تناقش ورقة الباحث محمود عبده سالم ظاهرة الحركات الدينية الجديدة في إسرائيل، وهي ظاهرة لم تحظ باهتمام واسع في الأدبيات العربية رغم أهميتها في فهم التحولات الدينية والاجتماعية داخل المجتمع الإسرائيلي. وتنطلق الدراسة من ملاحظة أن إسرائيل، التي قامت أساسًا على تداخل القومية اليهودية مع المشروع الصهيوني، لم تعد محصورة في الثنائية التقليدية بين التدين الأرثوذكسي والعلمانية، بل أصبحت ساحة لتعدد ديني وروحي متزايد، شمل ظهور حركات ومذاهب وافدة من الغرب، وأخرى محلية تطورت داخل البيئة الإسرائيلية نفسها.
وترى الدراسة الصادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات أن هذه الحركات ليست مجرد ظاهرة دينية هامشية، وإنما تعكس تحولات عميقة في بنية المجتمع الإسرائيلي، وفي علاقة الإسرائيليين بالدين والهوية والمعنى، كما تكشف عن أزمة فكرية وروحية تعيشها الصهيونية الحديثة، دفعت قطاعات من الإسرائيليين إلى البحث عن بدائل روحية خارج الأطر اليهودية التقليدية.
يبدأ الباحث بتتبع نشأة مفهوم "الحركات الدينية الجديدة"، موضحًا أن المصطلح ظهر أولًا في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية لوصف الأديان الجديدة التي انتشرت هناك، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة وأوروبا خلال ستينيات القرن العشرين، قبل أن يتحول إلى مصطلح أكاديمي واسع الاستخدام في دراسات الأديان وعلم الاجتماع الديني.
ويشير الباحث إلى أن تعريف هذه الحركات ليس أمرًا سهلًا، لأن المصطلح نفسه محل جدل. فبعض الجماعات لا تعتبر نفسها "دينية" أصلًا، وإنما تقدم نفسها باعتبارها حركات روحية أو فلسفية أو علمية، بينما يرى آخرون أن وصفها بـ"الجديدة" ليس دقيقًا، لأن بعض أفكارها يعود إلى قرون طويلة سابقة.
وتجمع هذه الحركات، رغم اختلافاتها الكبيرة، عدة خصائص مشتركة؛ فهي تقدم رؤى بديلة للحياة والكون والإنسان، وتسعى إلى تلبية احتياجات روحية ونفسية لا يجدها أتباعها في المؤسسات الدينية التقليدية أو في الحداثة العلمانية. كما أنها غالبًا ما تطرح نفسها بوصفها بديلًا عن الدين الرسمي أو السائد، وتتبنى أشكالًا جديدة من التدين الفردي والتجربة الروحية الشخصية.
ويربط الباحث ظهور هذه الحركات بظواهر الحداثة والعولمة والعلمنة، حيث أدت التحولات الاجتماعية الكبرى إلى تراجع سلطة المؤسسات الدينية التقليدية، وفتحت المجال أمام أشكال جديدة من التدين الفردي والبحث عن المعنى. وفي هذا السياق أصبحت الحركات الدينية الجديدة استجابة لحاجات نفسية وروحية لم تعد الأديان التقليدية أو الأيديولوجيات الحديثة قادرة على تلبيتها بالكامل.
كما يبرز الباحث دور "القائد الكاريزمي" في هذه الحركات، إذ تتمحور كثير منها حول شخصية قيادية تمتلك سلطة رمزية وروحية كبيرة على الأتباع، وتؤدي دورًا محوريًا في تشكيل العقيدة وتوجيه السلوك وتنظيم الجماعة.
ويرى الباحث أن هذه الحركات تتشابه مع الأديان التقليدية في الإيمان بعالم روحي غير مرئي، لكنها تختلف عنها في البنية التنظيمية، وطرق الاستقطاب، وأسلوب الممارسة، واعتمادها الكبير على تقنيات التأمل والعلاج النفسي وتنمية الذات، وهي عناصر جعلتها أكثر جاذبية لقطاعات من الشباب والباحثين عن تجارب روحية جديدة.
ويخلص هذا القسم إلى أن الحركات الدينية الجديدة ليست ظاهرة دينية عابرة، بل تعبير عن تحولات عميقة في علاقة الإنسان المعاصر بالدين والهوية والمعنى، وأنها أصبحت جزءًا من المشهد الديني العالمي منذ منتصف القرن العشرين.
إن الباحث يقدم في هذا الباب تأصيلًا نظريًا لمفهوم الحركات الدينية الجديدة، ويبين أنها ظاهرة عالمية نشأت في سياق الحداثة والعولمة وتراجع سلطة المؤسسات الدينية التقليدية. كما يوضح أن هذه الحركات لا تشكل نمطًا واحدًا، وإنما تضم طيفًا واسعًا من الجماعات الروحية والفلسفية والدينية التي تشترك في البحث عن بدائل جديدة للمعنى والهوية والروحانية، وتعتمد غالبًا على القيادة الكاريزمية والتجربة الفردية أكثر من اعتمادها على المؤسسات الدينية الراسخة.
بعد أن عرض الباحث الإطار المفاهيمي للحركات الدينية الجديدة، انتقل إلى تفسير الأسباب التي جعلت إسرائيل بيئة قابلة لاستقبال هذه الظاهرة وانتشارها.
ويرى أن فهم هذه الحركات لا يمكن أن يتم بمعزل عن طبيعة المجتمع الإسرائيلي نفسه، الذي تشكل منذ البداية من جماعات مهاجرة متعددة الخلفيات الدينية والثقافية، في ظل مشروع صهيوني غلب عليه الطابع العلماني.
فمنذ قيام إسرائيل واجهت النخب المؤسسة معضلة التوفيق بين جماعات يهودية جاءت من بيئات مختلفة وتحمل تصورات متباينة للدين والهوية. وقد أدى ذلك إلى نشوء حالة من التنافس المستمر بين التيارات العلمانية والدينية، ثم بين التيارات الدينية نفسها. وفي هذا السياق بدأ اليهود غير الأرثوذكس القادمون من أمريكا في خمسينيات القرن العشرين بإدخال تيارات إصلاحية ومحافظة إلى المجتمع الإسرائيلي، وهو ما مثّل أول تحدٍ للاحتكار الأرثوذكسي للمجال الديني.
ويرى الباحث أن السبعينيات مثلت نقطة التحول الكبرى، إذ بدأت جماعات دينية وروحية جديدة وافدة من الغرب في الظهور داخل إسرائيل. وكانت هذه الجماعات غريبة عن البيئة الإسرائيلية التقليدية، لكنها نجحت في تعديل خطابها وأساليبها لتتلاءم مع احتياجات المجتمع الإسرائيلي وتستقطب فئات جديدة من الجمهور.
ومن العوامل المهمة التي ساعدت على ذلك ما يسميه الباحث "الأزمة الوجودية" التي عاشها المجتمع الإسرائيلي بعد الحروب المتعاقبة. فقد أدت الصدمات العسكرية وما تبعها من أسئلة حول المستقبل والهوية والمعنى إلى خلق فراغ روحي وفكري لدى قطاعات من الإسرائيليين. كما ساهمت النزعة الاستهلاكية المتصاعدة وتراجع اليقين الأيديولوجي الصهيوني في دفع بعض الأفراد إلى البحث عن بدائل روحية جديدة تمنح حياتهم معنى مختلفًا.
وفي الوقت نفسه لم تقف المؤسسة الدينية الأرثوذكسية موقف المتفرج. فقد أطلقت حركات دعوية وتوعوية واسعة هدفت إلى إعادة اليهود العلمانيين إلى التدين التقليدي، ومن أبرزها حركة "حاباد" وجهود "كيروف" و"أراخيم".
وقد ركزت هذه الحركات على الالتزام الصارم بالشريعة اليهودية والعودة إلى التقاليد ورفض أنماط الحياة العلمانية الحديثة.
لكن المفارقة التي يبرزها الباحث هي أن هذا النشاط الأرثوذكسي لم يمنع ظهور تيارات دينية وروحية أخرى، بل تزامن معه. فإلى جانب الصراع بين الأرثوذكس والإصلاحيين، بدأت تنتشر جماعات تنتمي إلى ما يعرف بـ"العصر الجديد"، وأخرى تستلهم الديانات الشرقية أو الأفكار الباطنية أو الروحانيات الحديثة. وهكذا أصبح المجال الديني الإسرائيلي أكثر تنوعًا وتعقيدًا من أي وقت مضى.
ويشير الباحث إلى أن إسرائيل شهدت خلال العقود الأخيرة توسعًا ملحوظًا في ممارسات مرتبطة بثقافة العصر الجديد، مثل اليوجا، والتأمل البوذي، والعلاج بالطاقة، والتنمية البشرية، والتواصل الروحي، والشامانية الجديدة، والوثنية الجديدة. ولم تعد هذه الممارسات محصورة في دوائر ضيقة، بل تسرب بعضها إلى التيار الاجتماعي السائد.
كما لعبت العولمة دورًا حاسمًا في هذا التحول. فقد أدت الانفتاحات الثقافية والاقتصادية إلى خلق "سوق" دينية جديدة مفتوحة أمام البدائل الروحية المختلفة. كذلك أسهمت الهجرة الواسعة من الاتحاد السوفيتي السابق في إدخال أعداد كبيرة من اليهود العلمانيين وغير اليهود الذين لا يخضعون للمرجعية الأرثوذكسية التقليدية، وهو ما عزز التعددية الدينية داخل المجتمع الإسرائيلي.
ويلاحظ الباحث أن ظهور هذه الحركات أثار مخاوف كبيرة لدى المؤسسة الأرثوذكسية والتيارات المحافظة. فقد اعتُبرت تهديدًا مباشرًا للاحتكار الديني القائم، كما أثارت مخاوف تتعلق بالهوية اليهودية وبطبيعة الدولة نفسها باعتبارها "دولة يهودية".
ولهذا شهدت إسرائيل منذ الثمانينيات حملات إعلامية وسياسية واسعة ضد هذه الجماعات، بل شُكلت لجان حكومية للتحقيق في أنشطتها ومراقبة توسعها.
ومن هنا يخلص الباحث إلى أن انتشار الحركات الدينية الجديدة في إسرائيل لم يكن حدثًا معزولًا، بل نتاج تفاعل معقد بين عوامل داخلية وخارجية: أزمة الأيديولوجيا الصهيونية، والتحولات الاجتماعية، والعولمة، والهجرة، والصراع بين العلمانية والتدين، والبحث المتزايد عن المعنى الروحي في مجتمع شديد التغير.
ويكشف الباحث هذا الباب أن الحركات الدينية الجديدة لم تنشأ في فراغ، بل جاءت استجابة لأزمات وتناقضات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. فبينما سعت المؤسسة الأرثوذكسية إلى تعزيز هيمنتها الدينية، كانت قطاعات واسعة من الإسرائيليين تبحث عن بدائل جديدة خارج الأطر التقليدية. وقد هيأت العولمة والهجرة وتراجع اليقين الأيديولوجي بيئة مناسبة لازدهار هذه الحركات، الأمر الذي جعل إسرائيل تشهد تعددية دينية وروحية غير مسبوقة، تتجاوز كثيرًا الصورة التقليدية التي تحصر المجتمع الإسرائيلي في ثنائية الأرثوذكسية والعلمانية.
بعد أن عرض الباحث مفهوم الحركات الدينية الجديدة والسياق الذي ساعد على انتشارها داخل إسرائيل، انتقل إلى المحور الأهم في الدراسة، وهو استعراض أبرز هذه الحركات التي نجحت في إيجاد موطئ قدم لها داخل المجتمع الإسرائيلي. ويبين الباحث أن هذه الحركات تختلف في أصولها الفكرية والعقائدية، كما تختلف في حجم انتشارها وطبيعة علاقتها بالمجتمع الإسرائيلي وبالسلطات الدينية الرسمية، إلا أنها تشترك جميعًا في كونها تقدم بدائل روحية وفكرية خارج الأطر اليهودية التقليدية.
الثيوصوفيا
يبدأ الباحث بحركة الثيوصوفيا التي تعد من أقدم الحركات الروحية الحديثة ذات التأثير العالمي. وترجع جذورها إلى القرن التاسع عشر، عندما أسست الروسية هيلينا بلافاتسكي الجمعية الثيوصوفية، ساعية إلى بناء رؤية روحية عالمية تجمع بين الحكمة الشرقية والفلسفات الغربية والتقاليد الدينية المختلفة.
وتقوم الثيوصوفيا على فكرة وجود حقيقة روحية واحدة مشتركة بين جميع الأديان، وأن الإنسان قادر من خلال التأمل والمعرفة الباطنية على الوصول إلى مستويات أعلى من الإدراك الروحي. ولهذا ترفض الحركة الانحصار في دين معين، وتدعو إلى البحث الحر عن الحقيقة وإلى تجاوز الحدود التقليدية بين الأديان.
ويشير الباحث إلى أن الثيوصوفيا وجدت جمهورًا داخل إسرائيل بين فئات متعلمة ومهتمة بالفكر الروحي البديل، خاصة في الأوساط التي لا تجد نفسها منتمية إلى الأرثوذكسية اليهودية. كما ساعدت طبيعتها العالمية وغير التبشيرية على تقليل حدة الصدام بينها وبين المجتمع الإسرائيلي مقارنة بحركات أخرى. ومع ذلك بقي تأثيرها محدودًا نسبيًا بسبب طابعها النخبوي واعتمادها على الدراسات الفلسفية والروحية المعقدة.
خلاصة الثيوصوفيا
يرى الباحث أن الثيوصوفيا تمثل نموذجًا للحركات التي تحاول تقديم روحانية عالمية تتجاوز الانتماءات الدينية الضيقة، وقد وجدت مكانًا داخل إسرائيل بوصفها إطارًا فكريًا وروحيًا بديلًا لمن يبحثون عن التدين خارج المؤسسات اليهودية التقليدية.
الأنثروبوصوفيا
ينتقل الباحث إلى الأنثروبوصوفيا التي أسسها المفكر النمساوي رودلف شتاينر مطلع القرن العشرين. وتقوم هذه الحركة على فكرة أن الإنسان يستطيع من خلال التطور الروحي والمعرفة الباطنية الوصول إلى فهم أعمق للكون وللطبيعة البشرية.
ويلاحظ الباحث أن الأنثروبوصوفيا لم تقتصر على الجانب الروحي فقط، بل امتدت إلى مجالات التعليم والزراعة والطب والفنون. ولهذا اكتسبت حضورًا ملحوظًا في عدد من الدول الغربية قبل أن تصل إلى إسرائيل.
وفي المجتمع الإسرائيلي نجحت الأنثروبوصوفيا خصوصًا من خلال المدارس والمؤسسات التعليمية التي تعتمد فلسفة شتاينر التربوية، حيث تقدم نموذجًا تعليميًا مختلفًا يركز على تنمية الجوانب الروحية والإبداعية لدى الأطفال بدل الاقتصار على التعليم التقليدي. كما امتد تأثيرها إلى بعض المجالات الصحية والزراعية.
ويرى الباحث أن جاذبية الأنثروبوصوفيا في إسرائيل تعود إلى قدرتها على الجمع بين الروحانية والممارسة العملية، إذ لا تطرح نفسها دينًا جديدًا بقدر ما تقدم رؤية شاملة للحياة والتعليم والصحة والعلاقات الإنسانية.
خلاصة الأنثروبوصوفيا
تمثل الأنثروبوصوفيا نموذجًا لحركة روحية استطاعت التغلغل في المجتمع الإسرائيلي عبر المؤسسات التعليمية والثقافية، أكثر مما فعلت عبر النشاط الديني المباشر، وهو ما منحها قدرًا من القبول والاستمرارية.
حركة «إمين»
يتناول الباحث بعد ذلك جمعية إمين (Emin)، وهي من الحركات التي نشأت في أوروبا وانتقلت لاحقًا إلى إسرائيل.
وتقوم فلسفة الحركة على فكرة التطور الذاتي والارتقاء الروحي للفرد من خلال برامج تدريبية وممارسات تهدف إلى تنمية القدرات الشخصية وتحقيق التوازن النفسي والروحي. وتجمع الحركة بين عناصر من التنمية الذاتية والروحانيات الحديثة وبعض التصورات الفلسفية الخاصة بطبيعة الإنسان والوجود.
ويشير الباحث إلى أن جمعية إمين نجحت في استقطاب أفراد من خلفيات اجتماعية وتعليمية مختلفة داخل إسرائيل، مستفيدة من الاهتمام المتزايد بالتنمية البشرية والبحث عن المعنى الشخصي في مجتمع يتسم بالتنافسية والضغوط النفسية.
لكن الحركة واجهت في الوقت نفسه انتقادات من جهات دينية وإعلامية اعتبرت بعض أفكارها وممارساتها بعيدة عن التقاليد اليهودية السائدة، كما تعرضت لحملات تشكيك وتشويه مثل كثير من الحركات الدينية الجديدة الأخرى.
خلاصة حركة إمين
تعكس جمعية إمين التحول من التدين التقليدي إلى الروحانيات الفردية الحديثة، حيث يصبح التركيز على تطوير الذات وتحقيق التوازن الشخصي جزءًا من التجربة الروحية الجديدة.
السيانتولوجيا
يخصص الباحث مساحة مهمة لحركة السيانتولوجيا التي تعد من أشهر الحركات الدينية الجديدة في العالم وأكثرها إثارة للجدل.
وقد أسسها الكاتب الأمريكي رون هوبارد، وتقوم على مجموعة من الأفكار المتعلقة بطبيعة العقل والروح وإمكانية التحرر من القيود النفسية التي تعوق تطور الإنسان. وتستخدم الحركة برامج تدريبية وتقنيات خاصة تزعم أنها تساعد الأفراد على تحقيق قدرات أعلى من الوعي والسيطرة على حياتهم.
ويشير الباحث إلى أن السيانتولوجيا تمكنت من إنشاء وجود لها داخل إسرائيل، لكنها واجهت منذ البداية قدرًا كبيرًا من الجدل والرفض، سواء من المؤسسات الدينية أو من بعض وسائل الإعلام التي اتهمتها بالغموض والسعي إلى استقطاب الأتباع بوسائل غير تقليدية.
ورغم ذلك استطاعت الحركة الحفاظ على وجودها، مستفيدة من القوانين التي تكفل حرية الاعتقاد والتنظيم، ومن اهتمام بعض الإسرائيليين بالبدائل الروحية والنفسية غير التقليدية.
خلاصة السيانتولوجيا
تمثل السيانتولوجيا أحد أكثر نماذج الحركات الدينية الجديدة إثارة للجدل داخل إسرائيل، حيث تجمع بين الانتشار العالمي والرفض المجتمعي الواسع في الوقت نفسه.
الوثنية الجديدة
ينتقل الباحث أخيرًا إلى الوثنية الجديدة، وهي مجموعة من الحركات التي تسعى إلى إحياء معتقدات وطقوس قديمة كانت سائدة قبل ظهور الأديان التوحيدية.
وتشمل هذه الحركات اتجاهات متعددة تستلهم التراث الأوروبي القديم والطبيعة والأساطير والاحتفالات الموسمية. ويؤكد الباحث أن الوثنية الجديدة لا تشكل حركة واحدة موحدة، بل تضم عددًا من الجماعات الصغيرة والمتنوعة.
وفي إسرائيل وجدت هذه الاتجاهات جمهورًا محدودًا نسبيًا، لكنه يعكس الرغبة في البحث عن بدائل روحية مختلفة جذريًا عن اليهودية التقليدية. وقد استفادت هذه الجماعات من المناخ العالمي الذي يشهد اهتمامًا متزايدًا بالروحانيات المرتبطة بالطبيعة والبيئة والتراث القديم.
إلا أن حضورها بقي محدودًا مقارنة بالحركات الأخرى، نظرًا لبعدها الكبير عن المرجعية الدينية والثقافية السائدة في المجتمع الإسرائيلي.
يخلص الباحث محمود عبده سالم في هذا الباب إلى أن المشهد الديني الإسرائيلي أصبح أكثر تنوعًا وتعقيدًا مما توحي به الصورة التقليدية التي تحصره في الصراع بين الأرثوذكسية والعلمانية. فالحركات الدينية الجديدة، سواء كانت الثيوصوفيا أو الأنثروبوصوفيا أو جمعية إمين أو السيانتولوجيا أو الوثنية الجديدة، استطاعت أن تجد لنفسها حضورًا متفاوتًا داخل المجتمع الإسرائيلي، مستفيدة من التحولات الثقافية والاجتماعية والعولمة والبحث المتزايد عن البدائل الروحية.
كما تكشف هذه الحركات عن وجود أزمة أعمق تتعلق بالهوية والمعنى والانتماء داخل المجتمع الإسرائيلي، وهي أزمة دفعت شرائح مختلفة إلى تجاوز الأطر الدينية التقليدية والبحث عن صيغ جديدة للتدين والروحانية.
في خاتمة الورقة يعود الباحث إلى السؤال الأساسي الذي انطلقت منه الدراسة: كيف نشأت الحركات الدينية الجديدة داخل إسرائيل؟ وما الذي تكشفه عن طبيعة المجتمع الإسرائيلي وتحولاته؟
يرى الباحث أن ظاهرة الحركات الدينية الجديدة ليست ظاهرة هامشية أو عابرة، وإنما تعكس تحولات عميقة شهدها المجتمع الإسرائيلي منذ ستينيات القرن العشرين. فمع اتساع تأثير العولمة، وتراجع احتكار المؤسسات الدينية التقليدية للمعنى الروحي، وازدياد النزعات الفردية، برزت مساحات جديدة سمحت بانتشار أنماط متعددة من التدين والروحانية خارج الإطار اليهودي الأرثوذكسي السائد.
ويؤكد الباحث أن هذه الحركات لا تنتمي إلى نموذج واحد؛ فهي تختلف في أصولها الفكرية والعقائدية، وفي طبيعة تنظيمها، وفي حجم انتشارها، وفي علاقتها بالدولة والمجتمع. فبعضها جاء من أوروبا والولايات المتحدة، وبعضها تطور داخل البيئة الإسرائيلية نفسها، وبعضها يركز على الروحانية الفردية، بينما يقدم بعضها الآخر رؤى شبه دينية أو فلسفية أو علاجية.
كما يلفت الباحث إلى أن هذه الحركات واجهت تحديات كبيرة، أهمها هيمنة المؤسسة الدينية الأرثوذكسية، والقيود القانونية والاجتماعية، وحملات النقد الإعلامي والتشكيك المجتمعي. ومع ذلك استطاعت كثير منها الاستمرار والتكيف، بل والحصول على درجات متفاوتة من الاعتراف والقبول داخل المجتمع الإسرائيلي.
ومن أهم ما تكشفه الدراسة أن إسرائيل ليست مجتمعًا دينيًا متجانسًا كما قد يبدو من الخارج، بل تضم طيفًا واسعًا من الاتجاهات الدينية والروحية المتنافسة والمتداخلة. فإلى جانب اليهودية الأرثوذكسية والإصلاحية والمحافظة، توجد حركات جديدة تستقطب أفرادًا يبحثون عن بدائل مختلفة لفهم الدين والروحانية والهوية.
ويشير الباحث إلى أن مواقف هذه الحركات من الدولة الصهيونية والعرب والفلسطينيين ليست واحدة. فبعضها يتماهى مع المشروع الصهيوني ويعبر عن ولائه للدولة من خلال المشاركة في مؤسساتها وأنشطتها، بل إن بعض أتباعه يشاركون في الجيش الإسرائيلي أو في دعم الاستيطان. وفي المقابل تتبنى حركات أخرى خطابًا أكثر عالمية يركز على قيم التسامح والتعددية والتعايش، وتسعى إلى احتواء غير اليهود ضمن رؤيتها الروحية.
ويخلص الباحث إلى أن دراسة هذه الحركات ضرورية لفهم التحولات الجارية داخل إسرائيل، لأنها تكشف عن تغيرات أعمق من مجرد التنافس السياسي أو الصراع بين اليمين واليسار؛ إذ تتعلق بإعادة تشكيل الدين والهوية والمعنى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة