آخر الأخبار

لماذا يحتاج ميرتس إلى هابرماس لفهم صعود اليمين الألماني؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يناقش الإعلام الألماني قبل يومين من انتخابات برلمان ولاية سكسونيا-أنهالت التي ستشهدها الولاية بعد غد الأحد التقدم التاريخي الذي يحققه حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف في هذه الانتخابات، والزلزال السياسي المحتمل إذا تُرجم هذا التقدم إلى نتيجة تمنحه نفوذا غير مسبوق على حساب حزب المستشار فريدريش ميرتس المسيحي الديمقراطي وأحزاب أخرى.

فوفق آخر استطلاع للرأي، يأتي حزب "البديل" في المركز الأول بنسبة 41% متقدما بفارق كبير على الحزب المسيحي الديمقراطي الذي اكتفى بنحو 21%.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 إغناتيوس: التراجع الأمريكي يمهد للحرب التي تخشاها أوروبا
* list 2 of 2 استعمار الخرائط.. أفريقيا تطالب العالم برؤية حجمها الحقيقي end of list

وفي هذه الظروف الاستثنائية، لا يكتفي الإعلام الألماني بمناقشة أسباب ارتفاع شعبية هذا الحزب على حساب غيره من الأحزاب التقليدية، بل يسدي في بعض الأحيان النصائح لرؤساء هذه الأحزاب قبل وقوع السيناريو الأسوأ، وهو أن تمنح هذه الانتخابات حزبا يمينيا متطرفا فرصة تشكيل الحكومة في هذه الولاية.

مصدر الصورة الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، الذي تُستعاد أفكاره لفهم صعود اليمين المتطرف اليوم (أسوشيتد برس)

ويدعو الكاتب توماس أشوير، في مقال بصحيفة "دي تسايت"، المستشار الألماني فريدريش ميرتس وحزبه إلى قراءة الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في هذه الأوقات الصعبة.

ويقول في مقال -بعنوان "لماذا ينبغي لفريدريش ميرتس قراءة هابرماس"- إن هناك كتبا يمكن أن تشرح لميرتس الوضع الراهن، لكنه لا يرجح أن يمدّ يده إليها، خصوصا إن صادف فيها كلمة "الرأسمالية".

ويرى الكاتب أن هذا التجاهل خطأ، فمثل هذه الكتب لا تعفي الحكومات من مسؤوليتها، لكنها تضعها داخل سياق أوسع. وهي لا تنشغل كثيرا بمن يجلس في السلطة بقدر ما تنشغل بالبنية التي تعمل السلطة داخلها، ولا تقدم عزاء سياسيا لأحد، بل تحاول فهم ما يجري ببرود ودقة.

ويشير أشوير إلى أنه من المرجح أن يكون اسم هابرماس مألوفا لدى المستشار. فقد كان الفيلسوف -الذي توفي في مارس/آذار الماضي عن عمر ناهز 96 عاما- يُعَدّ طوال حياته مصدر قلق فكري للمحافظين في الاتحاد المسيحي الديمقراطي ولوسائل الإعلام المتعاطفة معهم.

إعلان

وكانت كتاباته المبكرة على وجه الخصوص تثير انتقادات غاضبة، لا سيما دراسته التي صدرت عام 1973 بعنوان "مشاكل الشرعية في الرأسمالية المتأخرة".

فما الذي يمكن إذن لفريدريش ميرتس أن يتعلمه من هذا الكتاب؟

يرى هابرماس أن الديمقراطيات الغربية نجحت في الماضي في تهدئة الصراع الطبقي بتعزيزها نظام "الدولة الرخوة"، لكن الصراعات اليوم لم تعد تدور بين رأس المال والعمال، بل بين الدولة والمجتمع، فالدولة مطالبة باستمرار بتحقيق التوازن بين الطرفين، ولذلك تتعرض لضغط كبير لتبرير قراراتها.

مصدر الصورة المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال زيارة انتخابية في سكسونيا-أنهالت (رويترز)

ويصف هابرماس العمل السياسي بأنه حالة دائمة من الضغط والإرهاق، فالدولة مطالبة بتعزيز القدرات التنافسية للشركات وتحفيز النمو وجذب الاستثمارات، وفي الوقت نفسه مواجهة التضخم، وضمان إمدادات الطاقة والحد من عدم المساواة وتوفير فرص العمل والحفاظ على كفاءة أنظمة النقل والتعليم والصحة.

من هنا، يرى الكاتب أن ميرتس يستطيع أن يتعلم من هابرماس أن قدرة المستشار (رئيس الحكومة) على تغيير الاقتصاد والمجتمع محدودة أكثر مما قد يبدو.

كذلك يوضح المقال أن الأزمات التي تواجه الدولة اليوم أصبحت أكثر تعقيدا بكثير مما كانت عليه في سبعينيات القرن الماضي، إذ ظهرت مشاكل مثل تنامي عدم المساواة نتيجة تزايد دور المال والثروة، إلى جانب ضغوط الهجرة والذكاء الاصطناعي وتهديد الوظائف، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في المجال العام.

وفي المقابل، لم تعد الأحزاب الكبرى تتمتع بالقوة والتماسك اللذين كانت عليهما سابقا، في حين كان اليمين المتطرف موجودا آنذاك أيضا ولم يختفِ، لكنه بات اليوم أكثر حضورا في المشهد السياسي.

