في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قد يبدأ التهجير أحيانا برصاصة أو بهجوم على منزل أو بسياج يمنع مزارعا من الوصول إلى أرضه، لكنه لا ينتهي عند حدود القرية، ففي الضفة الغربية يدفع تصاعد عنف المستوطنين وتوسع المستوطنات فلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم التي عاشوا فيها أجيالا، بينما تلوح أمامهم مخاوف أكبر مع تصاعد الحديث عن ضم أجزاء من الضفة.
وبين مزارعين يخشون الوصول إلى أراضيهم، وعائلات تُحاصَر داخل منازلها مع تناقص الماء والطعام، وأطفال غادروا مدارسهم بعدما تحولت إلى هدف للمستوطنين، تتفاقم المعاناة في أنحاء المنطقة كل يوم.
رؤساء الوزراء الآخرين الذين عملت معهم "لم يكونوا ليسمحوا بحدوث ذلك إطلاقا"
بواسطة أزرييل نيفو، شغل منصب السكرتير العسكري لأربعة رؤساء وزراء إسرائيليين
في قرية قصرة جنوبي نابلس مثلا، وجد أفراد من عائلة ريدي أنفسهم محاصرين داخل منازلهم، بينما كان أقاربهم في الولايات المتحدة يتابعون بعجز ما يجري عبر شاشات هواتفهم، وفق ما نقلته صحيفة غارديان البريطانية.
وفي بلدة بورين جنوبي نابلس، أصبح المزارع الفلسطيني بشار عيد عاجزا عن العمل في أرضه بعد إصابته في هجوم للمستوطنين، وقال إنه لم يعد يملك سوى الجلوس على سطح منزله ومراقبة محاولات التوغل في قريته، طبقا لما نقلته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.
وفي الداخل الإسرائيلي، صدرت هذا العام اتهامات صادمة بـ" التطهير العرقي" من قلب المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية ذاتها، وبالتحديد من رؤساء وزراء وجنرالات سابقين قادوا المنظومة الأمنية أنفسهم، ومارسوا عنفا شديدا في ماضيهم العسكري من اغتيالات وغارات مميتة ضد الفلسطينيين.
ويبرر هؤلاء لنيويورك تايمز أفعالهم السابقة بأنها كانت تتم بتسلسل قيادي ورقابة قانونية بحجة "حماية أمن إسرائيل"، أما عنف المستوطنين اليوم فهو منفلت وعشوائي ويستهدف المدنيين الأبرياء، بل ويشبه النازية، بحسب ما قالوه.
هذه القصص ليست حالات منفصلة؛ إذ أدى تصاعد عنف المستوطنين هذا العام وحده إلى نزوح أكثر من 3200 فلسطيني، وفق الأرقام التي أوردتها نيويورك تايمز نقلا عن الأمم المتحدة، أي ضعف معدل العام الماضي.
كما ارتفع متوسط عدد الفلسطينيين المصابين في هجمات المستوطنين من شخص واحد كل 3 أيام عام 2020، إلى أكثر من 3 أشخاص يوميا في عام 2026، بحسب الصحيفة ذاتها.
وترسم 3 تقارير نشرتها نيويورك تايمز ومجلة فورين بوليسي الأمريكية وغارديان صورة لواقع لا تتوقف آثاره عند حدود الضفة.
فبينما يوثق الأول كيف يدفع عنف المستوطنين الفلسطينيين إلى فقدان أرضهم ومنازلهم، يرصد الثاني مخاوف الأردن من أن استمرار الضم قد يدفع أعدادا كبيرة من النازحين نحو الأراضي الأردنية، بينما ينقل الثالث كيف باتت معاناة عائلات فلسطينية في الضفة تصل إلى منازل أقاربها في الولايات المتحدة.
وكشفت نيويورك تايمز جانبا من هذه المعاناة من خلال جولة ميدانية في الضفة الغربية نظمها اللواء الإسرائيلي المتقاعد يعقوب أور، ورافقتها الصحيفة في يونيو/حزيران الماضي.
واصطحب أور منذ السنة الماضية أكثر من 250 مسؤولا عسكريا وأمنيا وقانونيا ودبلوماسيا إسرائيليا سابقا إلى قرى ومناطق فلسطينية متضررة من عنف المستوطنين؛ بهدف أن يروا بأعينهم ما يحدث للسكان.
وفي قرية بورين، التقى المشاركون المزارع الفلسطيني بشار عيد، الذي قال إن هجوما شنه مستوطنون تركه يعاني إعاقة دائمة، وإنه لم يعد قادرا على الوصول إلى أرضه وزراعتها خشية التعرض لهجمات جديدة.
وقال لهم وهو يستند إلى عصاه إن المستوطنين يدخلون القرية بصورة متكررة، وإن أحدهم هدده بكسر ساقه الأخرى، مضيفا: "لا أعرف ماذا أفعل.. يريدون أخذ منزلي".
وعندما سأله أحد المشاركين في الجولة، وهو مدعٍ عام إسرائيلي سابق، لماذا لا يدافع الفلسطينيون عن أنفسهم، أجاب عيد بأنه يخشى أن يؤدي ذلك إلى مزيد من العنف ضد عائلته.
وأيد المنظم المتقاعد للجولة مخاوفه، قائلا إن أي رد فلسطيني عنيف قد يؤدي إلى انتقام أشد وإلى تدخل الجيش الإسرائيلي.
وفي منطقة حمامات المالح بالأغوار، توثّق نيويورك تايمز كيف لم تقتصر آثار العنف على المنازل والمزارع، بل طالت مدرسة كان أطفال المجتمع الفلسطيني يدرسون فيها.
"نحن لا ننام ولو ساعة واحدة.. إذا جاؤوا وأنت نائم، فلن تنجو"
بواسطة محمد خليل (37 عاما)
كانت الهجمات الليلية وعمليات الاقتحام قد دفعت معظم السكان إلى الرحيل، وفي فبراير/شباط لم يكن سوى عدد قليل من العائلات لا يزال متمسكا بالبقاء داخل مبنى حجري يعود إلى العهد العثماني، بينما كان الأطفال قد غادروا المدرسة قبل ذلك بأيام.
وقال محمد خليل، البالغ 37 عاما، والذي وُلد في المنطقة كما وُلد والده فيها، إن العائلات كانت تعيش في خوف دائم "نحن لا ننام ولو ساعة واحدة.. إذا جاؤوا وأنت نائم، فلن تنجو".
وبحلول مارس/آذار، غادر خليل وبقية السكان الذين بقوا في المنطقة بعد سلسلة من الاعتداءات والسرقات والهجمات التي نفذها مستوطنون.
وبعد ذلك، قال سكان وناشطون إن مستوطنين وصلوا بجرافة ودمّروا المدرسة، ووثق ناشط إسرائيلي يُدعى إيلي أفيدور مشاهد قال إنها تظهر مستوطنات ينهبن دفاتر وأقلاما من مبنى المدرسة، بحسب تقرير نيويورك تايمز.
وعندما زار الجنرالات الإسرائيليون المتقاعدون الموقع في يونيو/حزيران، لم يجدوا المجتمع الذي كان يعيش هناك، بل بقايا مدرسة مدمرة وأوراقا وكُتبا متناثرة بين الركام.
وقال الجنرال المتقاعد نحميا داغان، البالغ 86 عاما، وهو أحد المشاركين في الجولة، أمام المشهد "عندما تحرق الكتب، وعندما تدمر المعرفة وتهاجم الأطفال، فأنت مثل الألمان".
اللواء إيال بن رؤوفين -الذي خاض حرب 1973، وقاد فرقة في الضفة الغربية، ثم قاد القوات البرية الإسرائيلية في حرب 2006 ضد حزب الله- قال بعد الاستماع إلى الفلسطينيين ومشاهدة آثار الاعتداءات: "ما يفعله المستوطنون هنا هو التهديد الحقيقي لإسرائيل"، معتبرا أنه أكثر إثارة للقلق بالنسبة إليه من إيران وغزة ولبنان.
أما العميد المتقاعد ووزير الصحة السابق إفرايم سنيه فوصف الهجمات بأنها "تطهير عرقي" -وفقا للصحيفة- وأضاف أزرييل نيفو، الذي شغل منصب السكرتير العسكري لأربعة رؤساء وزراء، إن رؤساء الوزراء الآخرين الذين عمل معهم "لم يكونوا ليسمحوا بحدوث ذلك إطلاقا".
بدوره، قال الجنرال المتقاعد في سلاح الجو أساف أغمون، لنيويورك تايمز، إن ما يجري يهدد القيم التي يُفتَرض أن تحمي إسرائيل، مضيفا أنه يشعر بالخجل مما يفعله إسرائيليون بالفلسطينيين.
وتأتي هذه المواقف في وقت وقع فيه أكثر من 200 إسرائيلي بارز، بينهم جنرالات متقاعدون ورئيسا وزراء سابقان ومسؤولون سابقون في أجهزة الاستخبارات، رسالة تطالب بوقف ما وصفته بـ"الإرهاب اليهودي" و"التطهير العرقي" في الضفة الغربية، بحسب التقرير نفسه.
لكن أهمية هذه المواقف لا تكمن في الخلاف السياسي داخل إسرائيل، بل في أنها تعكس -كما يظهر من شهادات الفلسطينيين التي أوردتها الصحيفة- حجم التغيير الملموس الذي طرأ على حياتهم في الآونة الأخيرة، وتصاعد العنف لدرجات غير مسبوقة.
ولا تقتصر تداعيات تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية على الفلسطينيين الذين يعيشون تحت تهديد الهجمات والتهجير، بل بدأت تمتد إلى خارجها، لتصل إلى عائلات فلسطينية في الولايات المتحدة وإلى حسابات دول الجوار.
وترصد غارديان كيف بات العنف في الضفة حاضرا في حياة الجالية الفلسطينية والعربية في مدينة توليدو بولاية أوهايو، بعدما أصبح أفراد عائلات فلسطينية أمريكية يتابعون عبر هواتفهم ما يتعرض له أقاربهم وممتلكاتهم في الضفة.
وتقول الصحيفة إن الحرب على غزة وتصاعد عنف المستوطنين أدخلا الصراع إلى شوارع ومنازل مدن أمريكية كانت تنظر إلى أحداث الشرق الأوسط بوصفها قضية بعيدة، مما أدى إلى احتجاجات واعتقالات وعرائض وضغوط محلية على المسؤولين، بالتزامن مع اتساع الفجوة بين الموقف الرسمي الأمريكي والرأي العام.
وفي تحليل نشرته فورين بوليسي في 31 أغسطس/آب، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة تمبل شون يوم أن الأردن بات ينظر إلى احتمال ضم إسرائيل أجزاء من الضفة الغربية باعتباره تهديدا أكبر من الحرب مع إيران.
فالضم -بحسب التحليل- قد يدفع أعدادا كبيرة من الفلسطينيين إلى الأردن، مما يفاقم التوترات الديموغرافية والسياسية القائمة، ويضغط على اقتصاد يعاني أصلا من ارتفاع الدين والبطالة والفقر.
ويطرح المحلل سيناريوهين رئيسيين لضم الضفة الغربية، ويختلف أثر كل منهما على الأردن بحسب حجم الأراضي التي ستضمها إسرائيل وطبيعة التعامل مع الفلسطينيين:
وبين منزل محاصر في قصرة، ومزرعة لم يعد صاحبها قادرا على الوصول إليها في الأغوار، وقرية أُفرغت من سكانها ومدرسة سويت بالأرض، تتضح صورة واحدة: الفلسطينيون هم من يدفعون الثمن المباشر لتصاعد العنف والاستيطان في الضفة الغربية.
أما الأصوات الإسرائيلية والأردنية والأمريكية التي تتعالى للتحذير من تداعياته، فتعكس اتساع دائرة الأزمة، لكن جذورها تبقى في حياة فلسطينيين باتوا يخشون على بيوتهم وأراضيهم وأطفالهم، وعلى قدرتهم ببساطة على البقاء في المكان الذي عاشوا فيه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة