رأى مقال نشرته جريدة «أراب ويكلي» اللندنية أن مقتل سيف الإسلام القذافي يمثل «نهاية عائلة شكّلت المخيلة السياسية في ليبيا لأكثر من أربعة عقود»، وأيضا خلّف فراغا ربما يكون خطيرا. وتساءل: ماذا ينتظر الأزمة السياسية في ليبيا بعد اختفاء سيف الإسلام، الذي يمثل أكثر من كونه مجرد شخصية سياسية مثيرة للجدل؟
وجاء في المقال، بقلم الباحث الأميركي في شوؤن الأمن ومكافحة الإرهاب، ياسين فواز، أن «خروج سيف الإسلام القذافي من الساحة السياسية يمثل مفارقة. فمن جهة، يمثل مقتله إزاحة أحد أكثر الشخصيات الانتخابية إثارة للجدل في ليبيا، مما قد يسهل التوافق بين المعسكرات السياسية المتنافسة. ومن جهة أخرى، يخاطر مقتله بتنفير شرائح من السكان الذين اعتبروا ترشحه التمثيل السياسي الوحيد بالنسبة لهم».
كما يرى أن النخب السياسية الراهنة في ليبيا، سواء في الشرق أو الغرب، «تُعيد تدوير النظام السياسي المركزي نفسه الذي أقامه معمر القذافي»، مضيفا: «ثورة العام 2011 لم تفض إلى تفكيك نظام القذافي، بل إلى تفتيته واستمراره».
أشباح عهد القذافي
أوضح فواز: «لسنوات طويلة، جسد سيف الإسلام أشباح عهد والده معمر القذافي التي لا تزال تخيم على البلاد، فهو لم يوجد بشكل كامل، ولم يدفن أيضا تماما في المشهد السياسي المنقسم منذ العام 2011».
- جريدة فرنسية: لهذه الأسباب تجاوز الليبيون أزمة اغتيال سيف القذافي
- جريدة «الوسط»: من قتل سيف القذافي؟
ويرى أن اغتيال «سيف القذافي يُزيل الجسر الأخير الذي يمكن استغلاله بين ماضي ليبيا الاستبدادي ومستقبلها السياسي الذي لا يظل غامضا»، لافتا إلى أن «المشهد في ليبيا يتسم بالفراغ السياسي الذي خلّفته الإطاحة بنظام القذافي في العام 2011، وليس الثورة التي أطاحت به».
كما أشار إلى أن «مشاركة الآلاف في تشييعه وحجم الحداد الشعبي يذكرنا بأن الماضي السياسي لليبيا يظل متجذرا بعمق في حاضرها، وأن الصراع في ليبيا لم يكن يوما مقصورا على القادة، بل هو صراع من أجل بقاء هياكل الدولة التي فككتها الثورة دون إعادة بنائها من جديد».
ليبيا عالقة في دوامة من المنافسة
استعرض المقال الانقسام السياسي الراهن في ليبيا بعد 14 عاما من الإطاحة بنظام القذافي، قائلا: «ما كان يعتقد أنه مجرد مسرحية سياسية منذ 14 عاما، بات اليوم أشبه بنبوءة تاريخية. لاتزال ليبيا عالقة في دوامة من التنافس المتشرذم، الذي حذر منه سيف القذافي سابقا، إلى وجود سلطات متعددة تدعي الشرعية، وتشكيلات مسلحة تفرض رؤى متنافسة للحكم، وشعب يبحث عن نظام سياسي قادر على توحيد البلاد».
وأضاف: «حقيقة، وبعد مرور أكثر من عقد، يمكن القول إن دولة القذافي لم يجر تفكيكها أبدا، بل تفتيتها. الهياكل العسكرية التي تدعم نظام القيادة في شرق ليبيا، والشبكات البيروقراطية التي تدعم الحكم الغربي، وآليات الوساطة القبلية التي تنظم التحالفات المحلية، وأنظمة المحسوبية الاقتصادية التي توزع ثروة النفط، كلها تنبع من البنية المركزية التي بُنيت خلال حكم القذافي».
ورأى المقال أن «ليبيا في الوقت الراهن ليست في صراع بين أنظمة سياسية جديدة، بل بين أطراف متنافسة على السيادة على الدولة التاريخية نفسها. لم يُفض هذا التشرذم إلى القضاء على السلطة، بل أعاد توزيعها بين القادرين على الاستيلاء على ما تبقى من الدولة وإعادة تنظيمها».
تناقضات سياسية
كما عّد الباحث بروز المشير خليفة حفتر إلى «واجهة المشهد السياسي أحد أبرز التناقضات السياسية في ليبيا، فلم يكن صعوده مدفوعا بالشرعية الشعبية بقدر ما كان مدفوعا بقدرته على إعادة جمع الهياكل الأمنية المنحلة من عهد القذافي، التي كانت تسعى إلى الحماية والحفاظ على مكانتها في ظل البيئة الأمنية المتدهورة بسرعة».
وقال: «بالنسبة لكثير من المراقبين في ليبيا، يمثل حفتر تقليدا مصطنعا لنظام قائم بالفعل أكثر من كونه عودة لرجل وطني قوي»، مضيفا: «حتى الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس تعكس استمرارية للنظام الذي تدعي أنها تحل محله».
وتابع: «قبل العام 2011، بنى عبدالحميد الدبيبة مسيرته المهنية في قطاع البنية التحتية والتنمية المرتبط بالحكومة الليبية، حيث كان يعمل ضمن النظام الاقتصادي المركزي الذي أنشأه معمر القذافي».
ورأى أيضا أن «الصعود السياسي للدبيبة بعد الثورة يوضح حقيقة أوسع: فبينما انهارت قيادة دولة القذافي، ظلت العديد من الشبكات الإدارية والمالية والتكنوقراطية التي دعمتها متجذرة بعمق في نظام الحكم بالبلاد بعد الثورة».
وبالتالي، يشير الكاتب إلى أن «سلطة حكومة طرابلس تستند إلى حد كبير على التحكم في آليات التوزيع المالي بدلا من السيادة المركزية، فهي تدير شرايين الدولة الاقتصادية، لكنها تجد صعوبة في فرض سلطة سياسية وطنية».
كما يجسد المشهد العسكري في ليبيا، بحسب المقال، أوضح امتداد لهياكل الأمن التي تعود إلى عهد القذافي، حيث استوعبت العديد من الجماعات المسلحة التي ظهرت بعد العام 2011 جنود النظام السابقين، وضباط المخابرات، وشبكات الأمن القبلية التي هُجرت مع انهيار القيادة المركزية. وبدلا من إنشاء مؤسسات أمنية جديدة، أعادت التشكيلات المسلحة تجميع أجزاء من بنية إنفاذ القانون السابقة تحت قيادة محلية.
رمزية دائمة
في ظل هذا المشهد المتشرذم، قال الباحث: «سيف الإسلام القذافي كان الطرف الثالث، فهو لم يمثل السلطة العسكرية كما في المنطقة الشرقية، أو الحكم البيروقراطي كما بالمنطقة الغربية. كما لم يعتمد حضوره السياسي على تشكيلات مسلحة أو شبكات مالية، بل على الشرعية التاريخية».
وأضاف: «كان لاسم القذافي صدى بين القبائل والشبكات الأمنية وشرائح المجتمع التي تتذكر ليبيا كدولة عاملة، وليست ساحة معركة بين سلطات متنافسة. تلك الرمزية جعلت من سيف ليس رمزا تاريخيا فحسب، بل عامل مزعزع يؤثر على الانتخابات في ساحة سياسية متصدعة بالفعل».
وتابع: «الحضور السياسي لسيف القذافي تسبب مرارا في تعقيد المساعي المتكررة لتنظيم انتخابات وطنية، فهو يمثل الشرعية والاستمرارية بالنسبة لمؤيديه، بينما يمثل السلطة القمعية بالنسبة لمعارضيه».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة