في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تدفع الحرب مع الولايات المتحدة، بما تحمله من ضغوط عسكرية واقتصادية، نحو إعادة تشكيل مراكز القرار داخل إيران في مسار يبدو تدريجيا، لكنه يكشف عن تحولات لافتة في توازنات السلطة، بالتوازي مع مسار تفاوضي متعثر وخيارات تصعيد لا تزال قائمة.
ويأتي ذلك في ظل هدنة تعتبرها واشنطن نهاية للأعمال القتالية منذ أبريل/نيسان، رغم استمرار إعداد خطط عسكرية محتملة، وهو ما يضع طهران أمام معادلة معقدة بين تجنب التصعيد والحفاظ على أوراق القوة، وسط ضغوط داخلية متزايدة.
وأحدثت الضربات الأولى التي استهدفت إيران منذ بداية الحرب خسائر غير مسبوقة في هرم القيادة، مع سقوط عدد من أبرز صناع القرار السياسي والأمني، في تطور أعاد خلط أوراق مراكز النفوذ داخل النظام وطرح تساؤلات حول تماسك البنية القيادية.
وشمل هذا الغياب شخصيات وازنة ارتبطت لسنوات بإدارة الملفات الحساسة، من أبرزها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الراحل علي لاريجاني، إلى جانب قيادات عسكرية وأمنية بارزة، كانت تشكل حلقة وصل بين التيارات المختلفة، ما عمّق فراغا سياسيا ينعكس على مسار القرار في مرحلة بالغة التعقيد.
وفي هذا السياق، يلفت الصحفي عبد القادر فايز – وهو متخصص في الدراسات الإيرانية – إلى أن المشهد السياسي الإيراني يشهد تغيرات "بطيئة لكنها مهمة"، مع مؤشرات على تراجع حضور التيار المتشدد في دوائر التأثير، سواء على مستوى صناعة القرار أو في الفضاءين الإعلامي والسياسي.
ويشير إلى أن هذا التراجع يمكن رصده في تقلص ظهور شخصيات محسوبة على هذا التيار، ليس فقط في وسائل الإعلام الرسمية بل أيضا في الفعاليات العامة، وكذلك في تمثيلها ضمن المسارات التفاوضية، مقارنة بمراحل سابقة من الصراع.
ويربط فايز هذا التحول بحاجة طهران إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على الفصل بين المسارين السياسي والعسكري، بحيث تحافظ على التشدد في الميدان، مقابل إبداء مرونة نسبية في التفاوض، تفاديا لكلفة التصعيد الشامل.
ويضيف أن الجمع بين التشدد في المسارين معا قد يكون "خيارا مكلفا"، في حين أن المرونة السياسية تتيح هامشا أوسع للمناورة، خاصة في ظل استمرار الضغوط الدولية، واحتمال عودة التصعيد العسكري في أي لحظة.
وفي موازاة ذلك، تتزايد المؤشرات على وجود تباينات داخلية في مقاربة الملفات الكبرى، إذ لم تعد الخلافات محصورة في الإطار التكتيكي، بل باتت تقترب من مستويات أعمق، تتعلق بكيفية إدارة الصراع مع الولايات المتحدة.
وبحسب فايز، فإن هذه التباينات ليست جديدة في السياق الإيراني، لكنها قد تتخذ طابعا أكثر وضوحا في المرحلة الحالية مع تصاعد كلفة الحرب وتعقيد الخيارات بين الاستمرار في المواجهة أو الانخراط في تسوية.
على الصعيد الداخلي، يوضح صهيب العصا عبر الشاشة التفاعلية أن الحرب ألقت بظلال ثقيلة على الاقتصاد الإيراني، مع تراجع حاد في قيمة العملة ووصول الريال إلى مستويات متدنية تاريخيا، في ظل ضغوط متواصلة على مختلف القطاعات.
ويشير إلى أن استهداف المنشآت الصناعية بما في ذلك مصانع الصلب والإسمنت، أدى إلى تعطيل قطاعات إنتاجية رئيسية، وانعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد، من الصناعات الثقيلة إلى الأسواق الاستهلاكية.
كما أدت الحرب إلى إغلاق واسع للمحال التجارية خلال فتراتها وتسريح أعداد كبيرة من العمال، وسط تقديرات تتحدث عن دخول نحو مليون شخص دائرة البطالة، وهو ما فاقم من الأعباء الاجتماعية والمعيشية.
ويضيف العصا أن هذه التطورات انعكست في ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية، في وقت يتزامن فيه ذلك مع استمرار الحصار، مما يعمق من تأثير الضغوط الاقتصادية على الاستقرار الداخلي.
وتتقاطع هذه الضغوط مع المسار السياسي، إذ يرى مراقبون أن كلفة الحرب الاقتصادية تمثل عاملا ضاغطا باتجاه تبني خيارات أكثر مرونة، خاصة في ظل غياب أفق واضح لحسم عسكري، واستمرار حالة الجمود التفاوضي.
المصدر:
الجزيرة