قيم تقرير نشره مرصد «تشاينا ميد أوبزرفر» النفوذ الصيني في ليبيا، ورأى أن إعادة فتح السفارة الصينية في طرابلس يعكس بالمقام الأول رغبة بكين في مراقبة التطورات عن كثب على الأرض، مع الاحتفاظ بموقف حذر وحياد محسوب بين الفصائل الليبية.
واستبعد التقرير، المعني بتحليل العلاقات الصينية في منطقة الشرق الأوسط وحوض المتوسط، أن تسعى الصين للقيام بدور مباشر في الصراع داخل ليبيا، على الرغم من مشاركة شركات دفاع صينية في المشهد الأمني في ليبيا عبر أطراف وسيطة.
كما أشار إلى «رغبة بكين الحفاظ على شكل من أشكال التعاون مع القيادة العامة في شرق ليبيا»، معتبرا أنها «أكثر تماسكا من حكومة الوحدة الوطنية الموقتة في طرابلس المتصدعة والضعيفة داخليا»، ورجح في الوقت نفسه أن «يمكن التماسك النسبي لقوات القيادة العامة المشير خليفة حفتر من لعب دور رئيسي في حال تحقق اتفاق لتقاسم السلطة الذي طال انتظاره».
نهج صيني حذر في ليبيا
وقارن التقرير، المنشور اليوم الإثنين، بين التجربة الصينية في سورية وليبيا وقال إن تجربة بكين لتوسيع نطاق نفوذها في سورية يعكس النهج الحذر الذي تتبعه، مضيفا: «دعم الصين القوي لحكومة بشار الأسد أبعدها عن أي ترتيبات أو اتصالات مع السلطات الجديدة التي أعقبت سقوط نظام الأسد مما يقوض مصالحها، لاسيما فيما يتعلق بالمقاتلين الإيغور داخل سورية».
- تقرير إيطالي: لهذه الأسباب تحرص الصين على العودة إلى ليبيا
- مركز تركي: هكذا تخطط الصين لزيادة استثماراتها في ليبيا وتوسيع نفوذها الإقليمي
- مندوب الصين: مستعدون للعمل مع الأسرة الدولية لتحقيق الازدهار في ليبيا
وبالتالي، رأى أن «أي اتصال صيني مع قوات القيادة العامة سيكون بمثابة ضمانة وليس انحيازا أو تحولا، وكوسيلة للبقاء دون التورط في أي صراعات داخلية».
وتابع: «في حين تظل ليبيا مكتظة بالجهات الفاعلة الخارجية، كما هو الحال في سورية، فإن الخيار الأكثر منطقية أمام بكين للبقاء حاضرة داخل ليبيا هو الإبقاء على جميع خياراتها مفتوحة».
إلى ذلك، قال رئيس قسم الأبحاث في مشروع «تشاينا ميد»، أندريا غيسيللي: «إعادة فتح السفارة الصينية في طرابلس قد يكون مرتبطا بخطط بكين لاستئناف بعثتها الدبلوماسية في سورية. وقد تشير إلى مسعى من جانب الصين لإعادة قدر من الوضع الطبيعي إلى ملفين تاريخيين في حوض المتوسط، أو محاولة من بكين لتوسيع نطاق مناورتها الدبلوماسية في المنطقة».
تقييم النهج الصيني في ليبيا
وقيم التقرير النهج الصيني في ليبيا، ورأى أن الهدف الأول منه هو التواجد وتحييد العلاقات مع جميع الأطراف ليس أكثر، مستعبدا أن تتدخل بكين بشكل مباشر أو أعمق في صراعات السلطة القائمة بين الأطراف في ليبيا.
وقال موضحا: «كما هو الحال مع سورية، فإن الانخراط الدبلوماسي لا يعكس التزاما سياسيا، أو استعدادا للتورط بشكل مباشر في الصراع. يبدو أن التطورات الأخيرة في سورية تشكل نهج بكين تجاه ليبيا وتعزز تفضيلها للحذر والتوازن والحياد».
وعزا ذلك إلى «شدة الانقسام الذي تعاني منه ليبيا أكثر من أي وقت مضى. كما أن البلاد باتت مكتظة بعديد من الجهات الفاعلة الخارجية أكثر من سورية. وفي ظل تلك البيئة، ستلجأ بكين على الأرض إلى إبقاء خياراتها مفتوحة وحاضرة لكن من دون التزام مباشر».
وحافظت الصين إلى حد كبير بموقف حيادي من الصراع في ليبيا منذ العام 2011، مع الدعوة إلى حلول سياسية للحفاظ على سيادة البلاد ووحدة أراضيها وانتقاد التدخل الخارجي. ورأى محللون أن بكين قد انحازت سابقا إلى الحكومة المعترف بها في طرابلس، وبعضهم أشار إلى مصالح اقتصادية تقود التوجه الصيني في ليبيا.
من جانبه، ربط الباحث في الشؤون الليبية، جلال حرشاوي، بين النهج الصيني في ليبيا واعتبارات اقتصادية، مشيرا إلى سلطة الحكومة في طرابلس على مصرف ليبيا المركزي، مما يمنحها السلطة الحصرية على العقود والتمويل وتخصيص رؤوس الأموال.
بدورها، سعت الحكومات المتعاقبة في طرابلس إلى جذب الاستثمارات الصينية، من خلال الانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق في العام 2018، وتسويق ليبيا كونها وجهة لرؤوس الأموال الصينية في مشاريع تشمل الطاقة والبنية التحتية والاتصالات وغيرها. واستمر هذا النهج مع «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة». ففي العام 2024، حث عبدالحميد الدبيبة الشركات الصينية على استئناف مشاريعها المتوقفة في ليبيا.
وفيما اتسم رد الصين بالحذر إلا أنه كان جديرا بالملاحظة، بحسب التقرير، فقد نما حجم التجارة الثنائية خلال السنوات القليلة الماضية، ووقعت شركات صينية اتفاقيات لإعادة تشغيل مشاريع البنية التحتية المتوقفة. وتجسد مذكرة التفاهم الموقعة في نوفمبر 2023 بين منطقة مصراتة الحرة وميناء الصين الاهتمام الصيني المتزايد بالاستثمار في الأراضي الخاضعة لسيطرة حكومة الدبيبة.
حدود العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية
غير أن التقرير الصيني رأى أن العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين الصين وطرابلس محدودة. فعلى الرغم من توقيع شراكة استراتيجية بين الجانبين خلال زيارة أجراها رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، إلى الصين، لم يجر ترجمة تلك الشراكة إلى دعم أمني ملموس.
وأضاف أن «هذا التحفظ يعكس تردد الصين في المستنقع الأمني في ليبيا، ورغبتها في الحفاظ على خياراتها في شرق البلاد. فقد حافظت بكين على قنوات اتصال مفتوحة مع حفتر، إدراكا منها بأن جزءًا كبيرًا من البنية التحتية النفطية يقع ضمن الأراضي الخاضعة لسيطرة القيادة العامة».
وقال حرشاوي إن «بكين رفضت طلبات من طرابلس بالمساعدة في رفع حظر السلاح المفروض من الأمم المتحدة على ليبيا، أو المساعدة في الوصول إلى الأصول الليبية المجمدة في الخارج».
تعقد شبكات الدعم الخارجية في ليبيا
في سياق متصل، استعرض التقرير الصيني «كيف تتورط ليبيا في شبكة معقدة من المصالح والولاءات الإقليمية، التي تشمل أطرافا إقليمية أبرزها تركيا والمملكة العربية السعودية والإمارات ومصر».
وقال إن الخلاف بين السعودية والإمارات، الذي بدا واضحا في اليمن والسودان والصومال، انعكس على ليبيا. فلا تزال الإمارات أحد الداعمين الرئيسيين للمشير حفتر، الذي يعد حلقة وصل حيوية مع قوات الدعم السريع في السودان، التي تخوض حربا ضد الجيش السوداني المدعوم من مصر والسعودية وتركيا.
ومع تزايد نفوذ الإمارات، كثفت القاهرة والرياض وأنقرة تنسيق مواقفها بشأن الملفات الإقليمية، مما قد يؤثر بالتبعية على الشبكة الداعمة لحفتر، إذا تقاربت مصر والسعودية من تركيا، الداعم العسكري الأقوى لطرابلس. كما أن التطورات في سورية واليمن تظهر إلى أي مدى يمكن لحفتر الاعتماد على روسيا أو الإمارات.
ومما يزيد من تعقيد الوضع، تحتفظ ليبيا بأهمية استراتيجية بالنسبة إلى إيطاليا وفرنسا واليونان فيما يتصل بتدفقات الهجرة غير القانونية وأمن الطاقة. ومع ذلك، فإن التدخل الأوروبي لم يكن مفيدا على الإطلاق، إذ قوضت الأجندات المتنافسة لروما وباريس الاستراتيجية الأوروبية الموحدة في ليبيا.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة