يصف الآباء والأمهات في تونس الانتظار بأنه حياة معلقة بين الأمل والخوف. تقول عائلة حمادي إن والدة الابن أصيبت بالمرض والعمى وأصبحت مقعدة، وإن الحزن خيم على الأسرة وأخواته. وتقول شقيقة علاء الغريسي إن أصعب ما في الأمر أن يعيش الإنسان كل يوم من دون معرفة ما إذا كان أخوه بخير أو يحتاج إلى مساعدة أو تعرض لمكروه.
وفي مصر ، تعيش أسر العشرات من الشباب على أمل معرفة أي معلومة عن مصير أبنائهم خاصة من أسقطت عنهم الجنسية، آملين في انتهاء الحرب وحدوث صفقة تبادل أو حتى الوصول إلى جثامين أبنائهم.
وفي العراق ، يظل ذوو المفقودين ينتظرون أشهرًا قبل أن تتضح حقيقة الوفاة أو الأسر، وسط تكتم من السلطات الروسية وجهد قليل تبذله السلطات العراقية في هذا الشأن، بحسب ما يقول ذوي الشباب.
في تونس ، تجمعت العائلات أمام وزارة الشؤون الخارجية وهي تحمل صور الأبناء وجوازات السفر والمراسلات والوثائق العسكرية وشهادات الوفاة، وطالبت بتحقيق رسمي شامل في الاختفاءات، والتثبت من وثائق الوفاة، والتحقيق في ظروف توقيف بعض الشباب والقضايا المرتبطة بهم، وكشف الوسطاء والجهات التي ساهمت في سفرهم أو استقطابهم عبر الإنترنت. كما طالبت بتحرك دبلوماسي عبر السفارات والقنوات الرسمية.
وفي مصر، ناشدت أسرة عبد الرحمن السلطات الروسية إعادة الجثمان، وطالبت أسرة سنوسي الحكومة بالعدول عن إسقاط جنسيته والتدخل لمساعدته بوصفه، وفق روايتها، شابًا مظلومًا جرى الإيقاع به. تؤكد الجريدة الرسمية المصرية أن إسقاط الجنسية طال 30 شابًا مصريًا خلال عامي 2025 و2026 بسبب "الالتحاق بالخدمة العسكرية بدولة أجنبية دون ترخيص سابق"، وإن مقارنة الأسماء الرسمية بقاعدتي "إنباكت" للتحقيقات و"أريد أن أعيش" التابعة للسلطات الأوكرانية أظهرت أن الأسماء المرصودة تعود إلى شباب شاركوا في "وحدة المشاة الميكانيكي" بالجيش الروسي .
تظهر ردود فعل الحكومات المصرية والعراقية والتونسية ضمن مسارات مختلفة. ففي تونس، تقول العائلات إنها توجهت إلى وزارة الشؤون الخارجية والسفارة التونسية في روسيا واللجنة الدولية للصليب الأحمر، لكنها لم تحصل، وفق شهاداتها، على معلومات واضحة بشأن عدد من المفقودين، وبعضها أبلغ منذ عامين ولم يتلق ردًا. وتقول سعاد سحباني إنها تلقت تطمينات بأن تجنيد تونسيين من دون موافقتهم غير مسموح به، لكنها فقدت الاتصال بابنها بعد ذلك. وتطالب العائلات الدولة بالضغط الدبلوماسي، وفتح تحقيق رسمي، وحماية المواطنين مهما كانت ظروف سفرهم.
وفي مصر، اتخذت الحكومة مسارًا قانونيًا - بجانب إسقاط الجنسية - وهو أنها فرضت تصريحًا أمنيًا على الشباب المسافرين إلى روسيا منذ فبراير/ شباط 2025، واتجهت إلى حصر أعداد الشباب المصريين في سن التجنيد الموجودين في روسيا وأوكرانيا، مع عقد لقاءات للمسؤولين مع الجالية المصرية في الخارج لتوعيتها.
ويصف الدكتور نبيل رشوان، خبير الشؤون الروسية لـ DW عربية التحركات المصرية بأنها طبيعية في ضوء العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية الجيدة مع روسيا، معتبرًا أن القاهرة تلجأ إلى المسارات القانونية والأمنية بدل ممارسة ضغوط شديدة. لكن الأسر تطالب، في المقابل، بحماية من يقولون إنهم جُندوا تحت الضغط، وبالتدخل لمصلحة الأسرى وإعادة الجثامين.
وفي العراق، أعلنت السلطات القبض على متورطين محتملين وفتح تحقيقات، كما قامت بإنشاء خط ساخن ولجنة لإعادة العراقيين. بدورها، حذرت السفارة العراقية في روسيا من محاولات "استدراج أو توريط" عراقيين تحت ذرائع مختلفة، ودعت أبناء الجالية إلى الحيطة وعدم الانجرار وراء الأساليب المضللة.
داخلياً، ألقت القوات العراقية القبض على أشخاص من جنسيات مختلفة للتحقيق معهم جنائيًا للاشتباه في تورطهم في الاتجار بالبشر، واكتشفت مكاتب تجنيد غير قانونية في المحافظات الجنوبية. وقالت السلطات العراقية إن تجنيدًا يتم من جانب روسيا، وكذلك من جانب أوكرانيا، لاستغلال القوة البشرية الشابة، وهو ما نفته أوكرانيا بشدة.
في هذا السياق يقول المرصد العراقي لحقوق الإنسان (IOHR) إن تصريحات السفير الروسي في العراق، ألبروس كوتراشيف، التي أدلى بها في مقابلة نشرتها وكالة شفق نيوز في عام 2025، تمثل تسويقاً علنياً ومقلقاً لفكرة تجنيد مواطنين عراقيين للمشاركة في الحرب الروسية ضد أوكرانيا، في انتهاك واضح لسيادة العراق، وللقانون الدولي الذي يحظر تجنيد المدنيين في النزاعات المسلحة.
وقال مستشار الأمن القومي العراقي سعيد الجياشي إن العراقيين يتم استقطابهم بتأشيرات العمل والدراسة وحتى عروض الزواج التي "تتحول إلى عقود تجنيد"، وإن بعضهم ينتهي قتيلًا أو أسير حرب. وفي الوقت نفسه، أشارت وسائل إعلام عراقية إن بدء تحقيقات أوروبية مع نائب برلماني عراقي للاشتباه في نقل مقاتلين إلى روسيا.
بحسب روايات الأهالي والشباب الذي سافروا ليجدوا أنفسهم في ساحة قتال محتدم فإن الطرق التي انتهت بهم إلى ذلك المصير تتنوع بين طموحات الثراء والعمل والحصول على الجنسية أو السفر لاستكمال الدراسة، ووقع بعضهم بالفعل وبكامل ورغبته على أوراق الانضمام للجيش الروسي، فيما وقع بعضهم ضحية لعمليات خداع خُيّر بعدها بين السجن لفترة طويلة أو قضاء عام في صفوف الجيش الروسي.
أحد الرسائل التحفيزية على مجموعة بتطبيق تيليغرام أغلب أعضاؤها من الشباب العراقيينصورة من: DWوبحسب خبراء قانونيون وحقوقيون، تتوقف المسؤولية القانونية في كل قضية على معرفة طبيعة العقد، وما إذا كان الشاب يعلم أنه سينضم إلى جيش أجنبي، وما إذا كان توقيعه تم بحرية أو تحت ضغط، وما إذا كانت القضايا التي سبقت التجنيد حقيقية أو ملفقة. فمثلاً، أجمعت منظمات دولية (مثل الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان FIDH ومنظمة Truth Hounds ) في تقاريرها الحقوقية على أن حالات الخداع والضغط تُصنف قانونياً كـ " جرائم اتجار بالبشر " (Human Trafficking).
وتؤكد منظمات حقوقية وخبراء قانونيون أن معظم قوانين الدول العربية (ومعظم دول العالم) تُجرم صراحة القتال لصالح جيوش أو جماعات مسلحة أجنبية. فمثلاً، تنص "مجلة الجنسية التونسية" في الفصل 32 على إمكانية فقدان التونسي جنسيته إذا باشر عملًا لفائدة دولة أجنبية أو التحق بجيش أجنبي واستمر في ذلك رغم إنذاره من الحكومة التونسية بالتخلي عنه، مع استثناءات مرتبطة بحالات التعذر. كما يمكن إسقاط الجنسية في حالات تتصل بأعمال لفائدة دولة أجنبية تتعارض مع الصفة التونسية أو تضر بمصالح تونس.
أما في مصر، فاستند إسقاط جنسية محمد رضوان سنوسي، وكذلك الشباب الثلاثين الذين رصد التحقيق إسقاط جنسيتهم، إلى الالتحاق بالخدمة العسكرية في دولة أجنبية دون ترخيص سابق، وفق قانون الجنسية المصري رقم 26 لسنة 1975. وكان سنوسي قد ظهر في فبراير/ شباط 2025 بفيديو منشور على منصة "يوتيوب" من داخل الأسر الأوكراني رفقة الصحفي ديمتري كاربينكو ليُتخذ قرار إسقاط الجنسية عنه بعد اللقاء مباشرة.
قرار إسقاط الجنسية المصرية عن محمد عصام محمد عمارة نظراً لالتحاقه بالجيش الروسي دون إذن من السلطات المصريةصورة من: DWلكن هذه النصوص القانونية لا تحسم وحدها مصير من تقول أسرهم إنهم تعرضوا للاستدراج أو الإكراه. فالمادة التونسية تؤكد أن كل ملف يحتاج إلى دراسة فردية، تراعي حمل جنسية أجنبية من عدمه، والإقامة في الدولة الأجنبية، والالتزامات القانونية تجاهها، ومدى معرفة الشخص بطبيعة العقد، وما إذا كان التجنيد تم بمحض إرادته أو تحت الضغط. وهو ما ينطبق على الحالات المصرية والعراقية أيضًا، إذ لا يمكن مساواة من اختار القتال طوعًا بمن يقول إنه خُير بين السجن والتجنيد أو خدع بشأن الوظيفة التي سافر من أجلها.
تكشف القصص المصرية والتونسية والعراقية عن مسار عابر للحدود يجمع بين الحاجة الاقتصادية، وشبكات الاستقطاب الرقمية، والوسطاء والشركات والوكالات، والتأشيرات التي تبدو سياحية أو تجارية أو دراسية، ثم القضايا الجنائية أو الضغوط القانونية والعسكرية.
ويضع تشابه الروايات الحكومات أمام أسئلة مشتركة: كيف وصلت عروض التجنيد إلى الشباب؟ وما حجم الجهد الذي تبذله حكومات الدول التي يسافر منها الشباب للالتحاق بالجيش الروسي؟ وكيف يمكن أن تنشط عناصر من البلد نفسه او من جهات أجنبية على الأرض أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل وتتمكن من تجنيد الشباب؟ وكيف تمكن البعض من تنظيم رحلات طيران من خلال شركات سياحية او برامج دراسة كانت واجهة لممارسة عمليات التجنيد والإيقاع بالشباب العربي؟ وماذا عن الشباب الذي سقطوا ضحية لهذه العمليات وأين دعم حكومات بلادهم لهم ولأسرهم؟ ولماذا تتأخر الجثامين والمعلومات الرسمية؟ كلها أسئلة تبقى إلى الآن بلا إجابة.
تطالب عشرات الأسر التونسية حكومة بلادها بالعمل على معرفة مصير أبنائهم في روسياصورة من: DWوبينما تستمر الحرب، تبقى العائلات في البلدان الثلاثة عالقة بين صورة بزي عسكري، ومكالمة أخيرة تطلب الدعاء، ووثيقة وفاة لا تبدو حاسمة، ورسالة من أسير أو مفقود، ووعود بالعودة لم تتحقق.
في تونس، تختصر الأسر مطلبها بعبارة "نريد فقط أن نعرف أين هم أبناؤنا". تقول سعاد السحباني ام الشاب التونسي منتصر: "أريد جثة ابني على الأقل" وفي مصر، تنتظر عائلات الأسرى والمفقودين تدخل الدولة وإعادة الجثامين أو إدراج أبنائها في صفقات تبادل. تقول أسرة محمد رضوان سنوسي الذي أُسقطت عنه الجنسية إن ابنها "مظلوم تم الإيقاع به". وفي العراق، تنتظر الأسر كشف مصير الجثامين المكدسة في المستودعات والقبور المجهولة.
أما السؤال الأكبر الذي يجمع الأسر في البلدان الثلاثة، فهو ليس فقط كيف مات هؤلاء الشباب، بل كيف انتقلوا أصلًا من أحلام الدراسة والعمل إلى حرب لم تكن مشروعهم الأول.
تحرير: عماد غانم
المصدر:
DW