على وقع الأحداث الكبيرة في الشمال السوري، لم تكن قضية نقل آلاف المعتقلين من تنظيم “داعش” إلى الأراضي العراقية مجرد إجراء لوجستي عابر، بل جاءت انعكاسا لتحولات عميقة في المنطقة، وقد يكشف، بحسب بعض المحللين، عن أزمة ثقة في المشهد السياسي الجديد في دمشق، أو محاولة لمساعدته في تثبيت دوره المحوري في ضبط سوريا الجديدة وتوحيدها.
فبينما تحاول الحكومة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، تقديم نفسها كقوة قادرة على بسط السيادة وضبط الأمن، رأت واشنطن وبغداد أن ترك هذه “قنبلة داعش الموقوتة” في سجون هشة داخل سوريا يمثل مقامرة لا يمكن القبول بنتائجها.
يشرح السفير جيمس جيفري، المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا، لـ”الحرة” خلفيات ما حدث في شمال شرق سوريا. يقول إن تحولا كبيرا حدث يعكس نهاية “عهد الجيوب الانعزالية”، حيث إن دعم الولايات المتحدة للمناطق الكردية كان مرتبطا بغياب البديل عن نظام الأسد، ومع ظهور حكومة الشرع التي يراها “بديلا واقعيا وحكيما”، لم يعد هناك مبرر لاستمرار “قسد” تحت حماية أميركية.
ويلفت جيفري إلى أن الانهيار الكردي في المناطق العربية مثل الرقة ودير الزور كان نتيجة طبيعية لرفض العشائر فرض “أيديولوجيا أوجلان”، في إشارة إلى عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني اليساري، المدرج على لائحة الإرهاب الأميركية، ما دفع هذه المكونات للالتفاف حول حكومة عربية مقبولة إقليمياً فور ظهورها. وبذلك، تظل قضية المعتقلين مجرد فصل في كتاب إعادة تشكيل سوريا الموحدة.
ولكن لماذا أحيل هذا الملف إلى العراق ولم يتم تسليمه إلى نظام الشرع؟
في ذروة عمليات النقل، جاءت المكالمة الهاتفية بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني لتضع النقاط على الحروف في ما يخص الأبعاد السياسية لهذا التحرك. لم تكن المحادثة مجرد تنسيق لوجستي، بل حملت إقرارا بالدور المركزي الذي بات يلعبه العراق كـ “حارس قانوني وأمني” في هذا الملف.
السوداني، من جانبه، كان واضحا في التأكيد أن استضافة هؤلاء المعتقلين، رغم مخاطرهم، هي في جوهرها خطوة استباقية لحماية الأمن القومي العراقي أولا. فالرؤية العراقية تنطلق من حقيقة أن ترك آلاف الإرهابيين في سجون هشة داخل سوريا يمثل تهديداً وجودياً للعراق يفوق بكثير التهديد الذي يمثله لسوريا نفسها، حيث يخشى العراق أن تتحول تلك السجون إلى “بوابات مشرعة” للتسلل عبر الحدود في أي لحظة.
روبيو، الذي أشاد بمبادرة السوداني، شدد على أن نجاح هذه الشراكة الأمنية يعتمد على قدرة العراق على إبقاء هذا الملف بعيداً عن الصراعات الإقليمية والنفوذ الإيراني. وبذلك، يتحول العراق من بلد يلملم جراحه من إرهاب داعش إلى دولة تقود “الجهود الدبلوماسية” لضمان عودة المقاتلين الأجانب إلى دولهم ومحاسبتهم، مستخدماً هؤلاء المعتقلين كأداة لتعزيز ثقله الدولي وضمان استمرار الدعم العالمي لاستقراره.
هذا الموقف العراقي، المدعوم أميركياً، قد يعكس في جوهره أزمة ثقة بنظام الشرع، كما يشير محللون تحدثت إليهم “الحرة”. فبينما تحاول دمشق تقديم نفسها كشريك قادر على ضبط الأرض، ترى بغداد وواشنطن أن بقاء السجناء في عهدة النظام السوري الجديد هو مقامرة غير محسوبة، إذ يخشى الطرفان من عجز النظام عن ضبط هؤلاء السجناء. والأسوأ من ذلك، أن يتعمد غض الطرف عن تسربهم نحو الأراضي العراقية لاستخدامهم كأوراق ضغط سياسية مستقبلاً، كما كان يفعل نظام الأسد في السابق.
وعلى الرغم من ان الإدارة الأميركية أكدت على لسان المبعوث الأميركي إلى سوريا، السفير توم برّاك، ان دور “قسد” انتهى، ونظام الشرع قادر عبر المؤسسات الرسمية والأمنية السورية ان يدير مناطق الشمال الشرقي، يعكس قرار نقل هؤلاء السجناء انعدام الثقة الأميركي بنظام الشرع، بحسب فلاديمير فان ويلجنبرغ، المحلل المتخصص بالشؤون الكردية.
يقول ويلجنبرغ لـ”الحرة” أن الولايات المتحدة تسحب عمليا “أخطر أصولها” من منزل لم تعد تأمن له. فبينما تدعي الإدارة الجديدة في دمشق أن عمليات النقل تحدث فقط لأن قوات سوريا الديمقراطية تخلت عن مواقعها، يرى فان ويلجنبرغ أن المسألة أعمق من ذلك بكثير. هو يعتقد أن واشنطن تسعى “لترحيل الأجانب” إلى بلدانهم، بينما سيتم الاحتفاظ بأعضاء داعش من العراقيين والسوريين رفيعي المستوى “في السجون داخل العراق” لضمان عدم اختفائهم ببساطة في الداخل السوري.
هذه الشكوك يتردد صداها لدى رامي عبد الرحمن، مدير المركز السوري لحقوق الانسان، الذي يحذر من تهديد أكثر دهاءً يتمثل في اختراق الدولة السورية الجديدة نفسها. ويلفت عبد الرحمن إلى أن ثقة الإدارة الأميركية في القيادة الجديدة معدومة، والدليل على ذلك أنه “لو كانت تثق بالشرع، لما كانت نقلت معتقلي داعش إلى العراق”.
الخوف الحقيقي يكمن في أن هؤلاء المقاتلين، إذا تُرِكوا على الأراضي السورية، سيتم “دمجهم في الأجهزة الأمنية السورية تدريجياً” بدلاً من محاسبتهم. بل ويذهب عبد الرحمن إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن الشخص الذي استهدف القوات الأميركية في ديسمبر الماضي وأسفر الحادث عن مقتل جنديين ومترجم، كان في الواقع “عنصرا بالأمن العام” السوري، وقد ردت القيادة المركزية الأميركية بغارات على مواقع تنظيم “داعش” الإرهابي في سوريا.
لكن السفير جيمس جيفري، لا يرى في عملية نقل المعتقلين تعبيراً عن “انعدام الثقة” بحكومة الشرع، بل هي بحسب رأيه، “تدبير احترازي” تفرضه تحولات المشهد الأمني، إذ إن أي تغيير في السلطة يفتح عادةً ثغرات قد يستغلها عناصر التنظيم الذين وصفهم بـ “الأذكياء والمخلصين والمتوحشين”.
ويوضح جيفري أن الأولوية تكمن في إخراج المعتقلين العراقيين ومواطني الدول الثالثة، أما عائلات المقاتلين في مخيم الهول فسيبقون بعهدة السلطات السورية.
وعن التحديات الأمنية خلال النقل، لا يخفي جيفري قلقه من “الهجمات الخارجية”، مستحضراً دروس الماضي من هجوم مطار بغداد عام 2004، حيث قام تنظيم داعش باقتناص “الفجوات” بين الوحدات العسكرية. ومع ذلك، يرى أن العراق اليوم يمتلك نظاماً سجنياً ضخماً وخبرة طويلة في مكافحة التمرد، مما يجعله مؤهلاً للعب دور “الحارس القانوني” للمجتمع الدولي، وهو دور يمنح بغداد نفوذاً سياسياً ودبلوماسياً أكبر على الدول التي ترفض استعادة مواطنيها.
ويبدو أن العراق مستعد ولديه الجهوزية لتلقّف عملية نقل المساجين، وبرأي ويلجنبرغ لن يؤدي هذا التدفق للمساجين الإرهابيين إلى زعزعة استقرار العراق وأمنه. بل على العكس من ذلك، يرى ويلجنبرغ أن العراق يخطو نحو دور مركزي في الشرق الأوسط. وأن خبرة العراق الطويلة في مكافحة الإرهاب والتعامل مع المساجين الإرهابيين، تعني أن نظامه القضائي والسجني قادر على استيعاب هذا الضغط، وفي المقابل، تكتسب بغداد “ثقلاً ونفوذاً أكبر عبر هؤلاء المقاتلين الأجانب” على دولهم.
ولكن، بحسب جيفري، خلف هذه الترتيبات العسكرية، تظل “القنبلة الموقوتة” قائمة في مخيمات مثل مخيم الهول. ويحذر الخبراء الذين تحدثت إليهم “الحرة” من أن الترويج لهذه العائلات كمدنيين فقط هو تسويق مضلل، إذ يحملون “أفكاراً داعشية” ستعود معهم إلى عمق المجتمع السوري.
ومع تسارع وتيرة التحولات في المشهد السوري، تلوح في الأفق بوادر تحول أميركي استراتيجي أكبر، حيث تدرس واشنطن بجدية خيار الانسحاب العسكري الكامل من سوريا، كما كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال”. هذا التوجه، يضع ملف معتقلي داعش في سياق “تصفية التزامات” المرحلة السابقة. فبينما كانت القوات الأميركية تشكل الضمانة الميدانية لتلك السجون، يبدو أن نقل المعتقلين إلى العراق هو الخطوة الأخيرة لفك الارتباط بعبء أمني ثقيل قبل أي انسحاب نهائي محتمل.
المصدر:
الحرة