في بلد مثل إيران، يصعب التكهن بمصير النظام ومدى قدرته على الصمود في مواجهة أيّ هجوم خارجي، بسبب تعقيداته والطابع الأيديولوجي لقاعدته الشعبية، وقوة الحرس الثوري.
وبدا هذا السؤال ملحّا في ظل احتمال شن الولايات المتحدة ضربة عسكرية ضد إيران على خلفية قمع التظاهرات، التي نظّمت في يناير الجاري، بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وتدهور قيمة العملة الإيرانية.
وبينما يعلن النظام عزمه التصدي لأيّ هجوم أميركي محتمل، واصلت الولايات المتحدة إرسال تعزيزات عسكرية إلى الشرق الأوسط وبحث خيار توجيه الضربة وحدودها.
يقوم النظام السياسي الإيراني على مبدأ ولاية الفقيه، الذي يقضي بأن تكون السلطة العليا بيد رجل دين كبير.
وكان أول زعيم أو مرشد أعلى في إيران هو روح الله الخميني، واتسمت شخصيته بالكاريزما واعتبر الأب الروحي للثورة الإسلامية عام 1979، وهو الذي طور نموذجا يضع سلطة رجل دين فوق سلطة الحكومة المنتخبة.
وعزز خليفته، علي خامنئي، هذا الدور منذ أن أصبح المرشد الأعلى لإيران في 1989. وضمن ذلك احتفاظه بالقول الفصل في جميع القرارات السياسية الرئيسة، وأسس لنظام حكم مواز، إلى جانب الحكومة المنتخبة، يعتمد على الموالين له.
ويمارس خامنئي نفوذه عادة من خلال المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الذي يقوده مستشاره منذ فترة طويلة علي لاريجاني. كما لعب مستشارون آخرون لخامنئي، منهم وزير الدفاع السابق علي شمخاني ووزير الخارجية السابق علي أكبر ولايتي، أدواراً بارزة أيضا.
لم يعين خامنئي (86 عاما) خليفة له، وليس من الواضح من سيخلفه إذا قتل أو أطيح به أو توفي.
وفي بعض الأحيان، اعتبر ابنه مجتبى مرشحا محتملا وأيضا حسن الخميني حفيد سلفه وبعض كبار رجال الدين.
بين الدين والسياسة
تسيطر النخبة الدينية في إيران على هيئات قوية يمتد نفوذها في كلّ جوانب النظام السياسي.
ويتألف مجلس الخبراء من كبار المرجعيات الدينية وينتخبون لذلك كل ثماني سنوات.
ويعتبر هذا المجلس الجهة المسؤولة عن تعيين الزعيم أو المرشد الأعلى. ويمنح الدستور هذا المجلس صلاحية مساءلة الزعيم الأعلى وعزله، إلا أنه لم يفعل ذلك قط.
ويمكن لمجلس صيانة الدستور، الذي يعين الزعيم الأعلى نصف أعضائه ويعين رئيس السلطة القضائية النصف الآخر، أن يستخدم حق النقض لحجب قوانين أقرها البرلمان وأن يستبعد مرشحين للانتخابات، وهي صلاحيات استخدمها بالفعل لمنع منتقدين محتملين لخامنئي من الترشح.
وتتولى هيئة دينية أخرى، هي مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي يعين خامنئي أعضاءه، حل الخلافات بين البرلمان المنتخب ومجلس صيانة الدستور.
بالنسبة للجهاز القضائي، يعين خامنئي رئيس السلطة القضائية، علماً أن القضاة هم رجال دين أيضاً.
وفرضت دول غربية عقوبات على غلام حسين محسني إجئي رئيس السلطة القضائية الحالي، بسبب قمعه العنيف للمتظاهرين في 2009 عندما كان وزيرا للاستخبارات.
ومن بين رجال الدين المؤثرين الآخرين رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام ورئيس السلطة القضائية السابق صادق لاريجاني، شقيق علي لاريجاني، وأيضا عضو مجلس الخبراء ومجلس تشخيص مصلحة النظام محسن الأراكي وإمام صلاة الجمعة في طهران أحمد خاتمي.
مع ذلك، لا يؤيد كلّ رجال الدين، حتى كبارهم، بالضرورة النظام الديني الحاكم أو قادته الحاليين، إذ أن بعضهم يعارضون هذا النظام، فيما حاول آخرون، مثل الرئيس السابق محمد خاتمي، إصلاح النظام القائم لكن دون جدوى.
الحرس الثوري
يتلقى الحرس الثوري الإيراني أومره مباشرة من الزعيم الأعلى، على خلاف الجيش النظامي، الذي يخضع لوزارة الدفاع في حكومة منتخبة.
تأسس الحرس الثوري بعد فترة وجيزة من الثورة الإسلامية، وتوسع دوره في حماية النظام بشكل كبير خلال الحرب مع العراق 1980-1988، ليصبح اليوم أقوى وأكثر تشكيلات القوات المسلحة الإيرانية تجهيزا.
وعلى مدى العقود الماضية، وسع الحرس الثوري نفوذه في المشهدين السياسي والاقتصادي مما أكسبه قوة في الداخل والخارج.
وقاد فيلق القدس، وهو وحدة نخبة تابعة للحرس الثوري، استراتيجية إيران في المنطقة لدعم جماعات شيعية في أنحاء الشرق الأوسط، خاصة في لبنان والعراق. وتلقت هذه الاستراتيجية ضربة بعد اغتيال الولايات المتحدة لقائد فيلق القدس قاسم سليماني في غارة جوية بالعراق في 2020، وقصف إسرائيل لجماعة حزب الله اللبنانية في حرب في 2024.
وتلجأ السلطات لقوة الباسيج، وهي قوة شبه عسكرية تتبع الحرس الثوري، لقمع الاحتجاجات.
ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين، نمت القوة الاقتصادية للحرس الثوري الإيراني، حيث فازت شركة “خاتم الأنبياء” للمقاولات التابعة له بعقود مشاريع بمليارات الدولارات في قطاع النفط والغاز الإيراني.
وأثارت الطبيعة الدقيقة للضربات الإسرائيلية التي استهدفت العام الماضي قادة بارزين في الحرس الثوري، وقيادات في حزب الله عام 2024، تساؤلات حول مدى اختراق المخابرات الغربية للمستويات العليا للحرس الثوري.
لكن لا يزال قائد الحرس الثوري محمد باكبور ونائبه أحمد وحيدي، وقائد القوات البحرية للحرس الثوري علي رضا تنكسيري، وقائد فيلق القدس الحالي إسماعيل قاآني، يتمتعون بنفوذ واسع.
دور الرئاسة والبرلمان
ينتخب الإيرانيون رئيساً وبرلماناً لولاية مدتها أربع سنوات. ويعين الرئيس حكومة تتولى إدارة الشؤون اليومية ضمن حدود ما يسمح به الزعيم الأعلى.
وخلال السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية، شهدت الانتخابات إقبالا كبيرا من الناخبين على المشاركة. إلا أن القيود التي فرضها مجلس صيانة الدستور على المرشحين، والنتائج المتنازع عليها في 2009، قوضت ثقة الكثير من الناخبين في العملية. كما قلص الدور المهيمن للزعيم الأعلى من صلاحيات الهيئات المنتخبة.
وانتخب الرئيس مسعود بزشكيان، الذي يعتبر من المعتدلين في 2024، بعد جولة أولى بلغت نسبة الإقبال على التصويت فيها حوالي 40 في المئة، وجولة ثانية شارك فيها نحو نصف الناخبين. وتغلب وقتها على سعيد جليلي الموالي لخامنئي والمناهض للغرب والذي لا يزال يتمتع بنفوذ كبير.
ويشغل محمد باقر قاليباف، القائد السابق في الحرس الثوري، منصب رئيس البرلمان منذ 2020.
المصدر:
الحرة