التمرد أو الانسحاب

يوضح أشوير، مستندا إلى هابرماس، أن الديمقراطية لا تستطيع الاستمرار إذا حكم السياسيون بمعزل عن المواطنين، لأنهم مطالبون بالحفاظ على قدر من ثقة الجمهور وتقديم أسباب مقنعة لقراراتهم. وعندما تتعارض أهداف الدولة مع الواقع أو عندما تؤثر الأزمات في حياة الناس وتهدد شعورهم بالاستقرار، تتراجع ثقة المواطنين بالحكومة ويزداد الضغط على النظام السياسي.

ويشرح هابرماس أن الناس قد يتعاملون مع أزمة الثقة هذه بطريقتين: إما بالتمرد أو الانسحاب. فالتمرد يظهر في الاحتجاج والغضب السياسي، بينما يتمثل الانسحاب في الابتعاد عن السياسة والشعور باللامبالاة.

وفي الحالتين، يرى هابرماس أن الضغوط الاجتماعية والسياسية تتحول إلى ضغوط نفسية على الأفراد، فالشخص الذي يشعر بأنه محاصر باستمرار بمتطلبات التكيف والنجاح والخوف من الفشل قد ينسحب من الحياة العامة أو ينفجر احتجاجا.

الشعور بالإحباط

ويربط أشوير صعود اليمين المتطرف في شرق ألمانيا جزئيا بإحباط اجتماعي عميق ناتج عن التغييرات الاقتصادية المستمرة وفقدان الوظائف والخوف من تراجع المكانة الاجتماعية والشعور بأن الفرد يفقد السيطرة على حياته.

مصدر الصورة أولريش سيغموند، مرشح الحزب اليميني المتطرف "البديل" لانتخابات ولاية سكسونيا-أنهالت (الفرنسية)

وبعد سقوط جدار برلين، حصل سكان ألمانيا الشرقية على الحرية، لكنهم وجدوا أنفسهم في مجتمع تنافسي يفرض عليهم النجاح والتكيف المستمر دون ضمان أن توفر الدولة دائما المستوى المطلوب والمتوقع من الأمان الاجتماعي.

إعلان

ويرى الكاتب أن وصول حزب يميني متطرف إلى نحو 40% من التأييد يعكس أزمة ثقة وشرعية لدى الدولة، لأن وعود الوحدة والازدهار والاستقرار لم تتحقق كما كان متوقعا. كما أن المواطنين لا يكتفون بسماع مبررات الأزمات من حروب وتعطل سلاسل الإمداد وغيرها، بل يحمّلون الحكومة مسؤولية النتائج التي يعيشونها يوميا، خصوصا عندما يشعرون بأن النظام أصبح غير عادل.

استغلال أخطاء الحكومة

ويرى الكاتب أن ميرتس اتبع في بعض سياساته الاقتصادية النهج الذي انتقده يورغن هابرماس منذ عقود، إذ جرى تحميل الفئات الأضعف جزءا كبيرا من الأعباء، بينما ظل كبار الأثرياء وبعض موظفي الخدمة المدنية المتمتعين بامتيازات أقل تأثرا بها.

ويرى الكاتب أن هذا التوزيع غير المتوازن للأعباء لا ينسجم مع مفهوم العدالة الاجتماعية، الأمر الذي يمنح اليمين المتطرف مادة سهلة لاستغلال غضب الناس.

وتستفيد الأحزاب اليمينية المتطرفة من هذه الأوضاع عبر تقديم نفسها بديلا، فتعد أولا بثورة وطنية لإقصاء النخب المؤثرة ثم بالعودة إلى دولة قومية وتجارية مغلقة توفر الأمن والنظام والاستقرار وذلك بدون مهاجرين. ويرى أن هذا يجمع بين التمرد على الوضع القائم ثم الانسحاب إلى عالم مغلق، وهو ما يتقاطع مع وصف هابرماس القديم لأزمة المجتمع: تغيير كل شيء من أجل ألا يتغير أي شيء في النهاية.

مصدر الصورة تجمع انتخابي لحزب "البديل من أجل ألمانيا" في ولاية سكسونيا-أنهالت (الأوروبية)

الفاشيون لا يجادلون

وينتقل الكاتب بعد ذلك إلى تحذير أشد خطورة، إذ يرى أن الأنظمة الفاشية لا تعتمد على النقاش والحجج، بل على الأساطير السياسية وصناعة الأعداء.

ويرى الكاتب أن حزب "البديل" قد يجمع بين اتجاهين: الليبرالية الاقتصادية من جهة والقومية وأساطيرها من جهة أخرى. وبحسب هذا التحليل، فإن وصول الحزب إلى الحكم قد يؤدي في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية حادة إلى صناعة الخوف لصرف انتباه المجتمع عن أزماته الداخلية.

ويخلص الكاتب إلى القول إن أخطاء الحكومة وسياسات تحميل الفئات الأضعف أعباء الأزمات يمكن أن تمنح اليمين المتطرف فرصة كبيرة للتوسع، فاليمين لا يكتفي باستغلال الغضب الاقتصادي والاجتماعي، بل يحوله إلى سرديات سياسية تقوم على وجود "أعداء" في الداخل والخارج، ويعد الناس باستعادة النظام والأمن من خلال دولة قومية أكثر سلطوية.

ويحذر الكاتب من أن اجتماع الأزمة الاقتصادية والغضب الاجتماعي والقومية المتطرفة وصناعة الأعداء قد يفتح الباب أمام خطاب يبرر التضييق باسم "حالات الطوارئ" والمصلحة القومية، على حساب النقاش الديمقراطي والشرعية السياسية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا