أظهرت انتخابات برلمان برلين (الأحد 20 سبتمبر/أيلول 2026) تحولاً لافتاً في السلوك الانتخابي للناخبين المسلمين، بعدما منحوا حزب اليسار (دي لينكه)، الذي ينتمي إلى تيار أقصى اليسار، دعماً استثنائياً تجاوز بكثير النتيجة العامة التي حققها الحزب. ففي حين حصل الحزب، وفقًا للنتائج النهائية المؤقتة اليوم الاثنين (21 سبتمبر/أيلول 2026)، على 25,7 في المائة من إجمالي الأصوات، بلغت نسبته بين المسلمين 51 في المائة، وفقًا لتحليل أعدته "مجموعة أبحاث الانتخابات" (Forschungsgruppe Wahlen)، حصلت عليه وكالة الأنباء الكاثوليكية (ك ن أ) حصريًّا، ونقلته عنها وسائل الإعلام الألمانية الأخرى.
وأجرت "مجموعة أبحاث الانتخابات" استطلاعاً لآراء 17460 ناخباً في مراكز الاقتراع في برلين يوم أمس الأحد الذي جرت فيه الانتخابات، مباشرةً بعد أن أدلوا بأصواتهم. ومن بين هؤلاء، سُئل 8784 ناخباً أيضاً عن انتمائهم الديني.
كما حقق حزب اليسار، وهو حزب تعود جذوره جزئيًا إلى الحزب الحاكم في ألمانيا الشرقية الشيوعية سابقا، نتائج أفضل قليلاً بين الناخبين غير المنتمين إلى أي طائفة دينية، حيث حصل على 28 في المائة من الأصوات. وفي المقابل، لم يحصل الحزب سوى على 17 في المائة من أصوات الناخبين الكاثوليك و16 في المائة فقط من أصوات الناخبين البروتستانت. لكن حزب اليسار سجل ارتفاعاً بمقدار 9 نقاط مئوية في كلتا المجموعتين مقارنة بالانتخابات السابقة. أما بين الناخبين المسلمين، فقد بلغت نسبة الزيادة 36 نقطة مئوية، ما يعني قفزة هائلة.
وتقول وكالة الأنباء الكاثوليكية (ك ن أ) إنه لو كان المسلمون وحدهم هم من أدلوا بأصواتهم في انتخابات مجلس النواب في برلين، لكان حزب "اليسار" قد حقق الأغلبية المطلقة. أما بين الناخبين المسيحيين، فلا يزال حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي في الصدارة.
كما حقق حزب "البديل من أجل ألمانيا " اليميني الشعبوي، مكاسب ملحوظة بين الناخبين المسيحيين. أما بين الناخبين المسلمين، فقد حصل هذا الحزب، الذي يصنف جزئيا كحزب يميني متطرف، على نسبة 4 في المائة فقط، أي أقل بنقطة مئوية واحدة عن الانتخابات السابقة.
وفي المقابل، خسر كل من حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي و الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر أصواتًا في جميع الفئات بغض النظر عن الانتماء الديني، حيث تكبد الحزبان الحاكمان السابقان، المسيحي والاشتراكي خسائر فادحة بشكل خاص بين الناخبين المسلمين.
تقول صحيفة "يونغه فرايهايت" (Junge Freiheit ) التي تُصنَّف عموماً ضمن التيار المحافظ القومي واليمين المحافظ في ألمانيا، إن 82% من أصوات المسلمين إجمالا في برلين ذهبت إلى أحزاب اليسار: حزب اليسار (أقصى اليسار)، وحزب سارة فاغنكنيشت و الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر.
ويعزو مراقبون التفوق الكبير لحزب اليسار بين الناخبين المسلمين في برلين إلى مزيج من مواقفه بشأن غزة، وتركيزه على أزمة السكن، وخطابه المناهض للتمييز ضد المسلمين، إضافة إلى نجاح مرشحته إيليف إيرالب في حشد الناخبين من أصول مهاجرة وفي الأحياء الشعبية.
يرى مراقبون أن مواقف فرع حزب اليسار في برلين من الحرب في غزة والقضية الفلسطينية لعبت دوراً مهماً في تعزيز شعبيته داخل الأوساط المسلمة، خاصة في أحياء تضم أعداداً كبيرة من السكان ذوي الأصول العربية والتركية مثل حي "نوي كولن".
ففي الوقت الذي تعرضت فيه أحزاب تقليدية لانتقادات من بعض الناخبين المسلمين بسبب مواقفها من الحرب، نجح حزب اليسار في تقديم نفسه باعتباره أكثر تعاطفاً مع المطالب الفلسطينية وأكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية مقارنة بالأحزاب الرئيسية الأخرى.
ويتعرض حزب اليسار في العاصمة، أو على الأقل بعض أعضائه، لانتقادات متكررة بسبب مواقفه من الصراع في الشرق الأوسط.
وتعرض الحزب في برلين مؤخرًا لاتهامات متكررة بـ " معاداة السامية "، ولا سيما فرعه في حي نويكولن ، حيث اشتعلت الانتقادات على خلفية أمور من بينها انضمام ناشطين مؤيدين للفلسطينيين إلى صفوف الحزب.
وكان رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، يوزف شوستر، قد قال إن حزب اليسار "لفت الأنظار مرارًا خلال الحملة الانتخابية بسبب تجاوزات معادية للسامية".
