لم تكن إقالة وزير البحرية الأمريكي جون فيلان مجرد تغيير إداري عابر، بل بدت ذروة قصة متشابكة من الطموحات الشخصية، والصراعات داخل البنتاغون، ورؤية رئاسية مثيرة للجدل.
ووفق تقرير نشره موقع ذا هيل الأمريكي، كشف القرار المفاجئ عن قلق متزايد لدى الرئيس دونالد ترمب بشأن مشروعه الأبرز: إعادة بناء القوة البحرية عبر ما وصفه بـ"الأسطول الذهبي".
تعود جذور القصة إلى ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما أعلن ترمب عن خطته لإنشاء فئة جديدة من البوارج الضخمة تحمل اسمه.
وكانت هذه السفن، بحسب ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز ، حلما شخصيا للرئيس، الذي أراد إنتاج بوارج تُعد "الأسرع والأكبر والأكثر قوة بـ100 مرة من أي بارجة سابقة".
ولم يكن المشروع مبنيا على اعتبارات عسكرية بالضرورة، بل كان نتاجا لأحلام ترمب أحياها المسلسل الوثائقي "النصر في البحر" الذي عُرض في الخمسينيات، توضح الصحيفة.
وهو مسلسل تلفزيوني وثائقي عُرض في الخمسينيات من القرن الماضي استعرض دور البوارج البطولي وغيرها من سفن البحرية في الحرب العالمية الثانية، بحسب نيويورك تايمز.
وكان لفيلان دور محوري في تغذية هذا الحماس، إذ كان يعرض على ترمب لوحات زيتية لبوارج تاريخية، ويبادله الرسائل النصية ليلا حول "السفن الأمريكية الصدئة" وسبل إحيائها، وفقا للصحيفة.
هذا القرب الشخصي جعل فيلان الواجهة التنفيذية للمشروع في نظر ترمب، بعيدا عن بيروقراطية البنتاغون، بحسب التقرير.
ازدادت حدة التوتر عندما تجاوز فيلان تسلسل الهرم القيادي للبنتاغون، وتواصل مباشرة مع ترمب لعرض أفكاره، بما في ذلك مشروع البارجة الجديدة، وهو ما عده هيغسيث تحديا لسلطته
لكن الحلم اصطدم سريعا بالواقع. إذ كلف ترمب فيلان بإنتاج أول سفينة بحلول 2028، وهو ما عده الكثير من الخبراء "أمرا شبه مستحيل".
فالصناعة البحرية الأمريكية تفتقر إلى القدرة على بناء سفن بهذه الضخامة والتقدم التكنولوجي خلال سنوات قليلة، خاصة أن ترمب يريد أن تحتوي السفن على تقنيات لا تزال قيد التطوير مثل الأسلحة الليزرية والصواريخ الفرط صوتية.
ونقلت الصحيفة قول الخبير مارك كانسيان -من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية- إن مواصفات المشروع المميزة "ستثير نقاشا واسعا"، لكنه أضاف أن هذا النقاش قد يكون بلا جدوى لأن "هذه السفينة لن تبحر أبدا"، مرجحا أن تلغي الإدارات القادمة المشروع قبل أن يكتمل.
بدوره، يشير موقع هيل الأمريكي إلى انتقاد مارك مونتغمري -وهو أدميرال متقاعد في البحرية الأمريكية- مشروع فيلان وترمب بأكمله، إذ ستبلغ تكلفة السفينة الواحدة من 24 إلى 26 مليار دولار كحد أدنى، وهو ما يعادل تكلفة بناء 12 مدمرة.
وتزامن تعثر المشروع مع تصاعد التوتر بين فيلان ووزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث. ووفق وول ستريت جورنال ، لم يكن الخلاف بين الرجلين وليد اللحظة، بل تراكم عبر أشهر من الاحتكاك.
لم يُدعَ فيلان أحيانا إلى اجتماعات مهمة مع كبار مسؤولي شركات بناء السفن، في مؤشر واضح على تهميشه
وازدادت حدة التوتر عندما تجاوز فيلان تسلسل الهرم القيادي للبنتاغون، وتواصل مباشرة مع ترمب لعرض أفكاره، بما في ذلك مشروع البارجة الجديدة، وهو ما عده هيغسيث تحديا لسلطته، وزرع بذور صراع شخصي ومهني في آن واحد، طبقا للصحيفة.
وبالتالي، استغل هيغسيث ونائبه ستيفن فاينبرغ -اللذان وصفتهما نيويورك تايمز بـ"أعداء فيلان في البنتاغون"- تعثر ملف البوارج لتهميش فيلان، وشن حملة لإجباره على ترك منصبه.
