في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
حالة من التدهور الحاد تضرب الاقتصاد الليبي، في ظل تراجع غير مسبوق للدينار أمام الدولار، وتأثر القوة الشرائية للمواطن وارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي مداخلات مع برنامج «وسط الخبر» المذاع على قناة الوسط «WTV»، أكد خبراء اقتصاديون وسياسيون أن الأزمة الحالية ليست وليدة اللحظة؛ بل تراكمت عبر سنوات من السياسات النقدية والمالية الخاطئة والإخفاقات المتكررة في إدارة الموارد الوطنية، ما ترك المصرف المركزي يتحمل وحده عبء ضبط الاقتصاد وسط غياب استراتيجيات واضحة للحكومة والمؤسسات المالية الأخرى.
ارتفاع سعر الدولار نتيجة سياسات غير مدروسة
قال المستشار الاقتصادي محمد الطاهر إن «وصول سعر الدولار إلى 10 دنانير يعكس تراكمات سياسات مالية غير مدروسة خلال السنوات العشر الماضية»، مشيرًا إلى أن «الإجراءات التي اتخذتها السلطة التنفيذية والمصرف المركزي لم تعالج جوهر المشكلة».
وأوضح الطاهر أن الأزمة الحالية ترتبط بـ«إنفاق غير مُرشَّد، جلّه استهلاكي»، معتبرًا أن «الحلول المتبعة حتى الآن مجرد ضمادات حرارة لم تمس جوهر قضية الدينار»، الذي يعبر عن «القوة الشرائية للمواطن والاقتصاد ككل».
وأشار إلى أن الموارد المالية محدودة، وغالبيتها تأتي من قطاع النفط، ما يعني أن «الإيرادات بالعملات الأجنبية تُترجم إلى دنانير، وفي ظل ميزانية غير مُبوَّبة وإنفاق متجاوز للإيرادات، أصبح الوضع الاقتصادي هشًا».
محاولات معالجة باءت بالفشل
وتطرق الخبير الاقتصادي إلى محاولات معالجة المشكلة، مثل «فرض ضريبة على الاعتمادات خلال حكومة الوفاق لتغطية الإنفاق»، لكنه أشار إلى فشل هذه الإجراءات، ما أدى إلى «تخفيض قيمة الدينار بشكل متكرر كحل مباشر لمواجهة نقص السيولة».
وحذر من أن «انخفاض قيمة الدينار يؤثر بشكل مباشر على القوة الشرائية للمواطن ودخله، ويترتب عليه آثار بعيدة على الأصول الوطنية»، معتبرًا أن «الدينار يشكل القاعدة الأساسية لقوة الاقتصاد الليبي».
أخطاء سياسية وراء الأزمة الاقتصادية
من جانبه، قال الكاتب الصحفي كمال المزوغي إن «هذه الأزمة تطال وتضعف من مستوى معيشة المواطن بصفة عامة»، مؤكدًا أن ما وصل إليه الوضع الحالي «هو عبارة عن نتيجة أخطاء سياسية وتصرفات فاشلة لكل المنظومات السياسية التي تصدرت المشهد في ليبيا بصفة عامة».
وأضاف المزوغي، أن «المؤسسات النقدية والمؤسسات الاقتصادية تحتاج إلى نظام سياسي مستقر وموحد»، مشيرًا إلى أن «أي أنظمة نقدية أو مالية أو اقتصادية ستنهار تمامًا أمام إجراءات سياسية متعارضة ومتذبذبة، وأمام وجود أشخاص لا يعون خطورة المواقع التي يتقلدونها على المستوى العام».
وتابع: «كل السياسات التي تضعها المؤسسات النقدية في ليبيا، وعلى رأسها المصرف المركزي، لن تنجح ما لم تكن هناك أنظمة سياسية مستقرة، ووعي فعلي بمستوى المسؤولية، ووعي بخطورة التلاعب بالسياسات النقدية»، مؤكدًا أن «الأمر بالكامل يعود إلى إشكالية السياسات السياسية المنتهجة في الساحة العامة».
إخفاقات مالية متكررة تزيد معاناة المواطن الليبي
بدوره لفت الباحث السياسي محمد درميش إلى أن المشكلة ليست وليدة اللحظة بل تمتد لعشرات السنين السابقة»، متابعًا أن «مؤسسات الدولة وقعت في أخطاء متكررة أعوام 2015 و2016 و2020 و2024، ومن المحتمل أن تقع فيها مجددا في المستقبل».
وأوضح درميش أن «قرارات 2015، الصادرة من المصرف المركزي والجهات الاقتصادية المعنية، كان يفترض أن تُتخذ في إطار منظومة أزمة متكاملة، لكنها خدمت السوق الموازية، مثل فرض ضريبة على الواردات ورسم على شراء العملة، تلاها تخفيض قيمة الدينار بنسبة 70%».
- الدولار يصعد 50 قرشا في أسبوع بالسوق الموازية
- خبير اقتصادي يحذّر من موجة غلاء جديدة بعد رسالة برلمانية حول ضرائب ورسوم النقد الأجنبي
- قبل اختياره عضوا بـ«لجنة المنفي».. كيف طرح إدريس الشريف رؤيته لوقف نزيف الاقتصاد؟
وأشار إلى أن هذه القرارات «أدت إلى خروج بعض المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوقف صغار المستثمرين عن العمل في القطاع الخاص، ما تسبب في تكدس العاملين بالقطاع العام وارتفاع الأسعار والخدمات»، مؤكدًا أن «هذه السياسات أعادت نفسها في 2024 و2026، ونحن نحصد نتائج إخفاقات سنوات سابقة».
نسبة الفقر تجاوزت 85%
وأضاف الباحث السياسي «المواطن دفع وحده ثمن هذه الإخفاقات، مع نسبة فقر تجاوزت 85%، في حين أن الدولة تمتلك مركزًا ماليًا جيدًا واقتصادًا مزدهرًا، لكن الإنفاق لم يُرشد بالشكل الصحيح لضمان النمو والتنمية والازدهار».
ودعا درميش المصرف المركزي إلى «حماية المواطن والاقتصاد الوطني عبر اتخاذ قرارات جريئة تحافظ على مستوى دخل الفرد وأصول الدولة»، محذرا من استنزاف احتياطي النقد الأجنبي في محاولة منع انحدار الدينار مقابل الدولار «نتيجة التشوهات المالية»، واستشهد بحالة «وديعة صندوق الاستثمار الداخلي قبل تخفيض الدينار والتي أهلكت قيمتها نتيجة السياسات السابقة».
وأكد أن «الوضع الحالي أفضل مما كان عليه قبل 15 إلى 20 سنة، مع توحيد المصرف ومؤسسة النفط ومؤسسة الاستثمار، ما يقلل من امتصاص الصدمات والتجاذبات السياسية مقارنة بالماضي».
المصرف المركزي تحمل وحده عبء السياسات الاقتصادية
فيما يرى المستشار والخبير الاستراتيجي في التنمية الاقتصادية خالد الكاديكي أن المصرف المركزي تحمل وحده عبء أداء أي عملية اقتصادية في ليبيا، بينما غابات السياسات التي من المفترض أن تتخذها جهات أخرى معينة، ما خلق «فجوة كبيرة يعاني منها الاقتصاد الليبي».
وأوضح أن «المصرف يتعامل كأنه أداة الحكومة لحل الأزمات بشكل منفرد، وهذا أمر غير مقبول في سياسة المصرف أو إدارته»، مضيفًا أن «وجود حكومة تحدد السياسات بشكل واضح سيغني عن تدخل المصرف بشكل مستقل، إذ يجب أن تضع هي الاستراتيجيات الاقتصادية وتوضح الاقتصاد الوطني عبر المؤسسات المالية والتجارية».
أزمة سعر الصرف وتأثيرها على الأسعار
وتناول الكاديكي أسباب ارتفاع الأسعار قائلاً: «ارتفاع الأسعار في السلع مرتبط مباشرة بسعر الصرف المرتفع، خصوصًا أن الدولة تعتمد بنسبة 90% على الاستهلاك، وجميع المواد تُشترى بالدولار، مع قليل من اليورو». وأوضح أن «فتح اعتمادات كبيرة لاستيراد السلع لم تُورد بالكامل أدى إلى مشاكل وتفاقم الأزمة».
وبخصوص التسعيرة الجبرية، أشار إلى أن «فرض تسعيرة على السلع الأساسية أداة رقابية مهمة، لكنها لا تحقق نتائج فعالة إذا ظل سعر الدولار مرتفعًا بشكل كبير، إذ لا يستطيع التاجر تخفيض السعر ويميل إلى الاحتفاظ بالسلع لتحقيق هامش ربح». وأضاف: «العملية غير متوازنة وغير مستقرة، والضغط على التجار يؤدي إلى مضاربة واحتكار في السوق الموازية».
وأكد الخبير الاقتصادي أن «أي إجراءات مالية أو رقابية يجب أن تسبقها دراسة للسوق، ووضع إرشادات واضحة لمعاقبة المخالفين، مع اختبار السوق تدريجيًا قبل أي خطوات تنفيذية»، مشددًا على أن «سياسات مصرف ليبيا المركزي يجب أن تُدرس في سياق متكامل يشمل السياسات المالية والاقتصادية والتجارية لضمان استقرار الأسعار وحماية الاقتصاد الوطني».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة