آخر الأخبار

الصين تكسب معركة الصورة.. هل بدأت مكانة أمريكا العالمية بالتراجع؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم يعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين يقتصر على الاقتصاد والتكنولوجيا أو سباق التسلح والنفوذ العسكري، بل امتد إلى ساحة أكثر حساسية وتأثيرا، هي الرأي العام العالمي.

ولأن الصورة التي ترسمها الشعوب للدول أصبحت أحد أهم مصادر القوة في النظام الدولي، يبدو أن بكين تحقق فيها تقدما ملحوظا في وقت تواجه فيه واشنطن تراجعا غير مسبوق في جاذبيتها، حتى داخل دول ظلت لعقود من أقرب حلفائها.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "ممداني برلين".. اليسار الألماني يراهن على سياسية من أصول تركية لقيادة العاصمة
* list 2 of 2 25 عاما على معاهدة روسيا والصين.. شراكة تتجاوز اختبار الزمن end of list

وتكشف تقارير نشرتها صحف "كريستيان ساينس مونيتور" و"واشنطن بوست" و"ذا هيل" أن نتائج أحدث استطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث لا تعكس مجرد تغير عابر في المزاج العالمي، بل تشير إلى تحول يستحق أن يتوقف عنده، لأن الصين باتت تحظى بصورة أكثر إيجابية من الولايات المتحدة في غالبية الدول التي شملها الاستطلاع، وهو تطور يمثل انعكاسا لما كانت عليه الصورة قبل عامين فقط.

تراجع في القوة الناعمة الأمريكية

شمل الاستطلاع أكثر من 42 ألف شخص في 36 دولة، وأظهر أن 27 دولة بات مواطنوها ينظرون إلى الصين بصورة أفضل من الولايات المتحدة، بينما لم تحافظ واشنطن على تفوقها إلا في ست دول، معظمها في منطقة آسيا و المحيط الهادئ.

ويعكس ذلك تراجعا واضحا في القوة الناعمة الأمريكية، مقابل تحسن تدريجي في قدرة الصين على تقديم نفسها باعتبارها قوة مستقرة وشريكا يمكن الاعتماد عليه.

وأظهرت نتائج الاستطلاع أن الصين تفوقت، للمرة الأولى خلال نحو عقدين، على الولايات المتحدة في الانطباع الإيجابي العالمي في عدد كبير من الدول التي شملها الاستطلاع.

ففي كندا، أحد أقرب حلفاء الولايات المتحدة، تراجعت النظرة الإيجابية لواشنطن من 57% عام 2023 إلى 33% في أحدث قياس، بينما ارتفعت النظرة الإيجابية إلى الصين من 14% إلى 44%.

مصدر الصورة ثقة العالم في القيادتين منخفضة، لكن الرئيس شي (يمين) حصل على ثقة أكبر من ترمب في 22 دولة (أسوشيتد برس)

شي مقابل ترمب

وبقيت ثقة العالم في القيادتين الأمريكية والصينية منخفضة، لكن الرئيس الصيني شي جين بينغ حصل على ثقة أكبر من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في 22 دولة من أصل الدول التي شملها الاستطلاع.

إعلان

وبقيت صورة الصين داخل الولايات المتحدة نفسها سلبية لدى أغلبية الأمريكيين، إذ كانت لدى 81% منهم نظرة غير إيجابية في استطلاع بيو لعام 2024، مقابل 16% فقط كانت لديهم نظرة إيجابية، واليوم يقول 71% من الأمريكيين أو أكثر إن لديهم رأيا غير إيجابي تجاه الصين.

وتراجعت نسبة الذين يعتبرون الصين "عدوا" للولايات المتحدة مقارنة بالسنوات السابقة، رغم أن أغلبية الأمريكيين ما زالوا يرونها منافسا رئيسيا.

ففي عام 2023، قال نحو 38% من الأمريكيين إن الصين تمثل "عدوا" للولايات المتحدة، وانخفضت هذه النسبة في عام 2025 إلى نحو 25%. وفي المقابل، ارتفعت نسبة من يرون الصين "منافسا" من نحو 50% إلى قرابة 60%.

وترى الكاتبة آن سكوت تايسون في "كريستيان ساينس مونيتور" أن إدارة ترمب لا تبدو مستعدة للتعامل مع هذا التحول، إذ ما زالت تنظر إلى العلاقة مع بكين من منظور الصفقات الاقتصادية أكثر من كونها منافسة إستراتيجية طويلة الأمد.

مصدر الصورة أبدى 90% من الباكستانيين نظرة إيجابية للصين مقابل 15% للولايات المتحدة (غيتي)

الرئيس ترمب يركز على العلاقة الشخصية

ونقلت تايسون عن خبراء أمريكيين أن الرئيس ترمب يبالغ في تقدير علاقته الشخصية بالرئيس الصيني، ويعتقد أن بإمكانهما معالجة القضايا الكبرى عبر التفاهم المباشر، بينما تنظر الصين إلى المنافسة مع الولايات المتحدة باعتبارها مسارا مستمرا لا يتوقف بتغير الإدارات.

ويشير التقرير إلى أن هذا النهج ترافق مع تراجع عدد الخبراء المتخصصين في الشأن الصيني داخل المؤسسات الأمريكية، سواء بسبب إعادة هيكلة مجلس الأمن القومي أو تقليص الجهاز الإداري، وقد انعكس ذلك على قدرة واشنطن على صياغة سياسة متماسكة تجاه بكين.

ويرى مسؤولون سابقون أن القرارات أصبحت أكثر ارتجالا وأقل استنادا إلى رؤية إستراتيجية واضحة.

وفي المقابل، تؤكد واشنطن بوست – في تقرير للصحفي جوشوا يانغ – أن الصين لم تحقق هذا التقدم اعتمادا على أخطاء واشنطن وحدها، بل عملت خلال السنوات الأخيرة على إعادة صياغة خطابها الخارجي.

وبعد مرحلة ما سمي "دبلوماسية الذئب المحارب" التي اتسمت بالحدة والمواجهة، اتجهت بكين إلى تقديم نفسها بوصفها قوة مسؤولة تدعو إلى الاستقرار والتعاون الاقتصادي واحترام سيادة الدول، وهو خطاب وجد آذانا صاغية في كثير من مناطق العالم.

باكستان تمثل النموذج الأبرز لصعود مكانة الصين في نظر الشعوب الأخرى، إذ أبدى 90% من المشاركين فيها نظرة إيجابية إلى الصين مقابل 15% فقط للولايات المتحدة، وهو فارق يعكس أثر الاستثمارات الصينية الضخمة في إطار الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني

بواسطة واشنطن بوست

سياسات سرّعت تراجع أمريكا

وتضيف الصحيفة أن سلسلة من السياسات الأمريكية المثيرة للجدل أسهمت في تسريع هذا التحول، ومنها الرسوم الجمركية الواسعة، والتوترات مع الحلفاء، والحرب على إيران، وتقليص المساعدات الخارجية، فضلا عن تصريحات أثارت مخاوف بشأن التعامل مع كندا وغرينلاند وعدد من دول أمريكا اللاتينية.

ووفقا للصحيفة، فإن هذه السياسات دفعت كثيرا من الدول إلى إعادة النظر في مدى إمكانية الاعتماد على الولايات المتحدة كشريك طويل الأمد.

إعلان

ونقل يانغ عن الباحث بمجلس العلاقات الخارجية بواشنطن جوشوا كورلانتزيك المتخصص في شؤون آسيا والعلاقات بين الولايات المتحدة والصين قوله إن العامين الأخيرين "قوضا فكرة أن الولايات المتحدة شريك يمكن الوثوق باستقراره"، بينما سارعت الصين إلى استغلال هذه الفرصة لتوسيع حضورها السياسي والإعلامي والدبلوماسي.

ولا يقتصر التغيير على أوروبا، بل يمتد إلى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث أصبحت الاستثمارات الصينية إحدى أهم أدوات تعزيز النفوذ، فمبادرة "الحزام والطريق" لم تعد مجرد مشروع اقتصادي، بل تحولت إلى وسيلة لبناء صورة إيجابية للصين في الدول النامية عبر تمويل الموانئ والسكك الحديدية وشبكات النقل والطاقة.

مصدر الصورة منشآت ميناء هامبانتوتا الذي نفذته الصين في سريلانكا (الفرنسية)

أثر الاستثمار

وتوضح واشنطن بوست أن باكستان تمثل النموذج الأبرز لهذا التحول، إذ أبدى 90% من المشاركين فيها نظرة إيجابية للصين مقابل 15% فقط للولايات المتحدة، وهو فارق يعكس أثر الاستثمارات الصينية الضخمة في إطار الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.

وفي أفريقيا أيضا، تبدو الصورة مشابهة، فقد مولت بكين مشاريع للبنية التحتية في غانا ونيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا، بينما تقلص الحضور الأمريكي بصورة ملحوظة بعد خفض برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وتراجع التمثيل الدبلوماسي الأمريكي في عدد من الدول الأفريقية.

وفي المقابل, واصلت الصين توسيع شبكتها الدبلوماسية والإعلامية، مما منحها حضورا متزايدا في تشكيل الرأي العام.

أما في أمريكا اللاتينية، فتشير "ذا هيل" إلى أن النظرة إلى الصين أصبحت أكثر إيجابية بقليل من النظرة إلى الولايات المتحدة، ليس بسبب ارتفاع كبير في شعبية بكين، بل نتيجة الانخفاض المستمر في صورة واشنطن.

ويلاحظ الباحثون أن كثيرا من شعوب أمريكا اللاتينية باتت ترى الولايات المتحدة أكثر تدخلا في شؤون الدول الأخرى، بينما تنظر إلى الصين باعتبارها شريكا اقتصاديا يركز على الاستثمار والتجارة.

الفارق يتقلص حتى في الحريات

ورغم هذا التقدم الصيني، فإن الاستطلاع يكشف مفارقة مهمة، وهي أن غالبية المشاركين في عدد كبير من الدول ما زالت تعتقد أن الولايات المتحدة تحترم الحريات الشخصية أكثر من الصين، إلا أن الفارق بين البلدين أخذ يتقلص بصورة واضحة مقارنة بالسنوات الماضية.

وهذا يعني أن الاعتبارات الاقتصادية والاستقرار السياسي باتت لدى كثير من الشعوب تنافس القيم الديمقراطية بوصفها معايير للحكم على الدول.

ويحذر عدد من الباحثين من أن نجاح الصين في تحسين صورتها لا يعني أنها أصبحت نموذجا سياسيا مفضلا، لكنه يعكس اقتناع شريحة متزايدة من الرأي العام بأن النمو الاقتصادي والاستقرار قد يكونان أكثر أهمية من الخطاب التقليدي حول الديمقراطية، خاصة في الدول التي تواجه تحديات تنموية وأزمات اقتصادية.

في المقابل، ما زالت الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق واضح في دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند والفلبين وإسرائيل، وهي دول ترتبط معها بتحالفات أمنية أو تواجه خلافات مباشرة مع الصين، وهو ما يؤكد أن الجغرافيا السياسية لا تزال تلعب دورا مهما في تشكيل المواقف الشعبية.

والنتيجة الأساسية التي تخرج بها الصحف الثلاث واحدة، وهي أن المنافسة بين واشنطن وبكين لم تعد تدور فقط حول حجم الاقتصاد أو عدد حاملات الطائرات، بل أصبحت معركة على الثقة والانطباع والقدرة على إقناع الشعوب.

وإذا استمرت الولايات المتحدة في فقدان رصيدها المعنوي، في وقت تواصل فيه الصين توسيع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي، فإن ميزان القوة العالمية قد يشهد تحولا أعمق خلال السنوات المقبلة، ليس لأن الصين أصبحت أقوى عسكريا فحسب، بل لأنها نجحت في كسب معركة الصورة، وهي المعركة التي قد تحدد شكل النظام الدولي في العقود القادمة.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا