا في الترسانة الأمريكية، فإنه كان من الواضح أن أمريكا لم تعطِ إسرائيل الضوء الأخضر لمهاجمة الأراضي الإيرانية، رغم ما هو معروف عن دعم إيران ماديا ومعنويا لكل القوى المناوئة لإسرائيل في المنطقة.
وعندما أعيد انتخاب ترمب لفترة رئاسية ثانية في يناير/كانون الثاني 2025، ورغم استمراره في دعم إسرائيل على نحو ما كانت تقوم به الإدارة السابقة، فقد كانت هناك إشارات على استعداده للدخول في مفاوضات مع الجانب الإيراني، غير أن ما جرى كان عكس ذلك، إذ تمثل باتخاذه قرارا بالاشتراك مع إسرائيل، في الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران من العام الماضي، وقد أعلن بعده أن البرنامج النووي، تم تدميره تماما Obliterated، رافضا في الوقت نفسه أي تقديرات من أجهزة الاستخبارات الأمريكية التي مؤداها: أنه في الوقت الذي تم فيه إلحاق أضرار كبيرة بالبرنامج النووي إلا أنه ما زال في إمكان إيران استئناف العمل فيه، بعد فترة زمنية ليست بالبعيدة.
ربما كانت هذه مقدمة ضرورية لمحاولة استكشاف ماهية دوافع الرئيس ترمب، وما هي الأهداف التي يسعى لتحقيقها والتي حملته إلى القيام بهذا العمل العسكري، الذي حشد له ثلث القوة البحرية الأمريكية، بما فيها حاملة الطائرات جيرالد فورد التي تعتبر إحدى أكبر حاملات الطائرات لدى الولايات المتحدة، إلى جانب أعداد كبيرة من عناصر القوات الجوية والصاروخية، وبما يتطلّبه ذلك من نفقات ضخمة، أشارت بعض التقديرات إلى أنها قد تصل إلى مليار دولار يوميا.
ومن الجدير بالملاحظة، أن هذه الحرب بما لها من تأثيرات عسكرية وسياسية واقتصادية تمتد لتشمل العالم ككل، تمت بناءً على قرار منفرد من الرئيس، وبدون أي مشاركة من الجانب المؤسسي في النظام الأمريكي والذي يمثله الكونغرس، أو تهيئة الرأي العام، أو محاولة الحصول على تأييد من الحلفاء، على نحو ما فعله الرئيس بوش الابن بإعداده للهجوم على العراق في مارس/آذار 2003.
إن أي محاولة للوصول إلى رؤية واضحة للتعامل مع هذه التساؤلات فيما يتعلق بالدوافع والأهداف ليست بالأمر السهل، في غياب أي معلومات دقيقة من الجانب الأمريكي، خصوصا أن الهجوم تم في وقت كانت فيه المفاوضات جارية بالفعل بين الجانبين.
إن كل ما لدينا في هذا الشأن، هو ما يصدر عن الرئيس الأمريكي على موقع التواصل الاجتماعي الخاص به "تروث سوشيال" من تغريدات والتي تراوحت في تتابع سريع ما بين حماية الولايات المتحدة من هجوم صاروخي وشيك من جانب إيران، إلى منع تلك الأخيرة من امتلاك السلاح النووي، وتغيير النظام، إضافة إلى ما ذكره عن مساعدة للأقلية الكردية، الأمر الذي تم التراجع عنه لاحقا.
وبالنسبة لما يتبغي تحقيقه لإعلان النصر وإنهاء العمليات العسكرية، فقد تتابعت هي الأخرى حتى وصلت إلى إعلان الاستسلام غير المشروط من قبل النظام الإيراني، الأمر الذي فسرته المتحدثة باسم البيت الأبيض بأنه لا يعني أن يصدر بذلك بيان واضح من القيادة الإيرانية، ولكن الولايات المتحدة هي التي ستقرر إذا ما كان هناك استسلام إيراني على شروط تؤدي إلى وقف العمليات العسكرية. فإذا كان كل هذا يبدو غريبا من جانب أكبر قوة في عالمنا اليوم، تلك التي يؤثر أي من قراراتها على دول في العالم من أقصاه إلى أقصاه، فإنه بالفعل أمر يدعو للاستغراب ويثير التساؤلات.
وفي ظل هذه الضبابية التي تحيط بالموقف الأمريكي، بدأت تظهر بعض الاجتهادات التي تحاول تفسير ما يحدث، مستندا إلى العملية العسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة في أول يناير/كانون الثاني الماضي، وأسفرت عن اختطاف رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو وزوجته، ولأن هذه العملية اعتبرت نجاحا كبيرا للرئيس ترمب شخصيا ،وتحققت بدون أي خسائر للجانب الأمريكي، فقد كان من نتائجها تشجيع القيام بالعمليات اللاحقة ضد إيران. وهذا التفسير وإن يقدم حافزا للقيام بذلك، إلا أنه يواجه بالاعتراض؛ نظرا للاختلاف الكبير بين فنزويلا وإيران جغرافيا وسياسيا وعسكريا، كما يتجاهل أيضا الاختلاف في الأهداف المطلوب تحقيقها في كلتا العمليتين.
وفي هذا السياق طفت على السطح تفسيرات أخرى تتعلق أساسا بالوضع الداخلي في الولايات المتحدة ذاتها مع اقتراب الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل، وازدياد التوقعات بأن الحزب الجمهوري قد يفقد أغلبيته في أي من مجلسي النواب والشيوخ.
حيث تم استرجاع ما سبق ونشره الرئيس ترامب على حسابه بموقع "إكس" في عام 2011 خلال فترة حكم الرئيس أوباما عندما ذكر حرفيا "أن باراك أوباما سيهاجم إيران في المستقبل القريب لأن هذا سيساعده في الانتخابات".
لكل هذا فربما كان السبيل للوصول لإجابات واضحة لما أثرناه آنفا من تساؤلات فيما يتعلق بالدوافع والأهداف، هو انتظار ما ستسفر عنه التطورات في الفترة القادمة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة