تزامن حلول الذكرى الـ15 لإسقاط نظام العقيد معمر القذافي في 17 فبراير 2011 مع إقرار أممي جديد بفشل مسار العملية السياسية لحل الأزمة، في ظل حالة الانقسام المتزايد في البلاد، بدءًا من الخلافات بين أعضاء المجلس الرئاسي، وصولًا إلى أزمة القضاء، مرورًا بالخلافات المزمنة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.
تيتيه تقدم صورة قاتمة للمشهد الليبي
وقدّمت المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، في إحاطة جديدة أمام مجلس الأمن، صورة قاتمة للمشهد الليبي ومواقف القوى الدولية الفاعلة في ليبيا، وحذّرت من مآلات الوضع القائم في البلاد، مشيرة إلى «الوضع الاقتصادي المتدهور، والفقر، والضغط المتزايدين على المجتمع، فضلًا عن هشاشة الوضع الأمني»، وفق ما جاء في الإحاطة.
وانتقدت المبعوثة الأممية الانقسام الحكومي والإجراءات الأحادية من الحكومتين المنقسمتين، وخصّت بالانتقاد مجلسي النواب والدولة، معربة عن أسفها لعدم إحراز أي تقدم ملموس بين الهيئتين في إنجاز الخطوتين الأوليين في إطار خريطة الطريق، بما في ذلك آلية اختيار أعضاء مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهو ما يؤكد الحديث المتكرر عن أن الهيئتين غير قادرتين، أو غير راغبتين، في العمل معًا لإنجاز المرحلتين الأوليين من خريطة الطريق، بحسب رؤية المبعوثة.
الخلاف حول ملف مفوضية الانتخابات
ويتمحور الخلاف بين المجلسين حول ملف المفوضية العليا للانتخابات والجهة المخوّلة قانونًا بإعادة تشكيلها. وفي آخر التطورات، وضع المجلس الأعلى للدولة شرطًا بضرورة صون استقلالية القضاء مدخلًا أساسيًا لأي تسوية سياسية، مشددًا على أن يجرى ذلك عبر توافق مباشر ومسبق مع مجلس النواب. كما قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قرار تعيين المستشار عبدالله أبورزيزة رئيسًا لمحكمة النقض، الأمر الذي يستلزم عودة مجلسي النواب والدولة إلى التفاوض بشأن هذا الملف.
ومن هذه الزاوية، أوضحت تيتيه أن النظام القضائي الليبي، الذي ظل تاريخيًا موحدًا إلى حد كبير على الرغم من التحديات السياسية المطولة، يشهد الآن انقسامًا متزايدًا. وضربت مثلًا على ذلك بوجود «ولايات متنافسة، وأحكام قضائية متضاربة، وتناقضات قضائية»، ولفتت في الوقت نفسه إلى أن «تسييس القضاء وتقسيمه من شأنه الإضرار بالعملية السياسية في ليبيا، خاصة مع استمرار التنافس بين المحكمة الدستورية العليا في بنغازي والمحكمة العليا في طرابلس».
خطة أممية بديلة
وكحل لحالة الانسداد القائمة، قررت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا البدء في تنفيذ خطة بديلة لا تزال تفاصيلها مبهمة، تقضي بتكليف مجموعة صغيرة بحل ما فشل مجلسا النواب والدولة في التوافق بشأنه.
وبرّرت تيتيه، في إحاطتها أمام مجلس الأمن، هذه الخطوة بقولها إنه «لا يمكن الانتظار إلى ما لا نهاية بشأن مجلسي النواب والدولة»، مشيرة إلى أنه «في حال فشل المجموعة المكلّفة، سيكون من الضروري عقد اجتماع أوسع للمضي قدمًا في تنفيذ الخريطة».
وغير بعيد عن تتبع مجريات الوضع في ليبيا، أبدى كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، تفاؤلًا حذرًا عقب جولة قادته قبل أيام إلى طرابلس، لفت خلالها إلى أن الولايات المتحدة تعمل مع طرفي السلطة في غرب وشرق البلاد من أجل وضع خطوات ملموسة للاندماج والتكامل الاقتصادي والعسكري، إلى جانب «خلق الظروف الملائمة لحكومة منتخبة وديمقراطية»، وفق تعبيره، مذكرًا بأن الاتفاقات والتنازلات المتبادلة تفتح الباب أمام تعاون عملي يسهم في تهيئة الظروف لإقامة حكومة موحدة، تمهيدًا لإجراء الانتخابات.
واجتمع مبعوث ترامب، بحضور قائد القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» الجنرال داغفين أندرسون، مع نائب قائد «القيادة العامة» صدام حفتر في مؤتمر ميونيخ للأمن، في غياب ممثل عن حكومة الوحدة الوطنية الموقتة، وذلك قبل نحو شهرين من تمرين مشترك سيجمع، للمرة الأولى، قوات من الجانبين ضمن مناورات «فلينتلوك 26» التي تُعدّ لها الولايات المتحدة في مدينة سرت.
- للاطلاع على العدد «535» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وفي سياق التعقيب على إحاطة المبعوثة الأممية، قال ممثل فرنسا في مجلس الأمن إن إعادة توحيد الجيش وإنشاء حكومة موحدة في ليبيا يجب أن يكونا أولوية لدى مجلس الأمن، مشددًا على أن انسحاب القوات والمرتزقة والمقاتلين الأجانب يجب أن يرافق مشروع توحيد الجيش لاستعادة السيادة الوطنية للبلاد.
أما المندوب الروسي الدائم لدى مجلس الأمن الدولي، فاسيلي نيبينزيا، فرأى أن الوضع الأمني في ليبيا «ليس مثاليًا»، خصوصًا في محيط العاصمة، واصفًا الوضع هناك بـ«برميل بارود» نتيجة نشاط الجماعات المسلحة غير الخاضعة للمساءلة، مشيرًا إلى انتقال الصدامات المسلحة إلى مناطق في الجنوب.
عودة الملاسنات بين الدبيبة وحماد
وعلى مستوى التجاذبات المحلية وتداعيات حالة الانقسام الحكومي، عادت الملاسنات بين رئيسي الحكومتين المنقسمتين، عبدالحميد الدبيبة وأسامة حماد، الذي دعا الأول في كلمة إلى خيارين: إما الحوار المباشر لحل الأزمة المالية، أو الخروج معًا من المشهد وترك المجال لغيرهما من أجل توحيد المؤسسات وتحقيق الاستقرار في البلاد.
وكان الدبيبة قد تحدث، الثلاثاء، في كلمته بمناسبة ذكرى 17 فبراير، عن الإنفاق التنموي، مشيرًا إلى أن حجم «الإنفاق الموازي» خلال السنوات الثلاث الماضية تجاوز 300 مليار دينار، وأن مجلس النواب أقرّ هذا الرقم واعتبره دينًا عامًا، كما أقرّ تعديل سعر الصرف بهدف سداد هذا الدين.
وفي رسالة سياسية موجّهة إلى عدة أطراف محلية ودولية، وضمن مساعي تهدئة الرأي العام، أعلن الدبيبة أن التعديل الوزاري الذي وعد به سيكشف عن تفاصيله خلال الاجتماع القادم لمجلس الوزراء، مبررًا هذا التعديل بضخ دماء جديدة وتحسين الخدمات، مع التأكيد على أن ذلك لا يُغني عن المطلب الأساسي، وهو الوصول إلى الانتخابات لإنهاء كل الأجسام الانتقالية.
ومنذ 17 فبراير 2011، أي بعد سقوط نظام القذافي، تعاقبت تسع حكومات على ليبيا، منها حكومتان جاءتا نتيجة حوارات سياسية قادتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
الخلاف يضرب «الرئاسي»
ولم ينجُ المجلس الرئاسي من آفة الخلاف التي تحكم المشهد السياسي في البلاد؛ فبعد ردود فعل متباينة بشأن مرسوم جديد أصدره رئيسه محمد المنفي، يهدف إلى إسناد تبعية الجريدة الرسمية إلى وزارة العمل تنفيذًا لحكم صادر عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس، اعتبر عضوا المجلس، عبدالله اللافي وموسى الكوني، الخطوة قرارًا فرديًا صدر دون إجماع وتجاوزًا للصلاحيات المشتركة. وقبل ذلك، صدر تصريح لموسى الكوني عبّر فيه عن رفضه قرار المنفي تعيين علي الصلابي، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مستشارًا لشؤون المصالحة الوطنية في ليبيا.
في هذه الأثناء، ينتظر كثير من الليبيين ومتابعي الشأن الليبي ما تعتزم المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، تبنّيه في ظل إخفاق مجلسي النواب والدولة في الإيفاء بالتزاماتهما تجاه العملية السياسية التي تقودها من أجل الوصول إلى موعد الاستحقاق الانتخابي.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة