أثارت صحيفة «لوموند» الفرنسية تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء اغتيال سيف الإسلام معمر القذافي، متسائلة عمّا إذا كانت العملية بدافع الانتقام الشخصي، أم أنها جزء من مؤامرة أكبر في مشهد ليبي معقد، خصوصاً أنه كان يعيش في عزلة تامة بعيداً عن الأضواء في مناطق جبلية غرب البلاد.
وذكرت الصحيفة أن سيف الإسلام لم يكن، خلال السنوات الأخيرة، سوى «شبح» يلفه الغموض، مقيماً في مدينة الزنتان على سفوح جبل نفوسة، على بعد نحو 160 كيلومتراً جنوب غربي طرابلس، قبل أن تعيده حادثة اغتياله الغامضة، الثلاثاء 3 فبراير، إلى واجهة المشهد. وأشارت إلى أن أربعة مسلحين اقتحموا منزله، ولم يتركوا له أي فرصة للنجاة.
وبحسب «لوموند»، أظهرت صور متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي الليبية جثة مكشوفة ملطخة بالدماء في صندوق شاحنة من نوع «تويوتا»، فيما قُتل أيضاً حارسان كانا يتوليان حمايته في الموقع، وفقاً لمصدر في طرابلس. وأضافت أن منفذي الهجوم اختفوا من دون أثر، لتظل هوياتهم ودوافعهم مجهولة، ما فتح الباب أمام موجة واسعة من التكهنات داخل الشارع الليبي.
وأوضحت الصحيفة أن سيف الإسلام ظل، رغم عزلته في الزنتان، مصدر إزعاج دائم، مشيرة إلى الآثار الجسدية والنفسية الواضحة التي خلفتها السنوات التي أعقبت سقوط نظام والده عام 2011.
وفيما يتعلق بالدوافع المحتملة، رأت «لوموند» أن الحقيقة الأوضح تكمن في أن سيف الإسلام بقي حاضراً في الوعي العام، رغم عمله الدائم على هامش المشهد السياسي وغيابه الميداني. وأكدت أن مجرد بقائه على قيد الحياة كان كافياً لتغذية الحديث عنه بوصفه «أسطورة»، ما عزز لدى أنصاره توقعات بعودة «معجزة» تنقذ ليبيا من الفوضى التي أعقبت أحداث 2011.
ولفتت الصحيفة إلى أن الانتخابات الرئاسية الملغاة شتاء عام 2021 جسدت هذا الواقع بوضوح، إذ أثار ترشيح سيف الإسلام، الذي حظي حينها بنسب تأييد مرتفعة في استطلاعات رأي غير رسمية، ضجة كبيرة داخل الأوساط السياسية، وأسهم في تعقيد المشهد، وصولاً إلى إلغاء الاستحقاق الانتخابي الذي عُدّ محفوفاً بالمخاطر. وبيّنت أن سيف الإسلام ظل شخصية مثيرة للانقسام، بين من رأوا فيه تهديداً لمصالحهم ومناصبهم، ومن لم ينسوا فظائع النظام السابق.
- محامي سيف القذافي: «فرقة كوماندوس من أربعة أفراد» قتلته في منزله بالزنتان
- «وسط الخبر» يناقش: تداعيات مقتل سيف القذافي سياسياً وأمنياً
- شاهد.. «تغطية خاصة» على قناة «الوسط» حول تداعيات مقتل سيف القذافي
وأشارت «لوموند» ضمنياً إلى أن أطرافاً نافذة في شرق البلاد وغربها قد تكون مستفيدة من غيابه، في إشارة إلى المشير خليفة حفتر وأبنائه، إلى جانب حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، في إطار ما وصفته باتفاق هش. واعتبرت الصحيفة أن اختفاء سيف الإسلام «قد يحسم بعض الملفات، من دون أن يضع حداً لسباق النهب الذي يستنزف البلاد».
مسيرة سياسية متقلبة
وُلد سيف الإسلام معمر القذافي في 25 يونيو 1972 داخل مجمع باب العزيزية المحصن، وهو الابن الثاني لزوجة القذافي الثانية صفية فركاش. وبعد تخرجه في الهندسة المعمارية من جامعة طرابلس عام 1995، برز سريعاً بفضل مهاراته في بناء العلاقات، ما أتاح للنظام فتح قنوات اتصال غير رسمية مع الغرب.
وتولت مؤسسة القذافي الدولية للأعمال الخيرية والتنمية، التي ترأسها، دور واجهة للمفاوضات السرية المتعلقة بقضايا قانونية ومالية، أبرزها ملف تفجير طائرة «بان أم» فوق لوكربي عام 1988، وتفجير طائرة الخطوط الجوية الفرنسية «UTA» الرحلة 772 فوق النيجر عام 1989. كما لعب دوراً محورياً في إطلاق سراح الممرضات البلغاريات عام 2007، عقب وساطات سرية مع مبعوثين للرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي.
خرافة الإصلاح
وذكرت الصحيفة أن سيف الإسلام شكّل، لسنوات، الوجه «الودود» لنظام الجماهيرية أمام الغرب، حيث عاش حياة مرفهة في المملكة المتحدة، وحصل عام 2008 على درجة الدكتوراه من كلية لندن للاقتصاد عن أطروحته حول دور المجتمع المدني في دمقرطة الحوكمة العالمية. وكانت مهمته، وفق «لوموند»، طمأنة الغرب في مرحلة سعى فيها نظام والده إلى تحسين صورته والتخلص من تصنيفه دولةً راعية للإرهاب، عبر الترويج لفكرة الإصلاح والتقدم نحو الديمقراطية.
وأضافت أن سيف الإسلام شق طريقه من وراء كواليس النظام في أجواء مشحونة بالخلافات، وفي ظل منافسة حادة مع شقيقه معتصم، وقاد حركة «ليبيا الغد» التي استقطبت تيارات وُصفت بالأكثر اعتدالاً داخل النظام وبعض أطياف المعارضة.
غير أن اندلاع احتجاجات عام 2011، وفق الصحيفة، أطاح بهذه «الخرافة الإصلاحية»، لا سيما بعد خطابه الشهير الذي توعد فيه الثوار بـ«أنهار من الدماء»، ما كشف، بحسبها، حقيقة المشروع الذي دافع عنه طويلاً، وأفضى إلى ملاحقته من قبل المحكمة الجنائية الدولية.
من السجن إلى ورقة تفاوض
وفي نوفمبر 2011، ومع انهيار النظام، حاول سيف الإسلام الفرار إلى النيجر، قبل أن يُقبض عليه في الصحراء الكبرى على يد جماعة مسلحة. وأظهرت صور متداولة آنذاك إصابته بيده، حيث كانت ثلاثة من أصابعه ملفوفة بضمادات جراء قصف سابق لحلف الناتو.
وأوضحت «لوموند» أنه نجا في تلك المرحلة من المصير الذي لقيه والده، إذ فضلت الميليشيات التي احتجزته في الزنتان استخدامه كورقة ضغط في الصراعات الليبية الداخلية المتصاعدة، في ظل تدخلات خارجية متزايدة. ورغم توجيه المحكمة الجنائية الدولية اتهامات له بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، رفضت السلطات الليبية تسليمه، متمسكة بمحاكمته محلياً.
وفي يوليو 2015، صدر بحقه حكم بالإعدام من محكمة خاصة في طرابلس، إلى جانب عدد من مسؤولي النظام السابق، قبل أن يُطلق سراحه لاحقاً بموجب قانون عفو أقره البرلمان، ويُوضع رهن الإقامة الجبرية. وأكدت الصحيفة أن الانقسام السياسي والعسكري بين شرق البلاد وغربها زاد من تعقيد ملفه القضائي، ليظل اسمه حاضراً في قلب الانقسام الليبي حتى لحظة اغتياله الغامضة.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة