مثّلت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في نيويورك ضربة للتيار المؤيد لإسرائيل داخل الحزب، بعدما تقدم مرشحون تقدميون مدعومون من عمدة المدينة زهران ممداني على شخصيات محسوبة على المؤسسة الحزبية التقليدية، في تطور اعتبرته صحف أمريكية وبريطانية مؤشرا على تحول أعمق في المزاج السياسي الأمريكي تجاه إسرائيل وحربها في غزة.
وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، فإن فوز براد لاندر وكلير فالديس وداريا ليزا أفيلا شوفالييه في الانتخابات التمهيدية للكونغرس أعاد تشكيل المشهد السياسي في مدينة تضم أكبر تجمع يهودي خارج إسرائيل، وأثار قلقا واسعاً بين القيادات اليهودية المؤيدة لتل أبيب.
ونقلت الصحيفة عن بيث ميلر، المديرة السياسية لمنظمة "الصوت اليهودي من أجل السلام"، قولها إن ما حدث يمثل "اكتساحا مؤيدا لفلسطين في مدينة نيويورك"، مضيفة أن "المؤسسة الديمقراطية يجب أن تنتبه جيدا".
في المقابل، عبّر حاخامات وزعماء يهود بارزون عن شعور متزايد بالقلق. وقال الحاخام عميئيل هيرش، رئيس مجلس حاخامات نيويورك، إن كثيراً من اليهود المؤيدين لإسرائيل يشعرون بأن "شيئا من أمريكا التي دعمناها ومجدناها بدأ يفلت من بين أيدينا".
من جانبها، تشير وول ستريت جورنال إلى أن الانتصارات التي حققها حلفاء ممداني لم تكن مجرد نجاحات انتخابية محلية، بل شكلت "توبيخا مباشرا للمؤسسة الديمقراطية"، بعدما تمكن مرشحون مدعومون من منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين من هزيمة شخصيات مدعومة من قيادة الحزب ومن جماعات ضغط تقليدية بينها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك).
وكان لافتاً أن بعض المرشحين الفائزين جعلوا من موقفهم من إسرائيل محورا رئيسيا في حملاتهم الانتخابية. فبراد لاندر، الذي هزم النائب دان غولدمان، اتهم خصمه بالارتباط بإيباك، بينما دعا إلى إعادة النظر في الدعم الأمريكي لإسرائيل ووقف تمويل عملياتها العسكرية في غزة.
ووفق نيويورك تايمز، فإن جميع المرشحين الفائزين تقريباً وصفوا ما يجري في غزة بأنه " إبادة جماعية"، وهو توصيف كانت المؤسسة الديمقراطية التقليدية تتجنب استخدامه. كما تعهدت كلير فالديس بمواصلة الدعوة إلى "تحرير فلسطين"، بينما شهدت احتفالات أنصار أفيلا شوفالييه هتافات متكررة تطالب بـ"فلسطين حرة".
وترى مجلة نيوزويك أن هذه النتائج تكشف تحولات أوسع داخل الحزب الديمقراطي، حيث باتت قضايا إسرائيل والنفوذ المالي للشركات الكبرى من أبرز خطوط الانقسام بين الجناح التقدمي والقيادة التقليدية.
وتصف المجلة معركة لاندر وغولدمان بأنها الاختبار الأوضح لهذا التحول، إذ نجح لاندر في تصوير خصمه باعتباره جزءا من مؤسسة سياسية ومالية فقدت اتصالها بالناخبين، مستفيداً من الاستياء المتزايد داخل القواعد الديمقراطية تجاه الدعم الأمريكي لإسرائيل.
أما صحيفة التلغراف البريطانية فذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن إحدى أهم نتائج الانتخابات هي أن "إسرائيل أصبحت عبئا انتخابيا".
وقالت الصحيفة إن ممداني راهن على دعم مرشحين شباب يرفضون السياسة التقليدية تجاه إسرائيل، ونجح في إثبات أن مهاجمة الدعم الأمريكي لتل أبيب لم تعد عائقا انتخابيا في دوائر ديمقراطية كبرى، بل قد تتحول إلى عامل قوة.
وأشارت الصحيفة إلى أن المرشحين المدعومين من ممداني استهدفوا خصومهم بسبب رفضهم وصف الحرب في غزة بالإبادة الجماعية أو بسبب تلقيهم دعما من إيباك، ما يعكس اتساع الفجوة بين القواعد الحزبية والقيادات التقليدية.
من جهتها، رأت فايننشال تايمز أن هذه النتائج تمثل انتصارا شخصيا وسياسيا كبيرا لزهران ممداني، الذي نجح في تحويل شعبيته المحلية إلى نفوذ انتخابي قادر على إعادة تشكيل الحزب الديمقراطي في نيويورك.
لكن الصحيفة لفتت أيضاً إلى المخاوف المتزايدة داخل الحزب من أن يستغل الجمهوريون هذه النتائج لتصوير الديمقراطيين باعتبارهم خاضعين لتيار يساري راديكالي.
ونقلت عن مايك مارينيلا، المتحدث باسم اللجنة الوطنية الجمهورية للانتخابات في الكونغرس، قوله إن المؤسسة الديمقراطية "استسلمت رسميا لممداني والجناح الاشتراكي في الحزب".
وتبرز المخاوف بشكل خاص لدى قيادة الديمقراطيين في مجلس النواب، إذ قد يجد زعيم الأقلية الديمقراطية حكيم جيفريز نفسه أمام كتلة برلمانية أكثر ميلاً إلى اليسار وأكثر تشدداً في انتقاد إسرائيل من أي وقت مضى.
وفي المحصلة، تجمع التقارير والتحليلات الصادرة عن نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال ونيوزويك والتلغراف وفايننشال تايمز على أن الانتخابات التمهيدية في نيويورك لم تكن مجرد منافسة محلية، بل شكلت مؤشراً على تحول سياسي أوسع داخل الحزب الديمقراطي.
ويتمثل أبرز ملامح هذا التحول في تراجع قدرة اللوبيات المؤيدة لإسرائيل على فرض أجندتها الانتخابية التقليدية، وصعود جيل جديد من السياسيين الذين يرون أن انتقاد إسرائيل لم يعد مخاطرة سياسية، بل قد يكون طريقا إلى الفوز بالانتخابات.
المصدر:
الجزيرة