في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كشفت نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة في بريطانيا عن زلزال سياسي غير مسبوق هز أركان النظام الحزبي التقليدي، وأعاد فتح الباب أمام أسئلة كبرى حول مستقبل حكومة حزب العمال بزعامة كير ستارمر، في وقت يواصل فيه اليمين المتطرف بقيادة نايجل فاراج تحقيق اختراقات واسعة تهدد بإعادة تشكيل الحياة السياسية البريطانية بالكامل.
صحيفة لوموند الفرنسية رأت في افتتاحيتها أن ما جرى في انتخابات الخميس المنصرم لا يمكن قراءته باعتباره مجرد انتخابات بلدية ومحلية، بل باعتباره مؤشراً على تحول تاريخي في أقدم ديمقراطية أوروبية.
وقالت الصحيفة إن النتائج أظهرت تسارعاً واضحاً في تفكك المشهد السياسي البريطاني، في ظل تراجع شعبية رئيس الوزراء كير ستارمر وصعود حزب "إصلاح المملكة المتحدة" اليميني المتطرف بقيادة نايجل فاراج.
وبحسب "لوموند"، فإن الحزب اليميني نجح في اختراق معاقل حزب العمال التقليدية في شمال ووسط إنجلترا، وهي مناطق تعاني من الفقر والتراجع الاقتصادي، بينما تراجع المحافظون أيضاً لمصلحة أحزاب أخرى مثل الديمقراطيين الأحرار والخضر.
واعتبرت الصحيفة أن النظام السياسي البريطاني الذي ظل لأكثر من قرن قائماً على التنافس بين العمال والمحافظين، دخل مرحلة جديدة تتسم بالتشظي وظهور خمسة أحزاب كبرى تتنافس على السلطة.
وأضافت الصحيفة الفرنسية أن بريطانيا باتت تشبه دول وسط أوروبا التي شهدت صعود أحزاب قومية متشددة تستثمر في خطاب معاد للهجرة وللمهاجرين، مشيرة إلى أن ستارمر حاول مجاراة فاراج عبر تشديد سياسات الهجرة والحديث عن ضبط الحدود، لكنه فشل في وقف تدفق المهاجرين عبر القنال الإنجليزي، كما أخفق في إقناع الطبقات الفقيرة التي كانت تاريخياً قاعدة حزب العمال.
وقالت الصحيفة، نقلاً عن مصادر داخل الحزب والحكومة، إن ستة من كبار الوزراء امتنعوا عن تقديم دعم واضح لستارمر بعد الهزيمة القاسية في الانتخابات المحلية، بينهم وزير الطاقة إد ميليباند ووزيرة الثقافة ليزا ناندي ووزيرة الداخلية شابانا محمود ووزيرة الخارجية إيفيت كوبر ووزير الصحة ويس ستريتينغ.
وأضافت "آي بيبر" أن ستارمر يستعد لإلقاء خطاب مفصلي لإعادة إطلاق حكومته، لكن عدداً من الوزراء والنواب يعتقدون أن فشل هذا الخطاب قد يفتح الباب لتحرك داخلي ضده.
ونقلت عن أحد المصادر قوله إن كثيراً من أعضاء الحزب "يفقدون الثقة بسرعة" في قدرة ستارمر على إنقاذ الحكومة.
كما أشارت الصحيفة إلى أن بعض النواب يفضلون منحه مهلة زمنية لإعلان جدول لرحيله بدلاً من الإطاحة الفورية به، وهو ما قد يسمح لعمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام بالعودة إلى البرلمان وقيادة الحزب مستقبلاً.
لكن الصحيفة أوضحت أيضاً أن الانقسامات داخل الحزب، وغياب مرشح توافقي قوي، قد تدفع حزب العمال إلى الاستمرار في حالة الشلل السياسي.
وفي مقال تحليلي نشرته "آي بيبر"، اعتبر أندرو فيشر، المدير التنفيذي السابق للسياسات في حزب العمال، أن الحزب يواجه "أزمة وجودية" تهدد مستقبله السياسي بالكامل.
وقال إن المشكلة لا تتعلق فقط بشخص ستارمر، بل بفشل الحزب في تقديم مشروع سياسي واقتصادي مقنع للناخبين.
وأشار فيشر إلى أن العمال خسروا قواعدهم التقليدية في ويلز واسكتلندا وحتى في أجزاء واسعة من إنجلترا، بينما نجح حزب الخضر في استقطاب الناخبين التقدميين، ونجح حزب "إصلاح المملكة المتحدة" في جذب قطاعات من الطبقة العاملة الساخطة على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
وأضاف الكاتب أن عضوية حزب العمال انهارت بشكل حاد منذ وصول ستارمر إلى القيادة، بعدما كانت تتجاوز نصف مليون عضو وأصبحت الآن تقترب من 200 ألف فقط، في حين تتوسع عضوية الأحزاب المنافسة مثل الخضر و"إصلاح المملكة المتحدة".
وبحسب تحليل "آي بيبر"، فإن ستارمر فشل في ترجمة شعار "التغيير" الذي أوصل العمال إلى السلطة إلى سياسات ملموسة يشعر بها المواطن البريطاني، بينما أدت قرارات مثل تقليص دعم الوقود الشتوي ومحاولة خفض بعض المساعدات الاجتماعية إلى زيادة الغضب الشعبي.
كما اتهم الكاتب قيادة العمال بمحاولة استرضاء اليمين عبر تبني خطاب متشدد بشأن الهجرة، بدلاً من مواجهة خطاب فاراج والمحافظين. ولفت إلى أن هذا التحول أفقد الحزب جزءاً من قاعدته التقدمية التقليدية، دون أن ينجح في وقف صعود اليمين.
من جهتها، رأى موقع بوليتيكو الأمريكي أن نايجل فاراج بات يمثل قوة انتخابية حقيقية، حتى وإن كان طريقه إلى رئاسة الوزراء لا يزال معقداً وصعباً.
وقال بوليتيكو إن النظام السياسي البريطاني يشهد حالة غير مسبوقة من التقلب وتبدل الولاءات الحزبية، ما يمنح الأحزاب الصاعدة فرصاً أكبر لتحقيق اختراقات مفاجئة.
وأوضح تحليل الموقع الأمريكي أن حزب الإصلاح حقق قفزة هائلة في الانتخابات المحلية بعدما كان يمتلك مقعدين فقط في المجالس المحلية قبل أربع سنوات، بينما حصد الآن أكثر من 1200 مقعد، في مقابل خسائر كبيرة لحزبي العمال والمحافظين.
لكن الموقع أشار إلى أن فاراج ما زال يواجه عقبات ضخمة إذا أراد الوصول إلى داونينغ ستريت، إذ يحتاج حزبه إلى بناء ماكينة انتخابية أكثر كفاءة بكثير مما يملكه حالياً.
وأوضح أن الحزب حصل في انتخابات 2024 على أكثر من أربعة ملايين صوت، لكنه لم يحصد سوى خمسة مقاعد برلمانية بسبب طبيعة النظام الانتخابي البريطاني.
وبحسب بوليتيكو، فإن الحزب يحتاج إلى مضاعفة كفاءته الانتخابية أكثر من عشرين مرة حتى يتمكن من الفوز بأغلبية برلمانية. ومع ذلك، يؤكد الموقع أن فاراج استفاد من حالة الغضب الشعبي وتآكل الثقة بالأحزاب التقليدية، إضافة إلى تنامي القلق من الأوضاع الاقتصادية والهجرة.
وأشار الموقع إلى أن استطلاعات الرأي تظهر أن البريطانيين لا يزالون يشككون في قدرة فاراج على إدارة الاقتصاد أو قيادة الحكومة، إلا أن التحولات المتسارعة في المزاج الشعبي تجعل من الصعب استبعاد أي سيناريو مستقبلي.
وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تبدو بريطانيا مقبلة على مرحلة سياسية شديدة التقلب، مع تراجع الثقة في الحزبين التقليديين وصعود قوى جديدة تستثمر في الغضب الشعبي والانقسام الاجتماعي.
وبينما يحاول كير ستارمر إنقاذ حكومته وحزبه من الانهيار، يواصل نايجل فاراج توسيع نفوذه، مستفيدا من أزمة اقتصادية وسياسية عميقة تهدد بإعادة رسم الخريطة السياسية البريطانية للمرة الأولى منذ عقود.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة