آخر الأخبار

أحمدي نجاد والموساد.. ما وراء رواية "استقطاب" الرئيس الإيراني الأسبق؟

شارك

طهران– أعاد النفي الصادر عن مكتب الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد لما نشرته صحيفة نيويورك تايمز بشأن صلات له مزعومة بجهاز الموساد الإسرائيلي ووضعه قيد الإقامة الجبرية، الجدل حول موقعه السياسي داخل إيران، والأسباب التي قد تجعل شخصية مثله هدفا محتملا للاستقطاب الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه مادة قابلة للتوظيف في الصراع الداخلي.

ووصف مكتب أحمدي نجاد التقرير بأنه "كاذب بالكامل" و"هوليودي" متهما الصحيفة بشن حرب نفسية، ومؤكدا أن الرئيس الأسبق يواصل أعماله المعتادة. ولم يصدر -في المقابل- بيان تفصيلي عن الحكومة الإيرانية أو القضاء أو الحرس الثوري يؤكد وضعه قيد الإقامة الجبرية أو يعلن فتح قضية ضده.

مصدر الصورة أحمدي نجاد في زيارة لمنشأة نووية إيرانية (غيتي)

ما أصل الاتهامات؟

نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية -في 13 يوليو/تموز الحالي- تحقيقا قالت فيه إن جهاز الموساد الإسرائيلي عمل على مشروع لاستقطاب أحمدي نجاد، وإنه كان يهدف -وفق مصادرها- إلى إعداده لدور سياسي محتمل ضمن تصورات إسرائيلية تتعلق بمستقبل الحكم الإيراني. وأضافت الصحيفة أن المشروع تعثر ولم يحقق أهدافه.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 أحمدي نجاد وأمريكا وإسرائيل.. خطة حقيقية لتغيير النظام أم "وهم منفصل عن الواقع"؟
* list 2 of 4 البرنامج النووي الإيراني بين اتفاقين ورئيسين.. ما الذي تغيّر؟
* list 3 of 4 سجل الأزمات والصفقات.. محطات في تاريخ التفاوض الإيراني الأمريكي
* list 4 of 4 “الموساد خطط لإعادته رئيسا لإيران”.. نيويورك تايمز تدّعي وأحمدي نجاد يرد end of list

وتضمنت الرواية ادعاءات بشأن لقاءات واتصالات خارج إيران، لكنها لم تقدم -في نسختها المنشورة- أدلة علنية مثل الصور أو التسجيلات أو الوثائق، تسمح بالتحقق المستقل من تفاصيلها.

وبناء على المعطيات المنشورة، لا يمكن التعامل مع تجنيد أحمدي نجاد بوصفه واقعة ثابتة. فهناك فارق بين محاولة جهاز استخبارات الاتصال بشخصية سياسية واستمالتها، وبين نجاحه في تحويلها إلى عميل ينقل المعلومات أو ينفذ التكليفات. وحتى الآن، تتعلق الرواية بمحاولة استقطاب مزعومة، لا بتعاون استخباراتي مثبت.

مصدر الصورة أثناء تسلمه الرئاسة من المرشد بعد انتهاء ولاية الرئيس محمد خاتمي (الفرنسية)

لماذا أحمدي نجاد تحديدا؟

يبدو اختيار رئيس إيراني سابق اشتهر بخطاب شديد العداء لإسرائيل مفارقة سياسية. لكن القيمة المحتملة لأحمدي نجاد -وفقا لمنطق الرواية الإسرائيلية- لا تقوم على التقارب الفكري، بل على كونه رئيسا سابقا يعرف بنية الدولة، ويتمتع باسم معروف داخل البلاد، ولا ينتمي إلى المعارضة الإيرانية المقيمة في الخارج.

إعلان

وتولى أحمدي نجاد الرئاسة بين عاميْ 2005 و2013، ووصل إلى الحكم من داخل التيار المحافظ، ثم حظي بدعم مؤسساتي بارز، ولا سيما عقب الأزمة التي أعقبت انتخابات عام 2009. لكن علاقته بمركز الحكم تدهورت لاحقا، وتحول تدريجيا من أحد أبرز وجوه المؤسسة المحافظة إلى سياسي يصعب تصنيفه داخل ثنائية المحافظين والإصلاحيين.

وسعى أحمدي نجاد للعودة إلى الحكم عبر الانتخابات الرئاسية أكثر من مرة. فقد سجّل ترشحه عام 2017 رغم نصيحة المرشد آنذاك علي خامنئي له بعدم المشاركة، قبل أن يستبعده مجلس صيانة الدستور. ثم استبعد مرة أخرى من انتخابات عام 2024 بعد تسجيل ترشحه رسميا.

وتذكر وسائل إعلام إيرانية أن الخلاف بين أحمدي نجاد وخامنئي اتسع بعدما دعا الرئيس الأسبق إلى فرض رقابة على سلطة المرشد، كما دعا عام 2018 إلى إجراء انتخابات "حرة"، في موقف عُدّ انتقادا نادرا لبنية الحكم.

وهكذا أصبح أحمدي نجاد في منطقة رمادية: فهو ليس معارضا للنظام من الخارج، لكنه لم يعد جزءا موثوقا به داخل مركز السلطة، ولا يزال يسعى إلى العودة السياسية، في حين تغلق المؤسسات الانتخابية الباب أمامه.

ويقدم الباحث الإيراني هادي أفقهي تفسيرا لسبب تكرار اسم أحمدي نجاد في مثل هذه الروايات. ويقول -في حديث للجزيرة نت- إن الرئيس الأسبق تولى رئاسة الجمهورية لولايتين، وكان في ولايته الأولى منسجما إلى حد كبير مع توجهات القيادة، قبل أن تتصاعد خلافاته معها خلال الولاية الثانية، ولا سيما بعد أزمة وزارة الاستخبارات -عندما خالف أحمدي نجاد اختيار المرشد لوزير الاستخبارات- وهو ما ترك "جرحا سياسيا لم يلتئم"، بحسب تعبير أفقهي.

ويرى أفقهي أن الخصوم الخارجيين يحاولون استثمار مثل هذه الخلافات، لأن أي شرخ بين شخصية شغلت الرئاسة ومؤسسات النظام يمثل فرصة للحرب النفسية وإثارة الانقسام داخل المجتمع الإيراني. لكنه يؤكد أنه لا يعتقد أن أحمدي نجاد تعمد خيانة بلاده، داعيا مكتبه إلى تقديم توضيحات أكثر تفصيلا لمواجهة الاتهامات والحد من تأثيرها.

مصدر الصورة أثار أحمدي نجاد جدلا كبيرا بانتقاده للمرشد (غيتي)

اتهام قابل للتوظيف

يساعد موقع أحمدي نجاد الملتبس على تفسير قابلية اسمه للزج به في الشائعات والتسريبات. فمن جهة، يمتلك معرفة متراكمة بمؤسسات الدولة وأجهزتها بحكم توليه الرئاسة ثماني سنوات. ومن جهة أخرى، أصبح على خلاف مع مؤسسات نافذة، مع احتفاظه بطموح سياسي وخطاب شعبوي يقدمه ممثلا للفئات المهمشة في مواجهة النخب.

ومن حيث أثرها الإعلامي، قد تخدم رواية التواصل معه في إظهار الموساد قادرا على الوصول إلى شخصيات كانت في قلب النظام الإيراني، والعمل على سيناريوهات سياسية إلى جانب عملياته الأمنية والعسكرية.

أما داخل إيران، فإن تهمة الاتصال بإسرائيل تنقل الخلاف مع أحمدي نجاد من المجال السياسي إلى المجال الأمني، ومن شأنها أن تضعف فرص عودته إلى الحياة العامة وتضر بصورته لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين.

لكن يبقى هذا التحليل قراءة في المستفيدين المحتملين من تداول الرواية، وليس دليلا على أن جهات إيرانية رسمية تقف وراءها، خصوصا في ظل غياب إعلان قضائي أو أمني بشأن القضية.

بين التسريب والحرب النفسية

لا توجد -حتى الآن- أدلة علنية مستقلة تثبت أن أحمدي نجاد تعاون مع الموساد، كما لم تعلن السلطات الإيرانية معلومات تدعم الادعاء بوضعه قيد الإقامة الجبرية.

إعلان

وتستند القضية أساسا إلى تقارير صحفية ذات مصادر غير معرَّفة، يقابلها نفي شامل من مكتب أحمدي نجاد، من دون أن يقدم أي من الطرفين مادة علنية تحسم الجدل.

لذلك تكشف هذه القضية -في وضعها الراهن- عن موقع أحمدي نجاد المأزوم داخل النظام أكثر مما تثبت واقعة تجنيد استخباراتي: رئيس سابق خرج من قلب التيار المحافظ، ثم اصطدم بمؤسسات الحكم، واستُبعد مرارا من الانتخابات، لكنه لم يتخلَّ عن طموحه السياسي.

وبين محاولة الاستقطاب الإسرائيلية المزعومة، وخلافاته مع مراكز القوة في الداخل، وقدرته على تقديم نفسه ضحية للاستهداف؛ يتحول اسم أحمدي نجاد إلى ساحة تتقاطع فيها التسريبات الاستخباراتية والصراع الداخلي و الحرب النفسية، من دون دليل حاسم حتى الآن.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا