ضخت إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أموالا غير مسبوقة في الحملات الرقمية والمؤثرين وشركات العلاقات العامة داخل الولايات المتحدة ، بهدف وقف تدهور صورتها بين المحافظين والإنجيليين والشباب.
لكن الأرقام تكشف مفارقة معاكسة، فكلما اتسعت ماكينة التأثير، اتسع التعاطف مع الفلسطينيين، وتراجع التأييد لإسرائيل، وانتقل الخلاف إلى صناديق الاقتراع والكونغرس.
يقدم عمر بن يعقوب صحفي هآرتس، صورة مفصلة للإنفاق، ففي تقريره المنشور يوم 19 يوليو/تموز 2026، قدر الالتزامات الحكومية الموثقة للحملات الخارجية منذ بدء الحرب بنحو 100 مليون دولار، وشمل ذلك حملة لمكتب الإعلان الحكومي بقيمة 174 مليون شيكل (نحو 52 مليون دولار)، نال منها غوغل 90 مليون شيكل، ويوتيوب 60 مليونا، ومنصة إكس 10 ملايين، ومنصتا "أوتبرين" و"تيدز" 14 مليونا.
ويشير ذلك إلى بنية تأثير طويلة المدى لحماية العلاقة مع اليمين الأمريكي.
وتضاف إلى هذه الأموال 25 مليون شيكل (8 ملايين و165 ألف دولار) لنحو 100 منظمة ومؤثر، و20 مليونا (6 ملايين و532 ألفا و640 دولارا) لإنتاج المقاطع وتوزيعها، كما قفزت ميزانية الدبلوماسية العامة من 545 مليون شيكل (نحو 178 مليون دولار) عام 2025 إلى 2.35 مليار شيكل (قرابة 730 مليون دولار) لعام 2026، وهذه ميزانية عالمية لا تخص الولايات المتحدة وحدها.
كشف تحقيق "تايم" الذي نشره إريك كورتيليسا في 14 يوليو/تموز، كيف تحولت الأموال إلى أدوات تنفيذية، فقد تعاقدت إسرائيل مع شركة "كلوك تاور إكس" التابعة لبراد بارسكيل، مدير حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الرقمية السابق، مقابل 1.5 مليون دولار شهريا.
وتعهدت الشركة بإنتاج 100 مادة أصلية شهريا، وتوجيه 80% منها إلى جيل "زد" عبر تيك توك وإنستغرام ويوتيوب والبودكاست، وتحقيق 50 مليون ظهور رقمي كل شهر، كما تضمنت الخطة التأثير في الطريقة التي تقدم بها أنظمة الذكاء الاصطناعي المعلومات المتعلقة بإسرائيل والحرب.
لكن بعد الاتفاق الأميركي مع إيران، ظهرت منشورات متزامنة لمؤثرين محافظين تهاجم ترمب ونائبه جيه دي فانس، مما أثار شكوكا داخل الإدارة في وجود حملة إسرائيلية ضد سياستها، وهكذا انقلبت العملية إلى مصدر توتر مع القيادة الأقرب لإسرائيل.
نقل إيتامار آيخنر، مراسل الشؤون الدبلوماسية في يديعوت أحرونوت يوم 17 يوليو/تموز عن مسؤول إسرائيلي قوله: "دفعنا الكثير من المال، لكن الوضع ازداد سوءا"، واتهم فانس جهات إسرائيلية بإدارة حملة ممولة لتعطيل سياسته، بما هدد الثقة مع البيئة السياسية المستهدفة.
وتدافع وزارة الخارجية الإسرائيلية عن البرنامج، مؤكدة أن هدفه "تعزيز التحالف الإستراتيجي" ومواجهة الكراهية، غير أن الخلاف يتعلق بمعيار النجاح، فالوزارة تقيس الوصول في حين يقيس المنتقدون اتجاهات الجمهور والثقة السياسية.
كما نقل آيخنر عن مسؤولين أن بعض السفارات لم تبلغ بالحملات، وأن شركات علاقات عامة عقدت لقاءات مع صحفيين وصناع قرار من دون حضور السفراء، فيما وُصفت الوفود بأنها "أقنعت المقتنعين"، مما يكشف خللا بين الإنفاق المركزي والخبرة المحلية.
يتزامن تضخم الإنفاق مع تراجع في الرأي العام، فبحسب استطلاع معهد "بيو"، ارتفعت نسبة الأميركيين ذوي النظرة السلبية إلى إسرائيل من 42% عام 2022 إلى نحو 60% في مارس/آذار 2026.
وأظهر استطلاع "غالوب" -وفق تقرير "يسرائيل هيوم" المنشور في 27 فبراير/شباط- أن 41% تعاطفوا مع الفلسطينيين مقابل 36% مع الإسرائيليين، لأول مرة منذ بدء القياس عام 2001.
وكان التحول أشد بين المستقلين، إذ تعاطف 41% مع الفلسطينيين مقابل 30% مع إسرائيل، وبين الجمهوريين بقي التعاطف مع إسرائيل عند 70%، لكنه تراجع عشر نقاط إلى أدنى مستوى منذ 2004، أما بين الشباب من 18 إلى 34 عاما، فتعاطف 53% مع الفلسطينيين مقابل 23% فقط مع إسرائيل.
ويظهر استطلاع "أسوشيتد برس نورك" عمق التحول الديمقراطي، إذ رأى 58% من الديمقراطيين أن واشنطن تدعم إسرائيل أكثر من اللازم، مقارنة بـ45% مطلع عام 2024، بينما قال 62% إن الفلسطينيين لا يحصلون على دعم كاف، ورأى نحو ثلث الأميركيين أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، وبلغت النسبة قرابة النصف بين الديمقراطيين ونحو 30% بين اليهود الأمريكيين.
يرى كاتب العمود في يديعوت أحرونوت بن درور يميني أن الحملة "انقلب فيها السحر على الساحر"، وأن إصلاح أضرارها قد يحتاج إلى ضعفي أو ثلاثة أضعاف ما أُنفق عليها، لكنه يضع السبب الأعمق خارج غرف الإعلان: "ليست المشكلة في الدعاية، بل في السياسة".
ويعيد يميني التراجع إلى صدام رئيس الوزراء الإسرائيلي تستطيع شراء الوصول الرقمي ودعم مرشحين، لكنها لا تستطيع شراء اقتناع جمهور يرى الحرب مباشرة.
ويعزز معهد دراسات الأمن القومي هذا الاستنتاج، ففي دراسة لتيد ساسون وأفيشاي بن ساسون غوردس، نُشرت في 26 مارس/آذار 2026، حذر الباحثان من انتقال العلاقة مع إسرائيل من توافق ثنائي الحزبين إلى قضية داخلية خلافية، بفعل تراجع الدعم بين الديمقراطيين والشباب والاعتراض داخل حركة " ماغا".
ولا يعني انهيار الصورة انتهاء النفوذ، فما زالت اللوبيات المؤيدة لإسرائيل قادرة على ضخ الأموال في الانتخابات وحماية المساعدات داخل الكونغرس.
وقد أنفقت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية ( أيباك) والجماعات المرتبطة بها قرابة 30 مليون دولار لدعم هايلي ستيفنز في انتخابات مجلس الشيوخ التمهيدية بميشيغان، فيما تجاوز الدعم الخارجي الذي قدمته 50 مليونا.
وستكشف انتخابات 4 أغسطس/آب ما إذا كان المال قادرًا على تعويض خسارة الشعبية أمام عبد السيد، الناقد للحرب والدعم غير المشروط.
وفي الكونغرس، سقط مقترح وقف 3.3 مليارات دولار من المساعدات العسكرية بنتيجة 314 مقابل 104 أصوات، لكن 103 ديمقراطيين أيدوه.
ولا تعني النتيجة أن إسرائيل خسرت الكونغرس، لكنها تثبت انتقال الاعتراض من هامش تقدمي إلى أكثر من نصف الكتلة الديمقراطية، بما قد يؤثر في انتخابات التجديد النصفي.
وتكشف هذه الثنائية أن المال ما زال قادرا على حماية المساعدات والتأثير في اختيار المرشحين، لكنه أصبح أقل قدرة على إنتاج قبول اجتماعي واسع، ولذلك تتجنب إعلانات أيباك غالبا ذكر إسرائيل، بما يعكس تحول اسم اللوبي نفسه إلى عبء داخل أجزاء من الحزب الديمقراطي.
وفي الخلاصة، دفعت إسرائيل عشرات الملايين لتوسيع رسالتها، لكن مؤشرات القبول تحركت في الاتجاه المعاكس، وبينما تتقدم السردية الفلسطينية شعبيا، يبقى النفوذ الإسرائيلي أقوى داخل المال والمؤسسات. وسيختبر التجديد النصفي قدرة هذا النفوذ على الصمود بعد خسارة الغطاء الشعبي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة