نشرت مجلتا فورين أفيرز وناشونال إنترست الأمريكيتان مقالين تناولا تقييم تعامل إدارة الرئيس دونالد ترمب في الحرب مع إيران على ضوء ما اشتُهر بـ"مبدأ باول"، نسبة إلى الجنرال كولن باول وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، و"قاعدة السنوات العشر"، التي اتبعتها بريطانيا عام 1919 وطوال الفترة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.
في المقال الذي نشرته فورين أفيرز، ترى الكاتبة كوري شاكي أن الحرب الأمريكية ضد إيران أعادت إحياء النقاش حول "مبدأ باول"، الذي نشأ أصلاً من دروس الفشل في لبنان عام 1983، لا من نجاح حرب الخليج.
ويقوم المبدأ الذي كان قد صاغه في البداية وزير الدفاع الأمريكي الأسبق كاسبار واينبرغر وطوّره باول، على عدم اللجوء إلى القوة إلا عندما تكون المصالح الحيوية مهددة، مع أهداف واضحة، وموارد كافية، ودعم شعبي ودولي، وإستراتيجية خروج محددة، واستخدام قوة حاسمة تضمن النصر.
وتجادل الكاتبة بأن الميل إلى خوض حروب قصيرة وسريعة، كما فعلت إدارة ترمب، يتجاهل هذه الشروط، ما يزيد خطر الانزلاق إلى صراعات مفتوحة ونتائج غير محسوبة، ويجعل وهم الحسم السريع بديلاً عن التخطيط الإستراتيجي المتكامل.
وترى شاكي أن "عقيدة باول" وُضعت لضمان ألا تلجأ الولايات المتحدة إلى القوة العسكرية إلا عند الضرورة القصوى، ضمن إستراتيجية واضحة تجمع بين الأهداف السياسية والعسكرية، وتحظى بدعم داخلي ودولي، وتحافظ على أرواح الجنود.
ورغم الانتقادات التي وُجهت إليها، ظل كولن باول يدافع عنها، معتبرا أن الجنود لا ينبغي أن يُزج بهم في حروب غامضة الأهداف. لكن المفارقة أن باول نفسه شارك لاحقا في التخطيط لحربي أفغانستان والعراق، رغم أنهما لم تستوفيا معايير عقيدته.
وتجاوزت إدارة ترمب، وفقا للكاتبة، هذه المبادئ بصورة أوضح عندما شنت حربا على إيران من دون أهداف محددة، أو تفويض من الكونغرس، أو إستراتيجية خروج، أو استنفاد الخيارات الدبلوماسية.
وبينما اعتبر بعض المحللين هذا النهج "عقيدة مناهضة لباول"، تؤكد الكاتبة أن تطورات الحرب كشفت نقاط ضعفه، وأن تجاهل هذه المبادئ يزيد مخاطر الانزلاق إلى صراعات مفتوحة، ما يجعل تلك العقيدة ما تزال الإطار الأكثر فاعلية لتقرير متى وكيف تخوض الولايات المتحدة حروبها.
وتلفت الكاتبة إلى أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمثل مصلحة حيوية للأمن القومي الأمريكي، وأن الضربات الأمريكية خلال "حرب الأيام الاثني عشر" عام 2025 امتلكت هدفا واضحا وإستراتيجية خروج، رغم افتقارها إلى تفويض الكونغرس والدعم الدولي الكامل، لكنها تؤكد أن قرار ترمب استئناف الحرب في فبراير/شباط 2026 افتقر إلى المقومات نفسها، إذ طرح أهدافا متشعبة شملت تدمير البرنامج النووي والصواريخ والقوات البحرية الإيرانية، وإنهاء نفوذ طهران الإقليمي، بل والإيحاء بتغيير النظام، من دون توفير الموارد الكافية لتحقيقها.
وتشير الكاتبة إلى تناقض الإدارة، بعدما أعلن ترمب سابقا أن البرنامج النووي الإيراني "أُبيد بالكامل"، ما أثار تساؤلات حول مبررات الحرب الجديدة. كما تلفت إلى أن رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين حذّر من اتساع الفجوة بين الأهداف والإمكانات، مؤكدا أن نجاح المهمة يتطلب تعاون الحلفاء، وهو ما عكس، بحسب الكاتبة، خللاً في التخطيط الإستراتيجي وفشلاً في مواءمة الأهداف العسكرية مع القدرات المتاحة.
وترى شاكي أن إدارة ترمب أخفقت في تقدير تبعات الحرب، إذ لم تستعد لاحتمال إغلاق مضيق هرمز وما قد يسببه من اضطرابات اقتصادية وإفشال للأهداف الأمريكية، كما لم تعزز دفاعات حلفائها أو تستعد لاستنزاف مخزونها من الذخائر وتراجع جاهزيتها العسكرية.
انتقدت كوري شاكي تجاهل إدارة ترمب للحلفاء، موضحة أن عدم التشاور معهم أضعف الدعم الدولي للحرب وأثار شكوكا حول قيمة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة
وتؤكد أن الحرب أضعفت ثقة الحلفاء بقدرة واشنطن على التشاور وحماية مصالحهم. كذلك، توضح الكاتبة أن الإدارة انتهكت أحد أهم مبادئ "عقيدة باول"، وهو اعتبار القوة العسكرية الخيار الأخير، إذ بدأت العمليات بينما كانت المفاوضات مع إيران مستمرة، وقبل استنفاد أدوات الضغط الاقتصادي التي كان يمكن استخدامها بديلاً عن التصعيد العسكري.
كذلك أخفقت إدارة ترمب، حسب تقدير شاكي، في تطبيق أحد أهم مبادئ باول، وهو ضرورة إعادة تقييم الحروب وفق إستراتيجية ثابتة، لا عبر تغييرات متناقضة ومواقف متقلبة. وتشير إلى أن قرارات ترمب وتصريحاته بشأن إيران تراوحت بين التصعيد والتراجع، ما عكس غياب رؤية واضحة لإنهاء الحرب.
كما أكدت أن الإدارة لم تسع إلى بناء دعم شعبي أو برلماني، إذ أظهرت استطلاعات الرأي تراجع التأييد للحرب وارتفاع المعارضة لها. كذلك فشلت في تحديد معيار واضح للنصر، بعدما انتقلت من هدف تغيير النظام إلى القبول ببقاء قدرات إيرانية أساسية.
وتذهب الكاتبة إلى أن غياب الأهداف المحددة والإستراتيجية المستقرة أدى إلى إضعاف الموقف الأمريكي وتقويض فرص تحقيق نهاية ناجحة للصراع.
كما أن غياب الالتزام بتحقيق النصر في حرب إيران أدى، كما تشير شاكي، إلى غياب إستراتيجية واضحة للخروج، وهي إحدى الركائز الأساسية التي أضافها باول إلى مبادئ استخدام القوة العسكرية.
وتشير إلى أن توسع الأهداف الأمريكية وتصاعد الضربات المتبادلة لم يغيرا جوهر الصراع، بينما يبدو أن الرهان على انهيار النظام الإيراني غير واقعي. كما تنتقد تجاهل إدارة ترمب للحلفاء، موضحة أن عدم التشاور معهم أضعف الدعم الدولي للحرب وأثار شكوكا حول قيمة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. وفي المقابل، أثبتت إيران قدرتها على تحمل الضربات، والحفاظ على نفوذها، وتهديد مضيق هرمز.
وتخلص الكاتبة إلى أن الحروب معقدة، وأن الالتزام بمبادئ باول لا يضمن النجاح، لكنه كان سيجنب الولايات المتحدة كثيرا من مواطن الفشل التي ظهرت خلال هذه الحرب.
وتقول شاكي أيضا إن إدارة ترمب لا تبدو مستعدة لاستخلاص الدروس من إخفاقات حرب إيران، إذ تميل إلى إنكار الانتكاسات وتقديمها باعتبارها نجاحات، بينما تتجاهل تقديرات المؤسسات العسكرية والاستخباراتية عندما لا تتوافق مع رؤيتها.
وتتوقع الكاتبة استمرار الضربات المحدودة والمفاوضات غير الحاسمة، ما قد يؤدي إلى إضعاف مكانة الولايات المتحدة وتقويض ثقة حلفائها بها. وتؤكد أن الالتزام بـ"عقيدة باول" كان يمكن أن يمنع هذه الخسائر، أو على الأقل يساعد في صياغة مخرج واقعي من الأزمة عبر الاعتراف بالقيود السياسية والعسكرية.
وتدعو الكاتبة إلى دور أكبر للكونغرس في فرض مسار أكثر انضباطا، من خلال تفويض واضح باستخدام القوة لحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز، مع فصل ذلك عن ملف البرنامج النووي الإيراني، متوقعة أن يضطر الكونغرس أخيرا إلى استعادة دوره الرقابي بسبب مخاوف الجمهوريين من خسارة أغلبيتهم نتيجة سياسات ترمب المتعثرة. وتشير إلى أن المجلس يستطيع الضغط عبر استدعاء المسؤولين، وتقييد تحركات القوات، واستخدام سلطة الإنفاق لمنع تمويل الحرب دون خطة تتوافق مع مبادئ "عقيدة باول".
وتؤكد أن تكلفة الحرب، التي تجاوزت عشرات مليارات الدولارات، تمنح الكونغرس أداة مهمة للتأثير في مسارها، وتخلص إلى أن تحقيق نصر واضح في إيران أصبح صعبا، لكن تجنب هزيمة كارثية ما زال ممكنا إذا تحرك الكونغرس لتصحيح المسار.
وفي مجلة ناشونال إنترست، يرى الكاتب والمحلل الأمريكي كريستوفر كارول الذي يركز في كتاباته على قضايا الأمن القومي، والإستراتيجية العسكرية، والقدرات الدفاعية الأمريكية، والعلاقة بين السياسة والاقتصاد في بناء القوة العسكرية، أن حرب إيران كشفت نهاية "قاعدة السنوات العشر" غير المعلنة التي حكمت التخطيط الدفاعي الأمريكي طوال العقود الثلاثة الماضية، والمبنية على افتراض أن الحروب ستكون قصيرة، وأن التكنولوجيا الدقيقة ستعوّض نقص الكميات، وأن مخزونات الأسلحة لن تُستنزف بشكل خطير.
ويستحضر الكاتب تجربة بريطانيا بين الحربين العالميتين، حين افترضت لندن عام 1919 أنها لن تخوض حربا كبرى خلال السنوات العشر التالية، ما أدى إلى تقليص الإنفاق الدفاعي وتراجع القدرات الصناعية. وعندما أدركت الخطر بعد صعود اليابان وألمانيا، اكتشفت أن الأموال المتأخرة لا تستطيع إعادة بناء القدرات الصناعية بسرعة، وأن مقاتلات "سبيتفاير" ومحطات الرادار التي أنقذت بريطانيا عام 1940 كانت جاهزة بالكاد قبل الحرب بعام.
ويؤكد كارول أن الحرب على إيران أجرت "تدقيقا عمليا" للترسانة الأمريكية، وكانت النتيجة سلبية؛ إذ استُهلكت كميات كبيرة من صواريخ الدفاع الجوي والهجوم، بما في ذلك صواريخ " ثاد" و" باتريوت" و" توماهوك"، بينما تواجه الولايات المتحدة صعوبات في إعادة الإنتاج.
ويشير الكاتب إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في نقص التمويل، بل في ضعف القدرة الصناعية التي لا يمكن استعادتها بسرعة بمجرد تخصيص الأموال. فخط إنتاج صواريخ توماهوك، على سبيل المثال، ينتج عشرات الصواريخ سنويا فقط، رغم خطط رفع الإنتاج إلى مستويات أعلى بكثير.
ويخلص كارول إلى أن الولايات المتحدة تواجه لحظة مشابهة لبريطانيا قبل الحرب العالمية الثانية؛ إذ سبقت الالتزامات الإستراتيجية القدرات العسكرية المتاحة. فالتفوق التكنولوجي وحده لم يعد كافيا، والوقت اللازم لبناء قاعدة صناعية دفاعية قوية لا يبدأ بعد اندلاع الحرب، بل قبلها بسنوات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة