في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تحولت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إلى نقطة صراع جديدة بين مجلسي النواب والدولة، ما يجعل ترتيب مسار جاد نحو الاستحقاق الانتخابي في ليبيا أمرًا صعب المنال، في ظل تبادل الاتهامات بشأن الشرعية والاختصاص، وتحذيرات من تسييس المفوضية وتقويض حيادها.
وفي مداخلات مع برنامج «وسط الخبر» المذاع على قناة الوسط «WTV»، تباينت قراءات الفاعلين السياسيين والخبراء حول بواعث هذه الأزمة وتداعياتها، وسط مخاوف متزايدة من أن يتحول الخلاف إلى عائق جديد يطيل أمد الانسداد السياسي ويؤجل حلم الليبيين في انتخابات تنهي سنوات من الانقسام وعدم الاستقرار.
صراع مجلسي النواب والدولة على الشرعية
وقال المحلل السياسي إسلام الحاجي إن الخلاف القائم بين مجلس النواب ومجلس الدولة لا يتعلق بتفسيرات قانونية أو نصوص دستورية، بقدر ما يعكس صراعًا سياسيًا واضحًا على من يمتلك «مفتاح الشرعية» قبل أي استحقاق انتخابي محتمل.
وأوضح الحاجي أن متابعة المشهد الليبي خلال السنوات الماضية لا تعطي أي مؤشر على وجود نية حقيقية لدى أي من الطرفين للذهاب إلى الانتخابات، معتبرًا أن المجلسين باتا يديران حالة تعطيل متبادل؛ حيث يعرقل كل طرف المسار من جهته، في إطار تفاهم غير معلن على إطالة أمد الأزمة.
وأشار إلى أن محاولات تحميل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات مسؤولية التعطيل «غير دقيقة»، مؤكدًا أن المفوضية هيئة فنية أثبتت قدرتها في محطات انتخابية سابقة، سواء في الانتخابات البلدية أو في الاستعداد لانتخابات 2021 التي كانت البلاد قاب قوسين أو أدنى من إجرائها، قبل أن يجري إيقافها بقرارات وضغوط دولية التزمت بها جميع الأطراف السياسية.
البعثة الأممية اكتفت بإدارة الأزمة
واعتبر الحاجي أن جوهر الأزمة لا يكمن في القوانين أو الإجراءات؛ بل في القوى الضاغطة والمتحكمة في القرار السياسي الليبي، لافتًا إلى أن بعثة الأمم المتحدة اكتفت بإدارة الأزمة بدل الدفع نحو حل فعلي، من خلال الاستمرار في الدعوة إلى «مزيد من التوافق» دون ممارسة ضغط حقيقي، ما جعل تعطيل الانتخابات خيارًا أقل كلفة دوليًا من المضي في عملية انتخابية قد تفرز نتائج غير مرغوبة لبعض الأطراف.
وأضاف أن ليبيا لا تعاني أزمة قانونية بقدر ما تعيش حالة انهيار مؤسسي شامل، في ظل انقسام المؤسسات التشريعية والتنفيذية والعسكرية والأمنية، وغياب دستور دائم، ما يجعل الحديث عن خلافات قانونية أو دستورية «توصيفًا مضللًا للواقع».
وأكد أن المجتمع الدولي، إلى جانب الأطراف المحلية، يتحمل مسؤولية استمرار هذا الوضع، مشددًا على أنه لا يمكن الحديث عن انتخابات حقيقية ما لم يجر توحيد المؤسسات، والتوافق على إطار قانوني جامع، وتشكيل حكومة محدودة الصلاحيات تقود البلاد حصريًا نحو الاستحقاق الانتخابي.
ونبه الحاجي إلى أن استمرار تعطيل المسار السياسي والانتخابي يهدد بدفع ليبيا نحو مزيد من الانهيار، محذرًا من أن البلاد قد تواجه مخاطر اقتصادية وسياسية أعمق إذا استمر هذا النهج.
المجلسان «أكبر عائق» أمام أي حل سياسي في ليبيا
فيما اعتبر المحلل السياسي سعد الدينالي أن الجدل القائم بين المجلسين حول المفوضية لا يعكس حرصًا حقيقيًا على نزاهة العملية الانتخابية، بقدر ما يمثل جزءًا من صراع سياسي يهدف إلى تعميق الأزمة وإطالة أمدها.
وأوضح الدينالي أن أي مساس بالمفوضية أو استمرار الخلاف حولها من شأنه أن يضرب مصداقية أي عملية انتخابية مقبلة، ويفتح الباب واسعًا أمام الطعون والتشكيك في النتائج، مؤكدًا أن ما يجري حاليًا هو «تبادل أدوار» بين المجلسين لإبقاء حالة الانقسام قائمة.
وأشار إلى أن مجلسي النواب والدولة أصبحا منفصلين تمامًا عن الواقع المعيشي والسياسي الذي يمر به المواطن الليبي، موضحًا أن الشارع الليبي كان يعوّل على هذه الأجسام، بوصفها حاصلة على شرعية سياسية، لدفع البلاد نحو حلول تنهي الانسداد، إلا أنها تحولت - بحسب تعبيره - إلى أدوات لصناعة الأزمات بدل حلها.
تجاهل تفاهمات بوزنيقة والصخيرات
وأضاف الدينالي أن المجلسين ضربا عرض الحائط بكل التفاهمات التي توصلا إليها سابقًا، سواء في بوزنيقة أو الصخيرات، مشيرًا إلى أن كل طرف بات يتفنن في البحث عن الثغرات لتعطيل الطرف الآخر، ما جعل وجودهما «أكبر مشكلة تواجه أي مسار سياسي جاد في ليبيا».
وحول موقف المجتمع الدولي، قال الدينالي إن بعثة الأمم المتحدة باتت على قناعة تامة بأن جوهر الأزمة الليبية يكمن في استمرار هذين الجسمين، موضحًا أن البعثة حاولت في مراحل سابقة تجاوزهما ثم أعادت منحهما فرصًا إضافية للتوافق، دون نتائج تُذكر.
وأكد أن لا الداخل الليبي ولا الخارج الدولي يمكن أن يمنح شرعية لانتخابات تُجرى في ظل غياب التوافق، محذرًا من أن أي عملية انتخابية ناقصة ستُرفض نتائجها من الأطراف غير المشاركة، ما يعيد البلاد إلى مربع الصراع، مشيرًا إلى أن أخطر السيناريوهات المحتملة يتمثل في الوصول إلى مستويات غير مسبوقة من الانقسام، لافتًا إلى تحذيرات صدرت أخيرًا من مسؤولين رسميين بشأن مخاطر قد تصل إلى تهديد وحدة الدولة.
وأكد الدينالي أن المسؤولية السياسية الكاملة عن الانسداد الحالي وتداعياته المستقبلية تقع على عاتق مجلسي النواب والدولة، مشددًا على أن استمرار وجودهما بالشكل الحالي يجعل أي حل سياسي «شبه مستحيل» في الأفق المنظور.
أي تغيير أحادي في المفوضية مخالف للإعلان الدستوري والاتفاق السياسي
فيما لفت أستاذ القانون والباحث السياسي الدكتور رمضان تويجر إلى وجود قواعد دستورية واضحة يمكن الاسترشاد بها في الحكم على الجدل القائم حول تعيين أو تغيير مجلس المفوضية، شارحًا أن الأمر لا يمكن فصله عن نصوص الاتفاق السياسي الليبي المُدمج في الإعلان الدستوري.
وأوضح تويجر أن المادة (15) من الاتفاق السياسي تعد المرجعية الأساسية في ما يتعلق بشاغلي المناصب السيادية، ومن ضمنهم رئيس وأعضاء المفوضية، مشددًا على أن هذه المادة تشترط التوافق بين مجلسي النواب والدولة، ولا تمنح أي طرف حق الانفراد بالقرار.
- أحمد لنقي: البعثة الأممية تتجاوز اختصاصاتها بشأن انتخاب مجلس الدولة رئيسا لمفوضية الانتخابات
- البعثة الأممية: انخراط «النواب» و«الدولة» في مسار تصعيد متبادل ينذر بفصل جديد من الانقسام
- «مفوضية الانتخابات»: لسنا مسؤولين عن عرقلة الاستفتاء على مشروع الدستور.. وهذه هي الحقيقة
- مجلس الدولة: انتخاب صلاح الكميشي رئيسًا للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات
- عقيلة صالح: تكالة يعرقل المسار الانتخابي ولا حاجة لتغيير رئيس «المفوضية»
وبيّن أن الاتفاق السياسي اشترط، في ما يخص مجلس النواب، موافقة ثلثي الأعضاء على تعيين أو إعفاء شاغلي هذه المناصب، بينما نص الملحق الثالث عشر للاتفاق على ضرورة موافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس الأعلى للدولة، مؤكدًا أن هذه الشروط لم تتحقق حتى الآن، ما يجعل أي إجراء أحادي خارج هذا الإطار «مخالفًا لصريح الإعلان الدستوري ولا يُعتد به قانونيًا».
وأشار إلى أن الصراع الحالي لا يعكس خلافًا قانونيًا بقدر ما هو صراع سياسي بين الأطراف الليبية، معتبرًا أن النظام السياسي «الهجين» الذي أفرزه الاتفاق السياسي، والقائم على تقاسم أفقي للصلاحيات بين الأجسام التشريعية والتنفيذية، أثبت فشله في إدارة الدولة وتوحيد مؤسساتها.
الأولى التوافق على القوانين الانتخابية أو الاستفتاء على الدستور
وأضاف تويجر أن ليبيا انتقلت من الخلاف حول التشريعات الانتخابية والدستورية إلى استهداف إحدى أهم مؤسسات الدولة، وهي المفوضية، معتبرًا أن هذا المسار «ليس في محله»، وأن الأولى هو التوافق على القوانين الانتخابية أو الذهاب إلى استفتاء دستوري، ثم ترك مسألة المفوضية للسلطة التشريعية المنتخبة لاحقًا.
وشدد تويجر على ضرورة العودة العاجلة للمسار الانتخابي وإنهاء حالة الانقسام، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي سيقود إلى نتائج كارثية على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، في ظل تفكك المؤسسات وتعدد الحكومات وغياب القرار الموحد.
وأردف أن إنهاء الأجسام المنبثقة عن الاتفاق السياسي والعودة إلى الشعب عبر انتخابات حرة هو السبيل الوحيد لإنقاذ الدولة الليبية ومنع «الموت البطيء» الذي يهددها.
امغيب يتهم مجلس الدولة بعرقلة مسار الانتخابات
في حين، دافع عضو مجلس النواب سعيد امغيب عن خطوة البرلمان باستكمال مجلس المفوضية، مؤكدًا أن الإجراء يستند إلى قانون إنشاء المفوضية، ولا يُعد خرقًا للشرعية كما يروج المجلس الأعلى للدولة.
وقال امغيب إن مجلس النواب التزم باتفاق بوزنيقة في ما يتعلق بالمناصب السيادية، إلا أن مجلس الدولة «لم يكن جادًا في الذهاب إلى انتخابات» - حسب وصفه - وظل الطرف الأكثر اعتراضًا على إجرائها، مضيفًا أن مجلس الدولة يسعى إلى تعطيل الاستحقاق الانتخابي عبر توسيع الخلافات القانونية والسياسية.
وأوضح أن البرلمان «على الرغم من عدم حصول بعض المناطق على نصيبها من المناصب السيادية»، اختار تغليب المصلحة الوطنية ودعم بقاء المفوضية واستكمال شغورها، بهدف تمكين الليبيين من الوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية تُنهي حالة الانقسام.
انتخاب رئيس جديد للمفوضية «غير قانوني»
وحول انتخاب مجلس الدولة لرئيس جديد للمفوضية، اعتبر امغيب أن هذا الإجراء «غير قانوني وغير شرعي»، لأنه لم يجر وفق الآلية المتفق عليها، مؤكدًا أن مجلس الدولة تجاوز صلاحياته وحاول فرض نفسه كسلطة تشريعية بديلة، في مخالفة صريحة للاتفاق السياسي.
وأشار إلى أن مجلس النواب أبدى مرارًا استعداده للحوار والتفاهم، بما في ذلك إعادة فتح ملف المناصب السيادية بالكامل، شريطة الالتزام بالتوازن وعدم احتكار القرار، لكنه اتهم مجلس الدولة بمحاولة قلب الموازين وفرض واقع سياسي جديد.
وفي ما يتعلق بموقف بعثة الأمم المتحدة، قال امغيب إن الشعب الليبي بات يدرك من يعرقل الانتخابات، معتبرًا أن البعثة، في حال انحازت لمواقف مجلس الدولة أو اكتفت بإدارة الأزمة بدل حلها، فإنها تساهم في إطالة أمد الانقسام، على حد تعبيره.
وأضاف أن مجلس النواب قام بما هو مطلوب منه ويمارس اختصاصاته وفق القانون، محذرًا من أن فرض أي تسوية لا تراعي توزيع المناصب السيادية بعدالة سيُقابل بالرفض، مؤكدًا أن الحل يكمن في احترام اختصاصات كل جسم سياسي، والذهاب إلى انتخابات شاملة، واعتبر أن استمرار الخلاف حول المفوضية لن يخدم سوى بقاء الوضع القائم وتعميق الأزمة السياسية في البلاد.
سعيد أنيس يحذر من تقويض التوافق
فيما اعتبر عضو المجلس الأعلى للدولة سعيد أنيس أن الإجراءات الأخيرة التي اتخذها المجلسين بشأن المفوضية تمثل «خطوة سياسية أكثر منها قانونية»، وجاءت في توقيت بالغ الحساسية، بما يشكل، على حد تعبيره، «مسمارًا جديدًا في نعش التوافق الوطني».
وأوضح أنيس أن هذه الخطوات جاءت بعد تجاوز المهلة الزمنية التي حددتها بعثة الأمم المتحدة، مشيرًا إلى أن التعجل في اتخاذ إجراءات أحادية لا يخدم المصلحة السياسية ولا الوطنية، بل يزيد من تعقيد المشهد ويعمّق حالة الانقسام.
وقال إن إدخال المفوضية في الصراع السياسي أفقدها حيادها، وفتح الباب أمام تسييس مؤسسة يفترض أن تكون مستقلة ومحايدة، معتبرًا أن ما جرى أضر بمصداقية العملية الانتخابية قبل انطلاقها. وأضاف أن أي عملية انتخابية حقيقية لا يمكن أن تُبنى على إجراءات أحادية، بل على توافق سياسي شامل يعيد الثقة في المؤسسات المنظمة للانتخابات.
إعادة بناء المفوضية باتت ضرورة
وأكد أنيس أن إعادة بناء المفوضية باتت ضرورة، لكن ضمن مسار توافقي واضح، يضمن مشاركة جميع الأطراف وفق الأطر المتفق عليها، بعيدًا عن فرض الأمر الواقع، مشددًا على أن التوافق ليس خيارًا ثانويًا؛ بل شرطًا أساسيًا لإنجاح أي مسار انتخابي مقبل.
وحول إمكانية العودة إلى التوافق بعد الخطوات الأخيرة، أشار إلى أن ذلك لا يزال ممكنًا، إذا استُكملت الإجراءات المطلوبة من جميع الأطراف، وجرى فتح الباب مجددًا أمام التنسيق بين مجلسي النواب والدولة، بما يفضي إلى تشكيل مجلس مفوضية جديد يحظى بقبول سياسي واسع.
ونبه أنيس إلى أن استمرار النهج الحالي سيؤدي إلى مزيد من الإرباك، داعيًا إلى تحكيم منطق الشراكة والتوافق، باعتبارهما السبيل الوحيد لضمان انتخابات نزيهة ومقبولة داخليًا ودوليًا.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة