في تصعيد لافت مساء أمس الجمعة، تأكد استهداف "مجمع الشهيد خنداب" للماء الثقيل قرب مدينة آراك الإيرانية ومنشأة لإنتاج الكعكة الصفراء في أردكان بمحافظة يزد، في حين تحدثت تقارير إيرانية وإسرائيلية عن ضرب فولاذ "مباركة" في أصفهان وخوزستان للصلب في الأهواز، إضافة إلى موقع تابع لأسمنت فيروز آباد قرب شيراز.
وبينما قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنه لا توجد زيادة في مستويات الإشعاع خارج المواقع المستهدفة، فإن دلالة الضربات تبدو أوسع من مجرد إصابة أهداف متفرقة، حيث إنها تمس حلقات من البرنامج النووي من جهة، والقاعدة الصناعية الثقيلة للاقتصاد الإيراني من جهة أخرى.
القاسم المشترك هو أن الضربات جمعت بين هدفين متوازيين: إبطاء البنية النووية الإيرانية في مرحلتين مبكرتين ومهمتين، هما الماء الثقيل والكعكة الصفراء، وإلحاق كلفة اقتصادية وصناعية مباشرة بإيران عبر ضرب منشآت فولاذ وأسمنت كبيرة.
وهذا يعني أن بنك الأهداف لم يعد محصورا بالمواقع العسكرية الصرفة، بل اتسع ليشمل مفاصل صناعية يمكن أن تؤثر في الإنتاج، وسلاسل الإمداد، والقدرة على التعافي وإعادة البناء.
لأن مفاعلات الماء الثقيل تُعد حساسة من زاوية الانتشار النووي، فهي، في تصميمها الأصلي، يمكن أن تنتج البلوتونيوم الذي يمكن استخدامه لاحقا في السلاح النووي، حتى وإن كانت إيران تنفي السعي إلى ذلك.
وكان مشروع آراك قد تأثر بقيود اتفاق 2015، إذ أُزيل قلب المفاعل الأصلي وجُمّدت أجزاء من المشروع، لكن إيران كانت قد أبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأنها تخطط لتشغيله في 2026، مما يعيد إليه أهميته الإستراتيجية.
الكعكة الصفراء ليست وقودا نوويا جاهزا، لكنها مادة اليورانيوم المركزة بعد إزالة الشوائب من الخام، أي إنها تمثل مرحلة أولى وأساسية قبل التحويل ثم التخصيب.
لذلك فإن ضرب منشأة أردكان في يزد يستهدف المنبع الذي تبدأ منه السلسلة النووية. المعنى هنا هو تعطيل الحلقة المبكرة في دورة الوقود، لا فقط ضرب منشآت التخصيب النهائية.
لأن الرسالة تبدو اقتصادية عسكرية معا. فولاذ مباركة وخوزستان للصلب يُنظر إليهما بوصفهما من أكبر أصول الصناعة الثقيلة في إيران، واستهدافهما يضغط على قطاعات البناء، والتصنيع، والبنية التحتية، وربما على بعض الصناعات ذات الاستخدام المزدوج.
وفي تفاصيل إضافية عن الهجوم على شركة فولاذ خوزستان، قالت العلاقات العامة للشركة إن الضربة أصابت وحدات الاختزال المباشر 2، و"الميغامودول زمزم 3″، إضافة إلى قسم صناعة الفولاذ، مما أدى إلى توقف خطوط الإنتاج.
وهنا لا يوجد دليل علني مستقل يربط هذين المصنعين مباشرة بالبرنامج النووي مثل آراك أو أردكان، لكن حجم المنشأتين ومكانتهما يجعلان ضربهما وسيلة لرفع الكلفة الاقتصادية والنفسية، وإظهار أن الاستهداف انتقل من "عقد نووية" إلى "شرايين اقتصادية".
استهداف موقع تابع للأسمنت، يُقرأ غالبا في إطار ضرب مواد البناء والإسناد اللوجيستي. فالأسمنت والصلب معا يعنيان عمليا الضغط على قدرة الدولة على تشييد المنشآت، وإصلاح الأضرار، والحفاظ على دورة المشروعات المدنية والصناعية.
لكن يجدر التنبيه هنا إلى أن التفاصيل الخاصة بفيروز آباد لا تزال معتمدة بدرجة كبيرة على روايات محلية وإسرائيلية أكثر من اعتمادها على تأكيدات دولية مستقلة.
حتى الآن، لا. فالوكالة الدولية للطاقة الذرية قالت إنه لا توجد زيادة في مستويات الإشعاع خارج الموقع بعد ضرب منشأة أردكان، كما أن التقارير الخاصة بآراك تحدثت عن عدم وجود تأثيرات إشعاعية على السكان خارج الموقع.
وهذا لا ينفي المخاطر الصناعية والبيئية المحلية، لكنه يعني أن المشهد الحالي أقرب إلى ضربة على البنية النووية والصناعية منه إلى حادث تلوث إشعاعي واسع.
اقتصاديا، ضرب الصناعة الثقيلة يضيف طبقة جديدة من الضغط فوق الاضطراب الأوسع الذي تعيشه المنطقة بسبب الحرب، ولا سيما مع استمرار التوتر حول الملاحة والطاقة في مضيق هرمز.
وسياسيا، تحمل الضربات رسالة مفادها أن الاستهداف يمكن أن يطال "قدرة الدولة على الإنتاج" وليس فقط "قدرة الدولة على الرد".
وهذا النوع من الضربات قد يدفع طهران إلى توسيع الرد نحو بنى صناعية أو اقتصادية مقابلة في الإقليم، أو إلى التشدد أكثر في مسار التفاوض إن وُجد.
هي لا تحسم الحرب وحدها، لكنها تشير إلى انتقال نوعي في طبيعتها من استهداف عقد عسكرية ونووية محددة إلى استنزاف مركب يطال الاقتصاد والصناعة والرمزية السيادية معا.
وإذا استمر هذا النمط، فالمواجهة ستصبح أقل ارتباطا بـ"ضربات موضعية" وأكثر ارتباطا بـ"حرب استنزاف بنيوية" ضد قدرة إيران على الإنتاج والتمويل والتعافي.
وعلى ما يبدو فإن استهداف آراك ويزد يضرب حلقتين واضحتين في دورة البرنامج النووي الإيراني، فبينما يوسّع ضرب الصلب والأسمنت ساحة المعركة إلى العمق الاقتصادي. تبدو الرسالة، ليس فقط إبطاء البرنامج النووي، بل ربما أيضا رفع كلفة الحرب على الدولة الإيرانية نفسها، اقتصاديا ونفسيا وسياسيا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة