المشهد الأول: قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها رقم 81

تتوالى كلمات رؤساء الدول والحكومات وعندما يأتي الدور على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يجد نفسه أمام مقاعد شبه فارغة بعد أن قرر العشرات من رؤساء وأعضاء الوفود مقاطعة كلمته.

المشهد الثاني: ملعب كرة القدم بمدينة ديبرتسين المجرية
مباراة مقررة بين أيرلندا وإسرائيل في مسابقة دوري أمم أوروبا، لكن أيرلندا تشهد دعوات للانسحاب اعتراضا على الإبادة الجماعية التي مارستها إسرائيل في قطاع غزة الفلسطيني، ثم ينتهي الرأي إلى خوض المباراة مع ارتداء شارات سوداء تكريما لضحايا الحرب في غزة وتجنب مصافحة الفريق الإسرائيلي.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 صور الأقمار الاصطناعية ترصد حجم التغير العمراني في غزة بعد الحرب
* list 2 of 2 التمويل المنظم والدوافع السياسية خلف هجمات المستوطنين بالضفة الغربية end of list

المشهد الثالث: خلال عرض موسيقي في نيوجيرسي بالولايات المتحدة
مغني الراب ماكليمور يهتف: "الحرية لفلسطين"، وبعد استبعاده من حفلات لاحقة ينضم له العديد من المغنين والموسيقيين، ويقاطعون جولة للمغني إد شيران الذي اضطر لافتتاح حفل أقامه في فيلادلفيا الأسبوع الماضي بالقول إن قلبه انفطر بسبب حجم الدمار وخسارة أرواح المدنيين وأرواح الأطفال في غزة.

المشهد الرابع: في جامعة كوينيبياك الأمريكية
الجامعة تعلن في منتصف سبتمبر/أيلول الجاري، عن تحول تاريخي في الرأي العام الأمريكي حيث أشار استطلاع للرأي إلى تفوق نسبة التعاطف مع فلسطين على نسبة التعاطف مع إسرائيل.

رسالة واحدة

المشاهد متعددة كما ترى، لكن الرسالة واحدة، وإن أمعنت النظر في أولاها على سبيل المثال فستجد أن الأمر لم يكن مجرد وفود انسحبت أو مقاعد خلت في قاعة الجمعية العامة، بل هو تأكيد جديد وقوي على حجم الإدانة الدولية لإسرائيل والعزلة المتزايدة التي تعيشها دولة الاحتلال في السنوات الأخيرة.

المثير أن هذا يحدث لدولة كانت بين الأفضل في الدعاية من أجل خلق صورة إيجابية لها في إقليم يرفضها، وعالم تشير كثير من الدلائل التاريخية إلى أنه لا يطمئن لها حتى وإن ساعدها.

إعلان

حتى وهي تقضم أراضي فلسطين وأراض عربية دفعة تلو الأخرى، كانت إسرائيل تحرص على بناء سمعة إيجابية في العالم، ولذلك كان يمكن أن تصادف حتى من بين العرب من يشيد بما تشهده من تداول سلمي ديمقراطي للسلطة، أو من يقول إن سجونها أفضل إنسانية من سجون بعض الدول العربية.

ربما نجح الإسرائيليون في خلق بعض زوايا السمعة الحسنة بالفعل، وتمكنوا من الإقناع بوجود صقور وحمائم بين قادتهم، فإذا ضقت بالليكود جعلوك تتطلع إلى فوز حزب العمل على أساس أنه سيكون أفضل، وإذا ضايقتك سياسات إسحق شامير وجدت في الإعلام من يوحي لنا بأفضلية شمعون بيريز وإسحق رابين وكأنهما سيعيدان ما تم احتلاله من أرض.

ثم جاء بنيامين نتنياهو ليقدم فلسفة جديدة لا تتخفى وراء أقنعة الحمائم، وإنما تقدم القبح دون لف أو دوران، بل ربما تعتمد عليه في كسب الشعبية وسط تيارات يمينية متطرفة تسيطر على مجتمع أقام وجوده بالقوة على أرض شعب آخر.

مصدر الصورة بالتزامن مع كلمة نتنياهو تظاهر المئات خارج مقر الأمم المتحدة لانتقاد إسرائيل والتضامن مع فلسطين (أسوشيتدبرس)

صورة الدولة الحديثة

وحدهم أصحاب الوعي الذين أدرك من البداية أن تغير الوجوه ليس أمرا ذا بال فيما يخص قضم الأرض وتهجير السكان وحرمانهم من الحقوق، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن إسرائيل كانت قد نجحت عبر عقود في بناء صورة كدولة غربية حديثة.

ولأن تهمة الاحتلال لا يمكن محوها أو نسيانها بالتقادم، فقد حرصت إسرائيل على الترويج لنفسها عبر وسائل أخرى منها أنها ديمقراطية صغيرة محاطة ببيئة دكتاتورية معادية، وأنها واحة للتقدم العلمي والتكنولوجي، وبيئة مناسبة لريادة الأعمال والشركات الناشئة.

تزامن مع ذلك حملات واسعة عبر الإعلام العالمي ومنصات التواصل، حيث استخدمت الخارجية الإسرائيلية حسابات متعددة اللغات، بما فيها العربية، لتقديم رسائل تتحدث عن التعايش الديني والتقدم التكنولوجي والثقافة والسياحة والحياة اليومية.

كما اعتمدت إسرائيل على اتفاقيات للتطبيع مع دول عربية، لتقدم نفسها كنبتة طبيعية في المنطقة تحظى برضا الجيران وتمد يدها للتعاون معهم، رغم أنها لم تتوقف عن قتل الأشقاء وحصار الإخوة، بل ولم تخف يوما أطماعها في بناء شرق أوسط جديد تكون فيه بمثابة المحور والقائد.

الصورة تتآكل

لكن كما هو حال الدنيا، إذا بالصورة تتعرض للتآكل في الوقت الذي بدا فيه أنها قريبة من الاكتمال، وتتجه نحو الانهيار بعد أن بدا لكثيرين أنها على وشك الاستقرار والرسوخ.

في هذا المشهد كان البطل الأبرز ولا شك هو بنيامين نتنياهو، أما الوسائل فهي حرب الإبادة الأخيرة على قطاع غزة، ناهيك عن الاعتداءات المستمرة على الضفة الغربية والإجهاض المستمر لأي توجه نحو البحث عن حل سلمي أو تفاوضي.

فبعد أن كان قادة إسرائيل يدغدون المشاعر بالحديث بين الحين والآخر عن دولة فلسطينية ولو على نذر يسير من الأرض وبسلطات منقوصة، جاء نتنياهو نفسه ليصرح بما قد يكون الآخرون قد حرصوا على إخفائه، وهو أنه لن تكون هناك دولة فلسطينية أبدا.

قالها قبل عام، ثم كررها في الشهر الماضي، فبينما كانت الأفعال تؤكدها منذ زمن بعيد، سلكت الأقوال طريق المراوغة الذي قد يخدع قوما أو يريح آخرين.

مصدر الصورة إحدى اللافتات التي رفعها المتظاهرون ضد إسرائيل خارج مقر الامم المتحدة (أسوشيدبرس)

المقاعد الفارغة

وفي ضوء ذلك، لم تكن المقاعد التي فرغت في المشهد الأول يوم 24 سبتمبر/أيلول 2026 مجرد تفصيل بروتوكولي في خطاب جديد لزعيم إسرائيلي، فعدد المقاطعين كان بالعشرات، ومن تعرض للمقاطعة حاول أن يخفي هزيمته باتهام المغادرين بافتقاد الشجاعة بل وبمطالبة من يرغب في الانسحاب من الباقين بأن يفعل ذلك.

إعلان

قد يكون طبيعيا أن تجد بين المغادرين وفود قطر ومصر والسعودية والجزائر ومعهم معظم الدول العربية، أو وفود تركيا وإيران وماليزيا وإندونيسيا وبنغلاديش ومعهم دول إسلامية أخرى، لكن يلفت نظرك بالتأكيد وجود إسبانيا من أوروبا والبرازيل من أمريكا الجنوبية مع دول أخرى من القارتين.

في وصف ما حدث قالت وكالة رويترز إن إسرائيل تعاني "عزلة دولية متزايدة"، كما استخدمت وكالة الأنباء الألمانية الوصف نفسه، وأشارتا في هذا الصدد إلى أن نتنياهو مطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في غزة.

كما لفتت وكالات الأنباء إلى أنه بينما كان نتنياهو في الأم م المتحدة كانت هناك المئات من المحتجين يرابطون بالقرب من مقرها هاتفين بشعارات مثل "أوقفوا تسليح إسرائيل، دعوا غزة تعيش".

مانيجيه مراديان، العضو في منظمة الصوت اليهودي من أجل السلام، وصفت المشهد خارج الأمم المتحدة قائلة إن نتنياهو كان ذاهبا لتبرير الإبادة الجماعية مجدد، بينما أراد المئات من المحتجين توجيه رسالة مفادها: لا مزيد من الشيكات على بياض لإسرائيل. لا مزيد من تسليح وتمويل إسرائيل. أوقفوا الإبادة الجماعية.

أما منظمة العفو الدولية فعلقت على كلمة نتنياهو قائلة إنه اعتلى منبر المنظمة الدولية "بدلا من المثول أمام المحاكمة في لاهاي".

ووصفت المنظمة استمرار الحكومة الأمريكية في تجاهل مذكرة الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو بأنه "أمر مشين إلى حد كبير"، ورأت أن الإفلات من العقاب لا يزال سائدا، معتبرة أن تقويض دور المحكمة الجنائية الدولية يبعث برسالة إلى ضحايا الجرائم الدولية بأن تحقيق العدالة "لا يزال بعيد المنال".

لسنا هنا بحاجة إلى مزيد من الأدلة على العزلة المتزايدة لإسرائيل، فقد أقر بها نتنياهو نفسه في منتصف سبتمبر/أيلول من العام الماضي، وسارع غريمه يائير لبيد زعيم المعارضة إلى اتهامه بأن هذه العزلة نتاج سياساته هو وحكومته.

وبالتزامن مع ذلك سمعنا أوصافا لم نعتدها تجاه إسرائيل من زعماء دول غربية اشتهرت بدعمها على مدار عقود..


* بيدرو سانشير- إسبانيا: إسرائيل ترتكب إبادة في غزة واحتلالا غير قانون في الضفة الغربية
* كير ستارمر- بريطانيا: مشاهد الجوع والمعاناة في غزة أصبحت لا توصف ولا يمكن الدفاع عنها
* إيمانويل ماكرون- فرنسا: الحصار الإنساني لغزة عار وفضيحة وغير مقبول
* أورسولا فون دير لاين- الاتحاد الأوروبي: ما يحدث في غزة هز ضمير العالم

غزة نقطة الكسر

التحول في نظرة العالم لإسرائيل لتصبح أقرب إلى السلبية يعود إلى سنوات مضت، لكن الخطوة الأكبر كانت حرب الإبادة التي شنتها على قطاع غزة عقب هجوم طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، واستمرت نحو عامين قتلت خلالها نحو 73 ألف فضلا عن تشريد مئات الآلاف وتدمير شبه كامل للمنازل والبنية التحتية في القطاع.

ومع امتداد الحرب، انتقلت الأزمة من سجال سياسي وأخلاقي إلى مساحة القانون الدولي. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، قائلة إن لديها أسبابا معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها استخدام التجويع وسيلة للحرب والقتل والاضطهاد وأفعال أخرى غير إنسانية.

وفي مسار منفصل، تنظر محكمة العدل الدولية في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية. ولم تصدر المحكمة حتى الآن حكما نهائيا في جوهر اتهام الإبادة، لكنها أصدرت منذ يناير/كانون الثاني 2024 تدابير مؤقتة ملزمة.

وفي سبتمبر/أيلول 2025 خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت وتواصل ارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة، لتؤكد استنتاجا سابقا في هذا الشأن لمنظمة العفو الدولية.

مصدر الصورة هذا ما فعلته إسرائيل بمستشفى الشفاء أكبر مرفق طبي في غزة (وكالة الأناضول)

الأرقام تتكلم

وبالعودة إلى المشاهد التي بدأنا بها هذا الموضوع، فإن مشاهد الانسحاب من قاعة الأمم المتحدة يمكن اعتبارها أقرب إلى الرمزية، لكن لدينا أيضا استطلاعات الرأي التي تقدم مؤشرا أكثر قابلية للقياس.

إعلان

فقبل أيام فقط أعلنت جامعة كوينيبياك الأمريكية عن نتائج استطلاع للرأي أشار إلى أن التعاطف مع فلسطين في الولايات المتحدة وصل أعلى مستوى له منذ بدأت الجامعة طرح هذا السؤال في بداية عام 2001، فيما تراجع مستوى التعاطف مع إسرائيل لأقل مستوياته.

وقال 38 بالمئة من المشاركين إنهم "يتعاطفون أكثر" مع الفلسطينيين، مقابل 35 بالمئة مع الإسرائيليين، فيما لم يبدِ 27 بالمئة رأيًا.

هذا عن الولايات المتحدة، فماذا عن العالم؟

قبل اشهر قليلة، وبالتحديد في يونيو/حزيران الماضي، أوضح استطلاع لمعهد بيو للأبحاث الذي يتخذ من الولايات المتحدة الأمريكية مقرا له، أن معظم السكان في 36 دولة حول العالم لديهم آراء سلبية تجاه إسرائيل، وثقة ضئيلة أو معدومة برئيس وزرائها بنيامين نتنياهو.

وبلغ متوسط النظرة السلبية إلى إسرائيل 67% مقابل 25% فقط ممن يحملون نظرة إيجابية، في حين وصل المتوسط في إيطاليا إلى 75% وألمانيا 73%، وبريطانيا 69%، والولايات المتحدة 60%.

من النتائج اللافتة في ثنايا هذا الاستطلاع أن الاتجاه الرافض لإسرائيل يتزايد باطراد، وأن فئة الشباب في العديد من الدول خصوصا في أمريكا الشمالية وأوروبا، تبدي آراءً سلبية تجاه إسرائيل أكثر من كبار السن.

في دولة كالأرجنتين ارتفعت نسبة من يحملون رأيا سلبيا تجاه إسرائيل من 46% في العام الماضي إلى 55 في العالم الحالي، كما تم رصد نسب ارتفاع واضحة أيضا في دول مثل أستراليا وإيطاليا وبولندا والمملكة المتحدة.

أما فيما يخص النظرة السلبية إلى نتنياهو، فهي أشد سوءا حيث أظهر الاستطلاع أن أغلبية السكان في معظم الدول لا يثقون، أو لا يثقون إطلاقًا به فيما يخص اتخاذ القرارات الصائبة بشأن الشؤون العالمية..

ويشمل ذلك أكثر من نصف البالغين في أستراليا، وبنغلاديش، وكندا، وفرنسا، وألمانيا، واليونان، وإندونيسيا، وإيطاليا، وماليزيا، وهولندا، وباكستان، وإسبانيا، والسويد، وتركيا، والمملكة المتحدة، في حين "تُعدّ كينيا والفلبين الدولتين الوحيدتين اللتين شملهما الاستطلاع حيث يثق أكثر من نصف السكان بنتنياهو".

ولا يقف التحول عند الجمهور. ففي سبتمبر/أيلول 2025 أيدت 142 دولة مقابل 10 فقط “إعلان نيويورك” المتعلق بتسوية القضية الفلسطينية وتطبيق حل الدولتين. كما تجاوز عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي تعترف بفلسطين 150 دولة، بعد انضمام دول غربية بارزة مثل بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا إلى موجة الاعتراف.

وفي سبتمبر/أيلول 2026 انتقلت بعض الضغوط من المواقف السياسية إلى الإجراءات الاقتصادية، إذ حظرت بريطانيا وفرنسا وكندا استيراد منتجات من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بالتزامن مع إجراءات ضد مستوطنين متطرفين، في خطوة عكست اتساع الخلاف حتى مع دول حليفة لإسرائيل.

إنذارات من الداخل

لم يعد الأمر خافيا، ولذلك فقد بدأت الأصوات المحذرة من المضي في هذا الطريق تتصاعد حتى داخل إسرائيل..

قبل أيام قلائل، حذرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية من أن نتنياهو دفع بمكانة إسرائيل في الولايات المتحدة إلى "الحضيض"، معتبرة أن الضرر الذي لحق بعلاقاتها مع أهم حلفائها بات عند "مستوى غير مسبوق".

ولفتت الصحيفة إلى إن التراجع لم يعد محصورا بالديمقراطيين، مضيفة أنه "خلال العامين الماضيين، تسببت حكومة نتنياهو في تراجع حاد في مكانة إسرائيل داخل الحزب الجمهوري".

بدوره، حذر الكاتب البارز ناحوم برنياع، في مقال بصحيفة "يديعوت أحرونوت، من تفاقم عزلة تل أبيب دوليا، قائلا إن تداعياتها قد تطال قريبا جيوب الإسرائيليين وبنوكهم ومطاراتهم، مع تصاعد الدعوات لمقاطعتها.

واعتبر برنياع أن الحكومات الأوروبية "تحتفظ بورقة العقوبات لما بعد الانتخابات" الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، مضيفا أن "ما يبدأ في أوروبا لن يظل محصورا فيها بالضرورة".

وفي مقال آخر، علقت يديعوت أحرونوت على أجواء خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة، مشيرة بأن الأخيرة لطالما كانت ساحةً حاسمةً لإسرائيل، لكنها أصبحت الآن أكثر صعوبةً من أي وقت مضى، وآخر الدلائل على ذلك ما وصفته بالجو العدائي الذي تحدث فيه نتنياهو.

وفي الصحافة الغربية، أصبحت فكرة تحول إسرائيل إلى عبء دبلوماسي أو دولة تواجه خطر النبذ أكثر حضورا في الأعوام القليلة الماضية.

صحيفة فايننشال تايمز البريطانية نبهت إلى ذلك مبكرا عندما تساءلت في مايو/أيار 2024 عما إذا كانت إسرائيل تستطيع “أن تسير وحدها”، وربطت بين استمرار الحرب واتساع المقاطعة والضغوط على علاقاتها التقليدية.

إعلان

ثم جاءت صحيفة بريطانية أخرى هي الغارديان لتحذر في العام الماضي من أن رؤية نتنياهو تهيئ إسرائيل لمستقبل معزول خصوصا على الصعيد الاقتصادي.

بل إن الغارديان أشارت أيضا إلى آثار اجتماعية قائلة إن الأخبار ومواقع التواصل تتناقل يومياً قصصاً عن اشتباكات بين إسرائيليين أو تعرضهم لاعتداءات من قبل سكان محليين معادين أثناء قضائهم عطلاتهم في الخارج.

بالنسبة للعديد من الإسرائيليين، الذين نشأوا وهم ينظرون إلى أنفسهم كبؤرة استيطانية للغرب في الشرق الأوسط، فإن كل هذا يثير قلقاً بالغاً.

طبيعة ما تخسره

لكن كي نكمل الصورة، من المهم الاستدراك بأن واشنطن رغم كل ذلك ما تمثل مظلة إستراتيجية شديدة الأهمية لإسرائيل، بل إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب صعّدت في 2026 ضغوطها على المحكمة الجنائية الدولية بسبب مذكرات توقيف المسؤولين الإسرائيليين، ودرست عقوبات أوسع ضد المحكمة وموظفيها.

كما أن العلاقات التجارية والدبلوماسية الإسرائيلية لم تنهَر، ولم تتحول إجراءات المقاطعة المتفرقة إلى حصار اقتصادي شامل. ولذلك ربما يكون الأدق الحديث عن اتجاه متسارع نحو العزلة، لا عن عزلة مكتملة.

غير أن الخطر بالنسبة إلى إسرائيل يكمن حقيقة في طبيعة ما تخسره، فقد أمضت سنوات طويلة في محاولة إقناع العالم بأن ينظر إليها بعيدا عن الاحتلال والصراع: دولة للتكنولوجيا والعلوم والسياحة والثقافة، و”أمة شركات ناشئة” تستطيع أن تكون جزءا طبيعيا من الغرب والمنطقة. لكن صور غزة، والمسار القضائي الدولي، والتوسع الاستيطاني، ورفض الدولة الفلسطينية، ثم خطاب سياسي يميل إلى مهاجمة المنتقدين بدلا من استيعابهم، أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب صورتها الخارجية.

ولهذا اكتسب مشهد الجمعية العامة دلالته: نتنياهو وقف على المنصة نفسها التي طالما استخدمها للترويج لقوة إسرائيل وإنجازاتها، لكن الرسالة الأكثر انتشارا هذه المرة لم تكن الخريطة التي رفعها ولا الحجج التي قدمها، بل صفوف المندوبين وهم يغادرون القاعة.