آخر الأخبار

حرب وسط هدنة.. هكذا يتفاعل الإيرانيون مع تطورات الصراع

شارك

طهران- "تأتي التطورات الأخيرة جنوبي البلاد وتفعيل المضادات الجوية في طهران امتدادا لصراع متواصل منذ أكثر من شهرين إثر نجاح كيان الاحتلال في تثبيت روايته لدى الإدارة الأمريكية بشأن ما يعتبره تهديدا إيرانيا"، بهذه الكلمات يلخص بدرام (59 عاما) معضلة "الحرب وسط الهدنة" بين بلاده والولايات المتحدة.

وعلى وقع دوي الانفجارات الناجمة عن تفعيل المضادات الجوية، وتقارير عن أحداث أمنية في منطقتي "شهران" و"جيتكر" الواقعتين شمال غرب وغربي طهران على التوالي، يعتقد بدرام أن "احتمال عودة الحرب لا يزال قائما وبقوة".

قرب ساحة فاطمي ، وبعد لحظات صمت، يواصل حديثه – للجزيرة نت – بنبرة لا تخلو من الأسى: "نجاح إيران في هذه المرحلة لن يُقاس بعدد السفن التي تتحكم بها في هرمز، بل بقدرتها على التوصل إلى اتفاق حقيقي يضع حدا لدورة العنف المتواصلة وإلا تحولت حالة اللاحرب واللاسلم إلى عبء على الاقتصاد".

مصدر الصورة بعض المارة يقفون متفرجين على التجمعات الليلية المستمرة في طهران (الجزيرة)

لا تساهل

وعلى مقربة من شارع زرتشت وسط طهران، التقت الجزيرة نت الحاج حسن (73 عاما)، وهو ضابط متقاعد في الحرس الثوري، إذ عبّر عن رفضه أن تسمح بلاده "لأمريكا أو لإسرائيل أو لأي دولة أخرى بأن تعتدي على أراضينا متى شاءت، ثم تقول لنا إنه هجوم محدود وليس حربا، فهذا هو الخطر بعينه".

واعتبر أن تلقي الضربات بصمت، تحت ذريعة احتواء التصعيد، يجب ألا يبقى مطروحا بعد أن "استباحوا سيادتنا مرات ومرات"، ورأى أن بقاء إيران في هذه الحالة من الترقب والتفاوض المفتوح "يجرّئ العدو على مزيد من التجاوزات، ويجعل دماء شهدائنا ودمار مدننا بلا ثمن".

وبعد أن كشف أنه يعود هذه الليلة إلى التجمعات الشعبية بعد انقطاع دام أسبوعا، أشار بسبابته إلى السماء حيث كانت الدفاعات الجوية تتصدى لمسيّرات صغيرة وأجسام معادية أخرى، فقال: "على إيران أن تخرج من هذا الموقف بأسرع وقت ممكن، ولن يكون المخرج بالبيانات ولا بالمفاوضات التي لا تنتهي. الطريق الوحيد هو الرد بلا رحمة على كل من تسول له نفسه تجاوز حدودنا. الضربة القاسية على المعتدي هي اللغة الوحيدة التي يفهمها".

إعلان

وبينما كانت نبرته تعكس مناخا متصاعدا في الشارع الإيراني في اليوم الـ70 من حرب رمضان، نتوقف في زحام مروري بسبب عبور مسيرة بالسيارات، فيوضح نجله أمير علي (29 عاما) أن المسار الدبلوماسي الذي تنتهجه طهران اليوم لم يعد يحميها، بل بات يشكل غطاء يسمح للخصوم باختبار حدود الردع الإيراني مرة تلو الأخرى في مشهد يهدد بتحويل التوتر إلى حالة دائمة من الاستنزاف.

مصدر الصورة المحال التجارية في طهران مفتوحة حتى ساعات متأخرة من الليل (الجزيرة)

قلق وغلاء

وفي استكمال جولة الجزيرة نت نحو المناطق الشرقية للعاصمة طهران حيث كانت أبواب العديد من المحال التجارية مفتوحة، لكن يشكو البائعون شح الزبائن وتراجع الحركة الشرائية شيئا فشيئا. تقول الشابة مهراوه (34 عاما) وهي صاحبة محل للأزياء النسائية، إن "الاقتصاد الوطني المنهار يكاد يطحن الناس"، مضيفة أن الانتصارات العسكرية تحتاج إلى ترجمة سريعة في حياة المواطن، قبل أن يؤدي غلاء المعيشة إلى تفاقم الاحتقان الاجتماعي.

وبالقرب من ساحة "هفت تير" وسط طهران، تحتسي مهراوه الشاي وتراقب المارة، وتقول للجزيرة نت إن "طهران تتحدث هذه الأيام عن ورقة مضيق هرمز لكنها لم تستثمرها عمليا لرفع العقوبات، لا بد من توظيف هذه الأوراق لإنهاء الحرب وتحسين الوضع المعيشي وإعادة بناء البيوت المدمرة".

أما فاطمة، وهي ربة منزل في الخمسينيات من عمرها، فعلقت على الأخبار العاجلة التي كانت تبثها قناة "خبر" الناطقة بالفارسية: "كنا نظن أن الحرب انتهت عقب الحديث عن اتفاق وشيك بين طهران وواشنطن وتجميد الأخيرة مشروع الحرية بمضيق هرمز، لكننا نعيش في قلق دائم. كل يوم جديد يحمل مفاجأة. لم نعد نطيق هذا الوضع".

مصدر الصورة نقاط التفتيش تواصل عملها وسط طهران (الجزيرة)

انفجار داخلي

وقالت فاطمة للجزيرة نت إنها تدعم النظام في بلادها لكن لا يمكنها أن تغض الطرف عن "جيوب المواطنين الخاوية"، في حين قال زوجها عباس (58 عاما – موظف إداري) إنه يخشى اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية بتحريض من جبهة الأعداء الذين عجزوا عن تحقيق أهدافهم في ساحة النزال، على حد تعبيره.

وتابع حديثه للجزيرة نت أن الشارع الإيراني ورغم تراكم الأزمات، يواصل تجمعاته الشعبية الداعمة لوحدة بلاده وللتنديد بالاعتداء العسكري الأمريكي والإسرائيلي، مستدركا أن علامات الغضب تتصاعد تحت السطح بسبب استمرار حالة اللاحرب واللاسلم، وأن العدو يعزف على هذا الاستياء الشعبي، قبل أن يختم كلامه بالقول: "إذا استمر الوضع على ما هو عليه، مع تضييق الخناق الاقتصادي وغياب أي أفق للسلام، فالانفجار الداخلي مسألة وقت ليس أكثر".

مصدر الصورة أبواب الملاهي مفتوحة حتى ساعات متأخرة من الليل في طهران (الجزيرة)

ولدى مغادرتنا المحل التجاري، قالت صاحبة المحل مهراوه: "لم يعد يهمني من المنتصر ومن المهزوم، أريد ألا أرى المحل فارغا من الزبائن، وأن أنام ليلة كاملة دون خوف من الانفجارات، وإذا لم تستطع الدولة أن تؤمن لي هذا، فلماذا أدافع عنها؟".

إنه سؤال وجودي يخترق صمت ليالي طهران، ويختزل أزمة بلد عالق بين الحرب وتدهور الوضع المعيشي.

إعلان

توجهنا بالسؤال إلى عالم الاجتماع الإيراني مجيد أبهري الذي وصف الحالة الضبابية التي تعيشها بلاده حاليا باعتبارها أخطر ما يمكن أن يمر به المجتمع.

تداعيات الحرب

وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح أبهري أنه في حالة اللاحرب واللاسلم تتحول الشائعات والحملات الإعلامية الممنهجة في الفضاء الافتراضي إلى "تسميم نفسي جماعي" يبث اليأس في المجتمع ويقوض ثقته بالمستقبل، محذرا من أن استمرار الحالة الضبابية الراهنة قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي لا تحمد عقباه.

وفي قراءة للتداعيات المتعددة للحرب على المجتمع، يرى الباحث الإيراني أن الأضرار النفسية والمعنوية التي لحقت بالمواطنين قد تكون أخطر من الخسائر المادية المباشرة، مشيرا إلى أن "الرعب والخوف اللذين ينتجان عن الحرب يتركان آثارا لا تعوض وتحتاج إلى علاج نفسي مستدام، ليس فقط لتجاوز الصدمة، بل لتحضير الأفراد للمستقبل".

ويؤكد أبهري أن المعاناة لا تقف عند حدود الخوف، بل تمتد لتشمل الأعباء الاقتصادية الثقيلة التي ترافق الحروب كشبح ملازم، وفي مقدمتها التضخم الجنوني وارتفاع الأسعار جراء انقطاع سلاسل التوريد بسبب ظروف الحرب، واستغلال بعض الجشعين للأزمة من أجل احتكار السلع الأساسية ورفع أسعارها.

ودعا المتخصص ذاته إلى تدخل رسمي فوري لتأمين المواد الحيوية وكسر احتكار المحتكرين، معتبرا أن ترك السوق دون رقابة في ظل الحرب يعني تفجير الأوضاع من الداخل.

غير أن الباحث يرسي في ختام تحليله نقطة تفاؤل نسبي، معتبرا أن محاولات العدو لإشعال الشغب والاحتجاجات الشعبية تحت ذريعة الغلاء "لن تصل إلى هدفها"، وذلك في ظل ما يصفه بـ"الوجود المستمر للناس في الشوارع وفي التجمعات الليلية".

مصدر الصورة عباءة وعمامة خامنئي في الشارع وسط طهران (الجزيرة)
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا