أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا نتائج استطلاع عام أجرته أواخر العام الماضي وشارك فيه أكثر من ألف ليبية وليبي، وأصبحت لاحقاً من بين المدخلات التي وضعت على طاولة المتحاورين خلال الشهر الماضي في محاور الحوار «الحوار المُهيكل» الأربعة.
وذكرت البعثة، عبر موقعها الإلكتروني، أن أهم الشواغل التي حدّدها الليبيون في الاستطلاع عُرضت على أعضاء «الحوار المُهيكل» خلال الجلسة العامة الافتتاحية في منتصف ديسمبر الماضي، والتي جرى بثّها على الهواء مباشرة، مؤكدة أن الآراء التي خلص إليها الاستطلاع تتوافق مع القضايا التي اتفقت المحاور على مناقشتها خلال الأشهر القليلة المقبلة. وستكون مخرجات الحوار، وفق البعثة، عبارة عن توصيات عملية حول كل قضية، مشفوعة بآليات عملية لضمان تنفيذها.
من جانبها، قالت المبعوثة الأممية هانا تيتيه إن الليبيين «انخرطوا في هذه العملية بوعيٍ وتفاعلٍ بنّاء»، حيث تُساهم مشاركاتهم في «صياغة حوارٍ قائم على شواغل الناس والواقع الراهن في البلاد»، لافتة إلى مواصلة البعثة توفير الفرص لضمان مشاركة المواطنين، مشجعة الجميع على «استمرار هذه المشاركة لضمان أن تُسفر العملية عن توصيات عملية ذات طابع ليبي، مدعومة بآليات تنفيذ فعّالة».
قضايا الحوكمة ذات الأولوية
كان أول ما اتفق عليه محور الحوكمة، بحسب بيان البعثة، هو إيجاد سبل للتوصل إلى اتفاق سياسي قبل الانتخابات، إذ أيّد معظم المشاركين في الاستطلاع إجراء الانتخابات، حيث أبدى 86% منهم استعدادهم للتصويت في الانتخابات الوطنية، لكن أكثر من 60% أكدوا ضرورة وجود اتفاق مسبق بين جميع الأطراف لقبول نتائج تلك الانتخابات.
وشدّد المشاركون في الاستطلاع على أن الانتخابات التي تُجرى دون اتفاق سياسي ستفتقر إلى المصداقية، وستُعرّض البلاد لخطر تجدّد الصراع، داعين إلى اتفاق مسبق مُلزِم مدعوم بآليات إنفاذ وضمانات دولية.
- مجلة بريطانية: ليبيا أمام جولة جديدة من الترتيبات الانتقالية خلال 2026
- البعثة الأممية: أعضاء المسار الأمني في «الحوار المهيكل» يتوافقون على خطوات أمن الانتخابات واحترام نتائجها
- استئناف مساري الحوكمة والأمن بالحوار المهيكل في طرابلس
ومن أبرز قضايا الحوكمة التي سلّط المشاركون الضوء عليها في الاستطلاع، بواقع 64% من المستجيبين ضرورة توضيح مهام الحكومة التي ستشرف على الانتخابات، وهو ما أُدرج أيضًا في جدول أعمال الحوار المُهيكل. ودعا المشاركون مرارًا إلى تشكيل حكومة تنفيذية موحدة مؤقتة. ولتجنب مراحل انتقالية مطوّلة أو استيلاء على الموارد العامة لصالح من هم في السلطة، أشار 58% من المستطلَعة آراؤهم إلى ضرورة أن تكون الحكومة خاضعة للرقابة وذات تفويض واضح واختيار شفاف وإطار زمني محدد.
وأعرب المشاركون عن قلة ثقتهم بإمكانية نجاح الانتخابات دون دعم دولي، يتمثل في الرقابة والمتابعة والعقوبات وتجميد الأصول والتبعات القانونية لمن يعرقل إجراءها. كما أكدوا أن إجراء الانتخابات في ظل غياب اتفاق سياسي ينذر بخطر إعادة إنتاج الصراع بدلاً من حله. كما صنّف 54% منهم اللامركزية وإصلاح الحكم المحلي كأولوية.
أولويات الاقتصاد
وفي محور الاقتصاد، تشير البعثة الأممية إلى أن المشاركون اتفقوا على إعطاء الأولوية لعدد من القضايا لمناقشتها خلال الحوار المُهيكل، كان أبرزها: توحيد الميزانية العامة، وإصلاح إدارة عائدات النفط، وإيجاد حلول للضغوط المالية التي تُفاقم معاناة الليبيين اليومية، مثل نقص السيولة، وتزايد الدين العام، وتفاقم عجز العملات الأجنبية، وتقلبات أسعار الصرف.
وأشار 72% من المستجيبين في الاستطلاع إلى أن الانقسام السياسي «يؤثر بشدة» على حياتهم اليومية، مع إدراج المخاوف الاقتصادية ضمن أهم ثلاثة مخاوف. وتوافقًا مع ذلك، اعتبر 66% من المشاركين اعتماد ميزانية عامة موحدة وشفافة أولوية رئيسة للإصلاح الاقتصادي. وأشار العديد منهم في إجاباتهم المكتوبة إلى أن غياب الميزانية الموحدة يُعدّ عاملاً أساسيًا في ازدواجية الإنفاق وعدم عدالة تقديم الخدمات.
وفي الوقت نفسه، أعرب 71% عن قلقهم البالغ إزاء الفساد وإساءة استخدام الأموال العامة. وأشار كثيرون بحسب البعثة الأممية إلى غياب الشفافية في تدفقات عائدات النفط واستيلاء الفاعلين السياسيين على الموارد السيادية. ولا يعتقد سوى 22% فقط أن هيئات الرقابة الحالية فعّالة.
قضايا أمنية في الصدارة
وأضافت البعثة أن أعضاء محور الأمن خلال جلستهم الأولى هذا الشهر بدأوا مناقشة أمن الانتخابات الذي حدّده المشاركون في الاستطلاع كأحد الشواغل الرئيسة. وبينما قال 73% إنهم سيصوتون إذا أُجريت الانتخابات غدًا، فقد قالت أغلبية كبيرة إنها لا تشعر بالأمان عند التعبير عن آرائها السياسية، وقال 23% فقط إنهم يشعرون «بأمان تام» عند المشاركة في الأنشطة السياسية. واتفق أعضاء محور الأمن، ضمن خططهم المستقبلية، على مناقشة منع النزاعات ودعم الاستقرار، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وتعزيز حوكمة القطاع الأمني.
وعلى الرغم من أن أكثر من 70% من المشاركين أفادوا بتحسن الوضع الأمني العام خلال العامين الماضيين، فإن الأمن لا يزال من بين أهم ثلاثة عوامل تتأثر بالانقسامات السياسية في جميع أنحاء البلاد. وأشار المشاركون إلى استمرار الربط بين الوضع السياسي غير المستقر والمخاطر والإمكانات المتزايدة للتصعيد والعنف، مما يعزز أهمية إعطاء الأولوية لمناقشات منع النزاعات وتحقيق الاستقرار.
كما أظهرت إجابات المشاركين تفاوتًا ملحوظًا في الشعور بالأمان بين المناطق الليبية المختلفة، ما يجعل الأمن وتوحيد الجيش أولوية منطقية في الحوار المُهيكل. وأشار المشاركون في الاستطلاع إلى أن وجود سلطات موازية وتشظّي السلطة من بين الأسباب الرئيسة لتفاوت الأوضاع الأمنية وعدم اليقين بشأن الجهة المسؤولة عن الحماية.
أولويات المصالحة وحقوق الإنسان
وأضافت البعثة الأممية أن أعضاء محور المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان اتفقوا على تحليل قضايا العدالة الانتقالية، مثل الملاحقات القضائية، وتقصي الحقائق، والتعويضات، والنازحين داخليًا، والمفقودين. كما سيناقش الأعضاء توسيع الفضاء المدني والحريات العامة – مثل حرية التعبير والصحافة والتجمع والاحتجاج السلمي – وتوحيد السلطة القضائية وضمان استقلالها.
وحدّد 81% من المشاركين في الاستطلاع العوائق التي تحول دون تحقيق العدالة كأحد التحديات المهمة التي تواجه البلاد. وربط المشاركون بين انتهاكات حقوق الإنسان السابقة والمظالم التي لم تُحلّ وغياب المساءلة في ظل تزايد الاستقطاب السياسي وانعدام الثقة في مؤسسات الدولة.
وأكد 72% تقلّص مساحة حرية التعبير، حيث أصبحت من أبرز الشواغل في هذا المحور. وأكد المشاركون أن حرية التعبير ضرورية لكشف الفساد ومراقبة السلطات ومحاسبة القادة السياسيين. وأشار كثيرون إلى أن القيود المفروضة على حرية التعبير تُسهم أيضًا في انتشار المعلومات المضللة والشائعات والعزوف عن المشاركة السياسية.
وأعرب 72% من المشاركين عن اعتقادهم بأن المشاركة العامة في الأنشطة المدنية قادرة على التأثير في صنع القرار السياسي، لكنهم أعربوا أيضًا عن قلقهم إزاء القيود المتزايدة على حرية التجمع، بما في ذلك القيود على أنشطة منظمات المجتمع المدني. وأبدى كثيرون مخاوفهم من القمع والترهيب وانعدام الحماية.
كما أبدى المشاركون دعمًا قويًا للإصلاح القضائي، رابطين بين ضعف استقلال القضاء وتدخل الأطراف السياسية والتطبيق الانتقائي للقانون وعدم القدرة على حل النزاعات الانتخابية والدستورية.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة