وصف أكاديميون ومحللون اقتصاديون اتفاق الحكومة السورية مع نظيرتها العراقية وائتلاف شركات دولية لتأهيل خط نقل النفط كركوك – بانياس بالإستراتيجي، مشيرين في تصريحات لـ" سوريا الآن" إلى أنه يعيد "رسم خريطة الطاقة الإقليمية" فضلا عن فوائده الاقتصادية، منوهين إلى تحديات جدية تواجه المشروع.
ووقّعت الحكومة السورية مذكرتي تفاهم مع العراق وائتلاف شركات دولية، لتأهيل وإعادة إحياء خط نقل النفط الخام (كركوك – بانياس)، أمس الجمعة، في غرفة التجارة الأمريكية في واشنطن.
وقالت وزارة الطاقة السورية إن "أعمال إعادة التأهيل تستهدف الوصول إلى طاقة تشغيلية تقدّر بنحو مليوني برميل من النفط الخام يوميا".
ويرى المحاضر في كلية الاقتصاد بجامعة غازي عنتاب التركية صلاح الدين الجاسم أن الاتفاق "يقدم للخزينة السورية رسوم عبور تُقدَّر بنحو 150 إلى 200 مليون دولار سنويا عند بلوغ الخط طاقته التشغيلية القصوى"
ويضيف لـ"سوريا الآن" أن الأثر الاقتصادي "يشمل تزويد مصفاة بانياس بالنفط الخام العراقي، بما يسهم في تخفيف أزمة المشتقات النفطية؛ وتوفير آلاف فرص العمل المباشرة" كما أن الاتفاق، كما يقول الجاسم "يعزز ثقة المستثمرين الدوليين بعودة سوريا إلى شبكة الطاقة الإقليمية".
من جانبه يضيف أستاذ الاقتصاد بجامعة دمشق زياد عربش إلى تلك الفوائد "تحفيز إعادة الإعمار خصوصا إذا تم إنشاء مصفاة على المتوسط ترفد السوق السورية بحاجتها من مشتقات الطاقة وربما إلى لبنان" مشيرا إلى "أن المشروع قد يعود بعائدات تسمح بتحديث الموانئ والبنى التحتية".
ويقول عربش لـ"سوريا الآن" إن قطاع الطاقة (التكرير) هو الأكثر استفادة، والخدمات اللوجستية والنقل، وقطاع التشييد والبناء، والخدمات المرتبطة به.
وترى الباحثة في مركز صوفان للحوار الإستراتيجي كارولين روز أن المشروع له فوائد تتجاوز الاقتصاد السوري، موضحة أن خط أنابيب كركوك بانياس "يقدم فرصا اقتصادية بديلة لدول مثل الولايات المتحدة والعديد من نظيراتها الدولية التي تسعى لإيجاد بدائل تتجاوز مضيق هرمز، لا سيما مع استمرار إيران في تهديد المرور الآمن للسفن التجارية عبر هذا المضيق".
بدوره يشير عربش إلى "أن المشروع يعتبر للعراق بديلا إستراتيجيا يقلل اعتماده على مضيق هرمز (الذي يمر عبره 95% من صادراته النفطية)، خاصة في ظل التوترات الإقليمية والحصار المفروض على المضيق".
لكن مقابل تلك الأهمية الإستراتيجية والعوائد الاقتصادية، تضع روز جملة عراقيل أمام إنجازه وضمان استدامته، مشيرة إلى "أن الأنبوب كان توقف عن العمل فترة طويلة منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين".
وتقول روز " إن إشادة الأنبوب عبر الأراضي السورية سيفرز بعض التحديات الأمنية نظرا لأن جزءا كبيرا من الأنبوب يمر في محافظة الأنبار غرب العراق ومناطق شرق سوريا، وهي مناطق لا تزال تشهد نشاطا لعدة جماعات مختلفة وعلى رأسها تنظيم الدولة".
وينبه عربش أيضا إلى المخاطر الأمنية لافتا إلى "أخطار استهداف الخط من قبل جماعات مسلحة تنشط في مناطق شاسعة غرب العراق وشرق سوريا وتعقيدات الملفات الأمنية بشكل عام".
وفي التحدي الأمني يضيف الجاسم "معارضة بعض الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران داخل العراق المشروع باعتباره منافسا لمسارات تصدير النفط التي تعزز النفوذ الإيراني"، ويوضح "أن تلك المخاطر ترفع تكاليف التأمين وتزيد من حالة عدم اليقين بشأن استدامة تشغيل الخط".
وتشكل تكلفة إعادة التأهيل "أحد التحديات مع تقديرات بين 6 إلى 8 مليارات دولار في ظل اقتصادين سوري وعراقي منهكين"، كما يقول عربش، لافتا إلى "أن تآكل البنية التحتية، للأنبوب المتوقف منذ عام 2003 يتطلب تقييما كاملاً واستبدال مكوناته".
بدورها تشير روز إلى أن التكلفة "تطرح مسألة الاستثمارات الدولية"، وتضيف بالرغم من أننا رأينا اهتماما معلنا بهذا الخط البديل من قبل عدة شركات بينها "شيفرون" و"توتال إنرجي"، و"كابيتال تي أي" ومجموعة "يو سي سي هولدينغ"، إلا "أن المشروع لا يزال بحاجة ماسة وهائلة إلى تدفقات استثمارية وأجنبية مباشرة".
وتضيف الباحثة "أن حكومة الرئيس أحمد الشرع ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، قد أبديا اهتماما بالغا بدعم واستدامة مثل هذا المشروع" ، لكنها ترى "أن السؤال الجوهري يدور حول الزخم والدفع المطلوب من الحكومة الأمريكية والشركاء الآخرين الذين يرغبون حقا في العمل على تأسيس هذا المسار البديل".
بدوره يشير الجاسم إلى أن "الولايات المتحدة، تتعامل مع المشروع حتى الآن بوصفه إنجازا سياسيا يعكس دعمها للتقارب العراقي – السوري أكثر من كونه مشروعا دخل مرحلة التنفيذ الكامل".مضيفا أن المشروع "يتحرك ضمن توازنات جيوسياسية معقدة، فإيران تنظر إليه باعتباره منافسا لنفوذها على مسارات تصدير النفط العراقي، بينما تبدي تركيا حذرا من تأثيره المحتمل على خط جيهان، رغم استعدادها للمساهمة الفنية في المشروع".
ويذهب عربش إلى أن المشروع "قد يُشكّل بداية لتكامل أوسع، وربما فتح الباب أمام مشاريع أخرى كمد أنابيب الغاز، ويعيد تأكيد موقع سوريا كمركز إقليمي للطاقة".
المصدر:
الجزيرة