وأضاف أن "فوز حزب طُلب علنًا على منصاته الانتخابية موت أشخاص، يثير في نفسي قلقًا بالغًا". وأوضح شوستر في هذا الصدد أنه جرى الدعوة في الحملة الانتخابية لليسار إلى قتل جنود إسرائيليين وإلى "الانتفاضة"، وتابع أن بعض الحاضرين رقصوا على وقع هذه الدعوات.
ودعا شوستر الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر إلى عدم المساعدة في وصول حزب اليسار إلى مبنى البلدية الحمراء في برلين. وقال: "لم يعد لحزب اليسار أي مصداقية على الإطلاق في مكافحة كراهية اليهود، التي يتسامح معها هذا الحزب داخل صفوفه ويترك لها المجال دون قيود"."
ورفض الجزب الاتهامات بمعاداة السامية، وقالت رئيسة كتلة حزب اليسار في البرلمان الاتحادي الألماني ، هايدي رايشينك، في تصريحات لإذاعة "دويتشلاند فونك" اليوم الاثنين (21 أيلول/سبتمبر 2026) إن للحزب موقف واضحة بشأن معاداة السامية ، مضيفة: "هناك خط أحمر. ومن يتجاوزه لا مكان له في هذا الحزب".
تشير تحليلات لموقع "تاغس شاو" التابع للقناة الألمانية الأولى (ARD) وكذلك للقناة الألمانية الثانية (ZDF) إلى أن القضية الأهم في الانتخابات كانت أزمة السكن وارتفاع الإيجارات، وأن حزب اليسار "دي لينكه" اعتُبر الحزب الأكثر قدرة على معالجة هذه المشكلة في نظر كثير من الناخبين. وهذه القضية تمس بقوة السكان ذوي الدخل المتوسط والمنخفض، وبينهم نسبة كبيرة من الأسر المهاجرة والمسلمة في برلين.
عامل آخر ساهم في استقطاب الناخبين المسلمين يتمثل في تركيز الحزب على قضايا مكافحة التمييز. فبرنامج اليسار تضمن مطالب بتوسيع الجهود لمكافحة ما يصفه بـ"العنصرية المعادية للمسلمين"، وتعزيز المساواة بين الطوائف الدينية، ودعم الخدمات الدينية الإسلامية في المؤسسات العامة.
وتحظى هذه الملفات باهتمام لدى جزء من المسلمين في ألمانيا، خصوصاً في ظل النقاشات المستمرة حول الاندماج والتمييز والهوية الدينية.
كما لعب العنصر الشخصي دوراً لا يمكن تجاهله. فالمرشحة الرئيسية لحزب اليسار في برلين، إيليف إيرالب ، هي ابنة لاجئين سياسيين تركيين، وتمكنت خلال الحملة الانتخابية من بناء حضور قوي في الأحياء التي تضم سكاناً من أصول مهاجرة.
وبحسب "تاغس شاو"، و"أبولّو نيوز نت"، أظهرت بيانات الانتخابات أن حزب اليسار كان الأكثر نجاحا في جذب ناخبين من فئة الممتنعين سابقا عن التصويت، كما ارتفعت المشاركة الانتخابية في بعض الدوائر ذات الطابع المهاجر مقارنة بالانتخابات السابقة. ويشير ذلك أيضا إلى أن الحزب لم يغيّر فقط اتجاه التصويت داخل هذه الشريحة، بل نجح أيضاً في توسيع قاعدة المشاركة السياسية فيها.
في المقابل، خسر كل من الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر أصواتاً بين المسلمين. وكانت الخسائر الأكبر من نصيب الحزبين اللذين قادا الحكومة السابقة، أي المسيحي الديمقراطي والاشتراكي الديمقراطي.
ويبدو أن جزءاً من الناخبين المسلمين الذين كانوا موزعين سابقاً بين عدة أحزاب قرروا هذه المرة تجميع أصواتهم بصورة أكبر خلف حزب اليسار، ما يفسر وصوله إلى نسبة 51% داخل هذه الفئة.
وبعد كل هذا يبقى سؤال في غاية الأهمية وهو: هل هذا التصويت قائم على الهوية أم على المصالح الاجتماعية والاقتصادية؟
الواقع يشير إلى أن الأمر يجمع بين العاملين. فمواقف الحزب من غزة ومكافحة التمييز ساعدته على كسب تعاطف جزء من الناخبين المسلمين، بينما وفرت ملفات السكن والعدالة الاجتماعية والأسعار أساساً عملياً لهذا الدعم. كما أن وجود شخصية مثل إيليف إيرالب على رأس الحملة منح الحزب وجهاً قادراً على مخاطبة شرائح من المجتمع لم تكن تشعر سابقاً بتمثيل سياسي كافٍ.
وبذلك يبدو أن تصويت المسلمين الكثيف لحزب اليسار في برلين لم يكن تعبيراً عن عامل ديني بحت، بل نتيجة التقاء قضايا الهوية والتمثيل السياسي مع ملفات اقتصادية واجتماعية تمس الحياة اليومية للناخبين بشكل مباشر.
وفقًا للنتائج النهائية الرسمية المؤقتة لانتخابات مجلس النواب في برلين، حصل حزب اليسار على 25,7 في المائة، وحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي على 18,8 في المائة، وحزب البديل من أجل ألمانيا على 16,3 في المائة، وحزب الخضر على 14,3 في المائة، والحزب الاشتراكي الديمقراطي على 12,1 في المائة، وحزب زهرا فاغنكنيشت على 4,7 في المائة من أصوات الناخبين.
تحرير: عبده جميل المخلافي
المصدر:
DW