شيئا فشيئا، يتراجع مرفأ صيدا خلف الباخرة، وتصغر المباني على الشاطئ، بينما تنفتح أمام الركاب صفحة زرقاء تمتد حتى الأفق. لا شارع مزدحما تحت العجلات، ولا إشارات مرور تقطع الطريق؛ فقط هدير المحرك، وحركة الموج، وساحل لبنان وهو ينسحب ببطء إلى الخلف.

على سطح الباخرة السياحية "سيدار ويفز" (Cedar Waves)، تتوزع الأحاديث بين الركاب، فيما تتجه العيون إلى اليابسة التي يعرفونها جيدا، لكنهم يرونها هذه المرة من جهة أخرى.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 “بالعود وحده”.. مارسيل خليفة يستعيد ذاكرته مع محمود درويش
* list 2 of 2 من النقل إلى التدفئة.. ارتفاع أسعار المحروقات يوسع أعباء المعيشة في لبنان end of list

من هنا تبدأ رحلة نهاية أسبوع مختلفة، تنطلق من صيدا، وتتوقف في الزيتونة باي ببيروت، ثم تواصل شمالا إلى البترون وجونية، قبل أن تعود مساء إلى نقطة الانطلاق.

أربع مدن في رحلة بحرية واحدة

أربع محطات ساحلية في يوم واحد، لكن المسافة بينها ليست مجرد زمن للعبور؛ فالإبحار نفسه يتحول إلى جزء من التجربة، فيما تتبدل صورة الساحل أمام الركاب مع كل ميل بحري.

في الزيتونة باي، تراقب هيفاء الساحل من سطح الباخرة، مستمتعة بصورة مختلفة للبنان الذي تعرفه. هذه المرة لا يأتي البحر من خلفها أو أمامها، بل تقف في قلبه، فيما تتراجع المدينة خلفها وتظهر معالمها من زاوية جديدة.

وتختصر تجربتها بالقول: "نحن معتادون على رؤية البحر من الجبل لكن هذه المرة يمكننا أن نرى الجبل من البحر".

ومع مواصلة الإبحار شمالا، تتبدل الواجهات أمام الركاب واحدة تلو الأخرى، فتتحول المسافة بين المدن إلى مشهد متحرك لا ينقطع.

مايا، التي تخوض الرحلة للمرة الأولى، ترى في المسار فرصة للجمع بين أكثر من وجهة خلال يوم واحد، من دون أن تستهلك الطرق البرية الجزء الأكبر من الوقت.

أما يارا عودة، فترى في التجربة مساحة تجمع مدنا ساحلية مختلفة في مسار واحد، تتداخل فيه الطبيعة والواجهات البحرية والمعالم التراثية مع متعة الإبحار.

وهكذا تصبح المدن الأربع محطات في رحلة واحدة، فيما يتحول البحر من فراغ يفصل بينها إلى مساحة تصلها ببعضها، ويصبح الطريق نفسه جزءا من التجربة السياحية.

من رحلة إلى مشروع

وراء هذه الرحلات مشروع بدأ قبل أشهر تحت اسم "سيدار ويفز" (Cedar Waves)، بهدف إعادة تقديم البحر بوصفه جزءا من السياحة الداخلية اللبنانية، وليس مجرد خلفية للمشهد الساحلي.

إعلان

هنا أبو مرعي، إحدى منظّمات المشروع، تنظر إلى الرحلات التي نُظمت خلال الموسم باعتبارها حلقات متصلة، يفتح نجاح كل منها الطريق أمام محطة جديدة.

وتروي للجزيرة نت أن الفكرة بدأت برحلات خارجية إلى وجهات قريبة مثل تركيا وسوريا، قبل أن تنتقل إلى الساحل اللبناني، بمسارات ربطت بيروت بالبترون وجونية وجبيل، وصولا إلى خط جونية – صيدا.

وكانت الرحلة بين جونية وصيدا في سبتمبر/أيلول إحدى أبرز محطات هذا المسار، بعدما وصلت الباخرة إلى مرفأ صيدا وعلى متنها نحو 280 شخصا، في رحلة وصفها منظموها بأنها الأولى من نوعها بين المدينتين منذ نحو ثلاثة عقود.

ومن هذه التجارب، بدأت تتبلور رؤية أوسع لإنشاء خط بحري سياحي يمتد على طول الساحل اللبناني، من طرابلس شمالا إلى صور والناقورة جنوبا، متى سمحت الظروف بذلك.

وتقول أبو مرعي إن الرحلات داخل لبنان لاقت إقبالا كبيرا، وإن التجربة أظهرت إمكانية تحويل الساحل إلى جزء من حركة سياحية منتظمة، لا مجرد واجهة تُرى من البر.

مصدر الصورة الساحل اللبناني يجمع مدنا مختلفة الطابع (الجزيرة)

ولا تتوقف الفكرة عند تنظيم رحلات متفرقة خلال الموسم، بل تسعى، وفق أبو مرعي، إلى جعل الرحلة البحرية نشاطا مألوفا في حياة الناس.

وتقول: "نريد أن نعتاد على فكرة أن الرحلات البحرية ليست أمرا استثنائيا أو نادرا، بل أن تصبح نشاطا يوميا ومتاحا للجميع، وهذا هو هدفنا الأساسي".

ولهذا روعي في تسعير الرحلات أن تكون في متناول شرائح مختلفة، سواء في الخطوط المحلية أو الرحلات الخارجية، مع مراعاة الفئات العمرية المتنوعة، حتى لا تبقى التجربة مرتبطة بمناسبة استثنائية أو بقدرة مالية محددة.

وفي النهاية، تختصر أبو مرعي الفكرة في إعادة وصل المدن اللبنانية من البحر، لا بوصفه مجرد طريق بين نقطتين، بل مساحة للترفيه واكتشاف المدن: "يجب أن تكون مناطق لبنان مرتبطة ببعضها بعضا بطريقة مريحة، وعن طريق البحر، لأنه لا يوجد أجمل من البحر".

من جانبه، يرى مرعي أبو مرعي، صاحب الباخرة، أن المشروع يهدف إلى تعريف اللبنانيين ببلدهم من البحر وإعادة الساحل إلى خريطة السياحة الداخلية. وما فاجأ القائمين عليه، وفق روايته، كان حجم التفاعل والإقبال على الرحلات المحلية، وهو ما شجعهم على توسيع نطاق التجربة.

ويأمل أبو مرعي أن تمتد الرحلات في الموسم المقبل إلى الناقورة وصور وطرابلس، لتغطي الساحل اللبناني من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، متى سمحت الظروف بذلك.

البحر وسيلة نقل

لكن نجاح الرحلة كتجربة سياحية يفتح سؤالا أوسع: هل يستطيع البحر أن يؤدي وظيفة تتجاوز الترفيه، ليصبح جزءا من شبكة النقل بين المدن الساحلية؟

على متن الباخرة، يرى الضابط الأول رفيق حسون أن الفكرة قابلة للتوسع في هذا الاتجاه. فربط المدن الساحلية بحرا قد يخفف الضغط عن الطرق ويقلص زمن التنقل، ولا سيما في بلد تشهد طرقه الرئيسية ازدحاما خلال فترات الذروة.

غير أن النموذج المطروح حاليا لا يفصل بين النقل والسياحة. فالباخرة تقدم تجربة متكاملة تبدأ بالإبحار وتمتد إلى الموسيقى والأنشطة الترفيهية، بحيث لا يكون الوقت الذي يمضيه الراكب في البحر مجرد مرحلة للوصول إلى وجهته.

إعلان

وبذلك يتسع مفهوم "الخط البحري" من وسيلة انتقال بين نقطتين إلى تجربة تجمع بين الوصول إلى المكان والاستمتاع بالطريق إليه.

لكن انتقال الفكرة من رحلات موسمية إلى شبكة بحرية منتظمة يحتاج إلى ما هو أبعد من الإقبال. فانتظام المواعيد، وكلفة التشغيل والرحلات، وجاهزية المرافئ، ومتطلبات السلامة والتراخيص، فضلا عن القدرة على تشغيل الخطوط خارج الموسم السياحي، كلها عوامل ستحدد مدى إمكانية تحويل التجربة إلى خدمة نقل مستدامة على الساحل اللبناني.

مصدر الصورة الساحل اللبناني متصل عبر مسار بحري واحد (الجزيرة)

البحر مساحة للقاء

وبالنسبة إلى القبطان سعد أيوب، ثمة وظيفة أخرى للرحلة لا تظهر في جداول المواعيد ولا في المسافة التي تقطعها الباخرة.

فالرحلة تجمع لبنانيين من مناطق مختلفة في مساحة واحدة، وتتيح لهم الانتقال والتعارف بعيدا عن التقسيمات الجغرافية التي فرضتها الطرق والوجهات المعتادة.

هنا تصبح السياحة أكثر من زيارة مكان جديد؛ إنها فرصة لاستعادة التواصل بين المناطق عبر طريق ظل لفترة طويلة خارج الاستخدام اليومي للتنقل.

وقد توقفت الرحلات البحرية السياحية المنتظمة بين عدد من المدن اللبنانية لعقود، فيما بقي الساحل حاضرا في الحياة اللبنانية بوصفه وجهة للسباحة والمطاعم والنشاطات البحرية، أكثر منه وسيلة للتنقل بين المدن، واليوم تحاول "سيدار ويفز" اختبار إمكانية تغيير هذه المعادلة، ولو من بوابة السياحة أولا.

مصدر الصورة البترون محطة شمالية في المسار البحري (الجزيرة)

من الساحل إلى الساحل

مع اقتراب المساء، تبدأ الباخرة رحلة العودة إلى صيدا. تكون المدن التي مر بها الركاب قد تحولت إلى محطات متتابعة في يوم واحد، فيما بقي البحر هو الخيط الذي وصل بينها.

من صيدا إلى بيروت، ثم البترون وجونية، لا تبدو المسافات طويلة عندما تُقاس من البحر. وما تختبره هذه الرحلات لا يقتصر على قدرة اللبنانيين على الاستمتاع بساحلهم، بل يمتد إلى سؤال أوسع: هل يمكن للبحر أن يستعيد وظيفة أخرى عرفها قبل أن تصبح الطرق البرية المسار شبه الوحيد للحركة بين المدن؟

المشروع لا يزال في بدايته، والرحلات الحالية ذات طابع سياحي وموسمي. لكن القارب الذي يغادر المرفأ صباحا ويعود إليه مساء يطرح فكرة تتجاوز يوما سياحيا عابرا: أن يكون الساحل اللبناني شبكة متصلة، وأن يصبح البحر طريقا بين مدنه، لا مجرد مشهد يُرى من بعيد.