آخر الأخبار

محطات التحلية في الخليج ـ هل تصبح المياه سلاح الحرب القادمة؟

شارك
تشكل محطات تحلية مياه البحر في دول الخليج العربية مصدرا مهما وحيويا للمياه في هذه الدول صورة من: FAYEZ NURELDINE/AFP/Getty Images

تعتبر دول مجلس التعاون الخليجي من أكثر مناطق العالم ندرة في المياه العذبة ، الأمر الذي جعلها تعتمد بشكل حيوي على محطات تحلية مياه البحر لتلبية احتياجاتها المتزايدة من المياه الصالحة للشرب والاستخدامات الصناعية والزراعية.

هذه المحطات، التي تمثل شريان الحياة لهذه الدول، أصبحت في الآونة الأخيرة نقطة ضعف استراتيجية في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، خاصة مع التهديدات الإيرانية المتكررة باستهداف البنية التحتية الحيوية في حال تعرض منشآتها النووية أو العسكرية لهجوم، وفق ما جاء في تحليل مفصل نشرته رويترز حول اعتماد المنطقة على التحلية كخط دفاع أول وأخير.

هذه المحطات، التي تمثل شريان الحياة لهذه الدول، أصبحت في الآونة الأخيرة نقطة ضعف استراتيجية في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدةصورة من: Dreamstime/IMAGO

شريان حياة لا غنى عنه

تعتمد دول الخليج العربية بشكل شبه كلي على تحلية المياه لتوفير احتياجاتها المائية الأساسية، حيث تفتقر المنطقة للأنهار الدائمة والمياه الجوفية المتجددة الكافية لدعم النمو السكاني والاقتصادي المتسارع. وقد أظهرت البيانات الإحصائية المحدثة لعام 2026 أن نسبة الاعتماد على المياه المحلاة تتجاوز 70% في معظم دول المجلس، وتصل إلى ما يقرب من 100% في دول مثل قطر والكويت، بحسب ما ورد في التقارير الإحصائية السنوية الصادرة عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي (GCC-Stat).

ففي السعودية على سبيل المثال، تبلغ نسبة الاعتماد على التحلية نحو 70%، وفي الإمارات ما بين 42 و 52% وفي قطر ترتفع النسبة لتبلغ اكثر من 95% وفق أحدث التقارير الصادرة في عام 2026.

تضم المنطقة أضخم مجمعات تحلية المياه عالمياً، مثل محطة جبل علي في دبي التي تنتج أكثر من 2.2 مليون متر مكعب يومياً، ومحطة رأس الخير في السعودية التي تعد الأكبر من نوعها عالمياً بتقنية الهجين. هذه المنشآت لا توفر مياه الشرب فحسب، بل تدعم قطاعات الطاقة والصناعة الثقيلة، مما يجعلها ركيزة أساسية للأمن القومي والاستقرار الاقتصادي، وفقاً لما ذكره تحليل صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) .

نقطة ضعف استراتيجية

في ظل التوترات المستمرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، برزت تهديدات إيرانية صريحة باستهداف البنية التحتية الحيوية لدول الخليج، بما في ذلك محطات تحلية المياه، كأداة ردع في حال تعرضت المنشآت الإيرانية لهجوم عسكري.

وتعتبر إيران أن ضرب هذه المحطات هو الوسيلة الأسرع والأكثر تأثيراً لزعزعة استقرار المنطقة بالكامل، على حد قول محللين أمنيين في مقال نشرته صحيفة "ذا ناشيونال" حول مخاطر الصراع الإقليمي على الموارد المائية.

برزت تهديدات إيرانية صريحة باستهداف البنية التحتية الحيوية لدول الخليج، بما في ذلك محطات تحلية المياهصورة من: Planet Labs

ويمثل استهداف محطات التحلية تصعيداً خطيراً يتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية، حيث يؤدي تدمير محطة واحدة كبرى إلى حرمان ملايين السكان من المياه في غضون ساعات، مما قد يتسبب في كارثة إنسانية لا يمكن احتواؤها بالوسائل التقليدية. ويشير تقرير لمؤسسة "سيركل أوف بلو" المتخصصة في شؤون المياه إلى أن أي هجوم ناجح على هذه المنشآت سيؤدي إلى شلل تام في الحياة الحضرية والنشاط الاقتصادي في المدن الكبرى مثل دبي والرياض والدوحة.

انعكاسات استهداف محطات التحلية

وإذا ما تم تنفيذ هذه التهديدات، فإن الانعكاسات ستكون كارثية ومتعددة الأبعاد، تبدأ من النقص الحاد في مياه الشرب وتصل إلى انهيار القطاعات الإنتاجية. ففي غياب مصادر بديلة كافية، سيواجه السكان أزمة وجودية فورية، مما قد يدفع نحو موجات نزوح جماعي واضطرابات اجتماعية واسعة النطاق، وفق التقرير الصادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية(CSIS) في مارس من هذا العام.

أما على الصعيد الاقتصادي، فإن توقف محطات التحلية يعني توقف محطات توليد الكهرباء المرتبطة بها غالباً، مما سيؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي وتوقف المصانع والمنشآت الحيوية. هذا الانهيار المتسلسل سيؤدي إلى خسائر بمليارات الدولارات وتأثيرات سلبية عميقة على أسواق الطاقة العالمية، نظراً للدور المحوري لدول الخليج في إمدادات النفط والغاز، بحسب تحليل اقتصادي نشرته وكالة "بلومبرغ" .

إذا ما تم تنفيذ هذه التهديدات بقصف محطات تحلية المياه، فإن الانعكاسات ستكون كارثية ومتعددة الأبعادصورة من: Planet Labs

الاستعدادات والحلول الاستراتيجية

تدرك دول الخليج هذه المخاطر الجسيمة، ولذلك بدأت في اتخاذ خطوات استباقية لتعزيز مرونة قطاع المياه، من خلال بناء خزانات استراتيجية ضخمة تحت الأرض تكفي لعدة أسابيع، وتطوير تقنيات التحلية بالطاقة الشمسية لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري والربط الكهربائي. وتعمل دول المجلس على تعزيز أنظمة الدفاع الجوي والبحري حول هذه المنشآت الحيوية لردع أي هجمات محتملة، وفق ما جاء في تقرير مركز أبحاث Cleantech والصادر في أبريل 2026 حول استراتيجيات الأمن المائي الخليجية.

في النهاية، تظل محطات تحلية المياه في الخليج هي العصب الحيوي الذي لا يمكن للمنطقة الاستمرار بدونه، مما يجعلها هدفاً مغرياً في أي صراع إقليمي واسع. إن حماية هذه المنشآت ليست مجرد مسألة فنية أو اقتصادية، بل هي قضية أمن قومي وجودية تتطلب تنسيقاً إقليمياً ودولياً عالي المستوى لضمان استمرار تدفق المياه وحماية استقرار المنطقة من التداعيات الكارثية لأي صراع محتمل، وفقاً لنتائج دراسة بحثية نشرتها مجلة "نيتشر" حول مستقبل المياه في الشرق الأوسط.

تحرير: عبده جميل المخلافي

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا إيران أمريكا اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا