في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في وقت لوّح فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بخيارات حاسمة تجاه إيران، وتوعدت فيه طهران بالرد على أي هجوم جديد باستهداف القواعد والمصالح وحلفاء واشنطن في المنطقة، انتشر على نطاق واسع مقطع فيديو زُعم أنه يوثق لحظة إخلاء جنود ومعدات أمريكية إثر تهديدات إيرانية.
وزعمت حسابات على منصات التواصل الاجتماعي أن المقطع يوثق لحظة هروب قوات أمريكية من إحدى القواعد الأمريكية بالمنطقة، وكذلك إجلاء معدات عسكرية لتفادي الأضرار خشية استهداف إيراني.
ويُظهر المقطع المتداول جنودا أمريكيين يركضون نحو طائرة بعد سماع صفارات الإنذار، ويجمعون معدات قبل الصعود إلى الطائرة وإغلاق أبوابها بسرعة ثم الإقلاع، في مشهد دراماتيكي.
وأُرفق المقطع بعبارة تداولتها عدة حسابات في توقيت متزامن: "شكرا لإيران التي جعلت العدو لا يشعر بأمان حتى داخل قواعده".. فما حقيقة هذه المشاهد؟
بدأت القصة حين نشر حساب باسم "صادق المحمداوي" المقطع، الذي تبلغ مدته دقيقة و29 ثانية، في 17 سبتمبر/أيلول الجاري بالادعاء نفسه، وحصد عشرات آلاف المشاهدات.
ويُعَد الحساب من أنشط الحسابات المرتبطة بالسردية الإيرانية على منصة إكس، ومنذ اندلاع الحرب دأب على نشر مقاطع مضللة ومجتزأة من سياقها، وكان شرارة انطلاق روايات وهمية في تعامله مع القصف والهجمات خلال الحرب وتصاعد المعارك في الشرق الأوسط.
ثم تناقلت حسابات أخرى المقطع على منصات عدة، بالنمط نفسه ومن دون أي تفاصيل عن السياق الزماني أو المكاني.
وتحققت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة من المقطع، وتبين أنه مضلل وأُخرج من سياقه لخدمة رواية إيرانية أوسع تنتشر على منصات التواصل.
بتحليل المقطع بصريا، يلاحظ في الثانية السابعة أن جميع الجنود مرّوا بطائرة أقرب إليهم من حيث المسافة ولم يتجهوا إليها، كما بدت حركتهم منسقة، في مشهد أقرب إلى نشاط تدريبي منه إلى حالة طوارئ أو تهديد أمني وشيك.
ويظهر في المشهد في التوقيت ذاته 4 طائرات على الجهة اليمنى مصطفة على المدرج من دون أي محاولة لإخلائها، ولا وجود لطواقم أرضية تعمل على تسريع تشغيلها أو سحبها إلى ملاجئ محصنة لحمايتها من أي تهديد، وهو ما أثار شكوكا حول صحة الادعاء.
وبالنظر إلى مصدر المقطع، نجد في واجهته شعارا مرفقا بعبارة (positive.discoveries)، بوصفه مصدرا للمقطع.
وبالبحث في هذا الحساب على منصة إنستغرام، تبين أنه يهتم بنشر مقاطع من الصواريخ والمقاتلات الحربية وأوضاع القوات داخل القواعد.
وعثرنا في هذا الحساب على نسخة من المقطع ذاته بتاريخ 7 سبتمبر/أيلول الجاري، أي قبل أسابيع من الادعاء المتداول، ما يعزز أنه قديم، غير أن الوصف المرفق معه قاد إلى رواية مختلفة تماما عن سياقه.
فقد نُشر المقطع على الحساب مرفقا بنص يشرح كيف تُقلع طائرات من طراز "سي-17" خلال عمليات إجلاء سريعة قبل وقوع إعصار. ويشير النص إلى أن هذه الطائرات الضخمة، التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، لا تتسع لها الملاجئ الخرسانية المخصصة للعواصف، مما يعرّضها لخطر الدمار بفعل الرياح القوية إذا بقيت مكشوفة على المدرج عندما يضرب إعصار من الفئة الخامسة قاعدة جوية على جزيرة.
ويوحي هذا السياق بأن المقطع لم يُلتقط داخل قاعدة في الشرق الأوسط، ولاحقا أجرينا بحثا عكسيا عن المقطع، فقادتنا النتائج إلى مقاطع مشابهة تعزز السياق المضاد للرواية الإيرانية، وتتمحور حول إقلاع سريع لطائرة من طراز "سي-17 غلوبماستر 3" (C-17 Globemaster III).
كذلك عثرنا على نسخة من المقطع نفسه على يوتيوب، منشورة على قناة مهتمة بالشؤون العسكرية الأمريكية تحمل اسم (OBN U.S. Military Channel)، بتاريخ 24 يوليو/تموز 2023، أي قبل سنوات من التصعيد الأمريكي الإيراني الحالي، الأمر الذي يدحض هذه الرواية تماما.
كما وجدنا المقطع الأصلي منشورا على عدة مواقع رسمية أمريكية، من بينها ( dvidshub) والقيادة المركزية الأمريكية ( centcom) والقوات الأمريكية في كوريا ( usfk)، في الشهر نفسه، بمدة زمنية أطول ودقة تصوير أعلى.
وبتحليل المقطع الأصلي، تظهر اللقطات مشاركة أفراد معا في مهمة روتينية مجدولة مسبقا، ولا تظهر إخلاء طارئا كما زعمت الحسابات.
وذكر موقع توزيع المعلومات المرئية، التابع لوزارة الحرب الأمريكية (dvidshub)، أن المشاهد تعود إلى 16 يوليو/تموز 2023، وتحمل عنوان "إقلاع سريع لطائرة سي-17 غلوبماستر 3″، وصوّرها جندي أول في سلاح الجو.
وبحسب وصف الفيديو، فإن المقطع يدخل ضمن تدريب أجراه أفراد من سرب الصيانة الجوية 860 والسرب 21 للنقل الجوي في سلاح الجو الأمريكي على طائرة النقل في قاعدة أندرسن الجوية بجزيرة غوام، وهو أسلوب طوارئ لنقل الطائرة سريعا من وضعية الوقوف إلى الجاهزية للإقلاع تحسبا لهجوم وشيك.
بتتبع نشاط الحسابات، تبين أن المقطع المضلل كان جزءا من حملة تضليل أوسع قادتها حسابات إيرانية خلال سبتمبر/أيلول الجاري، ولم يكن منفصلا عنها.
واستندت الحملة إلى حسابات نشطة تروج للسردية الإيرانية بمقاطع قديمة ومضللة ومجتزأة من سياقها الزماني والمكاني، بهدف الترويج لرواية مفادها أن الولايات المتحدة بدأت إخلاء قواعدها في الشرق الأوسط خشية استهدافات إيرانية محتملة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة