أصدرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا الليبية حكمًا قضائيًا يقضي بإبطال القانون رقم (22) لسنة 2023 والقانون رقم (32) لسنة 2023، اللذين أُقرّا لتعديل أحكام قانون نظام القضاء، بما في ذلك آليات تشكيل المجلس الأعلى للقضاء وصلاحيات تعيين رئيسه من قبل مجلس النواب.
وينص القانون رقم (22) لسنة 2023 على استبدال المادة الأولى من قانون نظام القضاء، مانحًا مجلس النواب حق تعيين رئيس المجلس الأعلى للقضاء بقرار منه، مع جعل النائب العام نائبًا للرئيس، وتضمين تعديلات على تركيبة المجلس تشمل ممثلين عن الهيئات القضائية المختلفة عن طريق الانتخاب.
بينما فرض القانون رقم (32) لسنة 2023 أداء رئيس المجلس المعين من البرلمان اليمين القانونية أمام رئاسة مجلس النواب، على أن يؤدي باقي الأعضاء اليمين أمام رئيس المجلس، كما تضمن تنظيم نقل أعضاء الهيئات القضائية وآلية تشكيل المجلس.
وبموجب حكم الدائرة الدستورية، يعود الوضع القانوني للمجلس الأعلى للقضاء إلى ما كان عليه قبل صدور هذه التعديلات، وهو ما يعني سقوط الأساس الدستوري لتشكيل المجلس الحالي وفقدانه للصفة القانونية المستمدة من هذه القوانين، وهو ما يستوجب إعادة تشكيل المجلس وفق النصوص القانونية السابقة، بحسب المستشار القانوني أسامة أبوناجي.
ويعتبر هذا الحكم خطوة مهمة في إعادة رسم السلطة القضائية في ليبيا، إذ يعزز استقلال القضاء ويحد من تدخل السلطة التشريعية في شؤون المجلس الأعلى للقضاء، مؤكدًا على ضرورة الالتزام بالقواعد الدستورية لضمان استقرار المؤسسات القضائية.
هذا وصدر الحكم في جلسة علنية صباح يوم الخميس 13 جمادى الآخرة 1447هـ الموافق 4 ديسمبر 2025م بمقر المحكمة العليا في طرابلس، برئاسة المستشار عبد الله محمد أبورزيزة، رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين:
نصر الدين محمد العاقل، بنور عاشور الصول، علي أحمد النعاس، د. موسى الشتيوي النايض، امحمد عبد السلام الصفراني، عبد السميع محمد البحري، محمد أحمد الخير امبارك، سالم الأمين بلقاسم، عاشور نصر الرزيقي، محمود محمد الصيد الشريف، شعبان ميلاد الحبيشي، يوسف المرتضى محمد، عبد القادر عبد السلام المنساز، عبد الباسط مفتاح الأشعل، علي محمد أبوراس، د. عياد علي دربال.
وحضر عضو نيابة النقض الأستاذ مصباح نصر الجدي، ومسجل الدائرة الصادق ميلاد الخويلدي.
وأقام الطاعن الطعن الدستوري بصحيفة موقعة من محاميه، متضمنًا طلب الحكم بعدم دستورية الاتفاق السياسي الليبي لعام 2015، واعتباره مشروع تعديل دستوري لا يمتثل للإعلان الدستوري لعام 2011، وإلغاء ما ترتب عليه من آثار، وإلزام المطعون ضدهم المصاريف.
كما تضمنت الإجراءات إيداع مذكرة أسباب الطعن، واستماع المحكمة للمرافعة الشفوية ورأي نيابة النقض، ثم حجزت المحكمة الطعن للحكم.
وبيّن الحكم أن المادة 3/51 من قانون المحكمة العليا تحيل قواعد وإجراءات الطعون الدستورية إلى اللائحة الداخلية للمحكمة، والتي لم تشترط عرض الطعن الدستوري على دائرة فحص الطعون قبل ورود الطعن إلى الدائرة الدستورية، بينما يُطبق ذلك على المواد الإدارية والمدنية والجنائية وأحوال الشخصية فقط، وهو ما يجعل الطعن الماثل قابلًا للفصل فيه.
هذا ويرجع هذا الحكم إلى الطبيعة القانونية للاتفاق السياسي الليبي الموقع في 17 ديسمبر 2015 بمدينة الصخيرات المغربية، والذي نظّم مؤسسات الحكم في ليبيا خلال المرحلة الانتقالية بعد 2011، وأسس لأجسام تنفيذية وتشريعية لتنظيم العملية الانتقالية وتجاوز النزاعات السياسية التي أعاقت استقرار الدولة.
وينقسم الاتفاق إلى شقين: الأول يتضمن ديباجة تاريخية وسياقية للمرحلة الانتقالية، والثاني ينظم مؤسسات الحكم وشكل الحكومة وبناء الأجسام الدستورية وتحديد اختصاصاتها وعلاقاتها، بما يعكس ممارسة عملية من قبل السلطات القائمة والناشئة لتطبيق قواعد توافقية دستورية مكملة للإعلان الدستوري، لتفادي الانزلاق إلى الفوضى وضمان وحدة الدولة.
ويؤكد الحكم على أن الرقابة الدستورية للمحكمة العليا مقصورة على الأعمال التشريعية الصادرة عن سلطة التشريع، في حين لا يندرج الاتفاق السياسي الليبي ضمن هذه الأعمال، وهو ما جعل الطعن بشأنه غير قابل للفصل، بينما يتعين التعامل مع تعديل القوانين القضائية وفق النصوص القانونية المعمول بها قبل صدور التعديلات الملغاة.
يذكر أنه تأسس المجلس الأعلى للقضاء في ليبيا لضمان استقلال القضاء وإدارة السلطة القضائية بنزاهة وشفافية. ومنذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي، شهدت البلاد تعديلات متكررة على القوانين المنظمة للمجلس، في إطار محاولات السلطة التشريعية للسيطرة على تشكيلاته، وهو ما أدى إلى جدل واسع حول دستورية هذه التعديلات وأثرها على استقلال القضاء.
المصدر:
عين ليبيا