خلال الأسابيع التالية، بدأ هيغسيث في تقليص نفوذ فيلان تدريجيا، وسحب هو وفاينبرغ ملف الغواصات الأمريكية من وزير البحرية السابق، وعيّنا أدميرالا بثلاث نجوم للإشراف على الملف، على أن يرفع تقاريره مباشرة إلى فاينبرغ، طبقا لوول ستريت جورنال.
ولم يُدعَ فيلان أحيانا إلى اجتماعات مهمة مع كبار مسؤولي شركات بناء السفن، في مؤشر واضح على تهميشه، بحسب التقارير.
هيغسيث وفاينبرغ أقنعا ترمب بأن فيلان غير منسجم مع طاقم البنتاغون وأنه بطيء في تنفيذ المشروع
وفي النهاية، أكدت نيويورك تايمز أن فيلان كان مسؤولا عن ملف رئيسي واحد هو "الأسطول الذهبي"، وهو الملف الأكثر تعقيدا وخطورة.
وفي الأسابيع الأخيرة، أدرك فيلان أن تنفيذ المشروع وفق شروط ترمب غير ممكن، وفق نيويورك تايمز، وكان أحد أكبر أخطائه اقتراح اللجوء إلى أحواض بناء سفن أوروبية أو آسيوية لتسريع العمل.
وقوبل ذلك برفض قاطع من ترمب، الذي شدد على أن المشروع يجب أن يُنفذ داخل الولايات المتحدة، باعتباره جزءا من رؤيته لإحياء الصناعة الأمريكية.
وبينما أكدت نيويورك تايمز امتعاض ترمب من اقتراح فيلان، ذهب موقع هيل إلى أبعد من ذلك، وأكد -استنادا إلى هنتر ستايرز، وهو إستراتيجي بحري مخضرم- أن إقالة فيلان بعثت "إشارة واضحة" لجميع القادة في البحرية والإدارة، بأن مجرد التلميح إلى تصدير المشروع للخارج قد ينهي مسيرتهم المهنية.
واستغل هيغسيث وفاينبرغ هذه اللحظة، بحسب وول ستريت جورنال، وأقنعا ترمب بأن فيلان غير منسجم مع طاقم البنتاغون وأنه بطيء في تنفيذ المشروع.
وفي يوم الثلاثاء الماضي، تلقى فيلان اتصالا من مديره هيغسيث يطلب منه الاستقالة، بينما كان وزير البحرية في الكونغرس يناقش الميزانية.
ولم يستوعب فيلان القرار، فقد كان أحد داعمي ترمب الرئيسيين لفترة طويلة، ومول حملة الرئيس الانتخابية بملايين الدولارات، فتوجه الوزير فورا إلى البيت الأبيض، حيث انتظر أكثر من ساعة في ردهة الجناح الغربي على أمل مقابلة صديقه القديم.
عُيِّن القبطان المتقاعد هونغ كاو وزيرا للبحرية بالإنابة، الذي يعتبره البيت الأبيض "تجسيدا للحلم الأمريكي"
لكن، كما تروي وول ستريت جورنال في تقريرها الحصري، لم يتفرغ الرئيس له حينها، وعندما تحدث فيلان مع ترمب الأربعاء، وطلب منه البقاء في منصبه، أبلغه الرئيس أنه "رجل ممتاز" لكنه لم ينسجم مع الآخرين في ملف بناء السفن، وأيد قرار إقالته.
ويقول موقع هيل الأمريكي إن هذه الإقالة جاءت ضمن موجة أوسع من التغييرات داخل وزارة الدفاع، إذ أُقيل أكثر من 30 ضابطا رفيعا خلال فترة قصيرة تحت إشراف هيغسيث.
وأثارت هذه التغييرات قلقا سياسيا، خاصة مع تزامنها مع الحرب على إيران، وتوسع الولايات المتحدة العسكري، وفق الموقع.
وطبقا للموقع، عُيِّن القبطان المتقاعد هونغ كاو وزيرا للبحرية بالإنابة، وهو خبير عسكري شارك في حروب العراق وأفغانستان والصومال، ويعتبره البيت الأبيض "تجسيدا للحلم الأمريكي" والشخص القادر على استعادة الهيمنة البحرية.
ولا يزال مصير "الأسطول الذهبي" غامضا، ولم تبحر السفينة بالفعل، لكنها نجحت في إغراق ربانها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة