“الموت للديكتاتور … الموت لخامنئي”، شعارات سُمعت في شوارع مشهد الواسعة، شمال شرق يإيران، خلال الاحتجاجات الشعبية التي عمت البلاد في الأيام الأخيرة.
مشهد لا تشبه بقية المدن الإيرانية، هناك لا تبدأ الحكاية من السياسة فقط، بل من القداسة. مدينة تعرف نفسها أولا بوصفها مقاما دينيا، قبل أن تكون عاصمة إقليم أو مركزا سكانيا. فوجود مرقد الإمام علي بن موسى الرضا، ثامن أئمة الشيعة، جعل من مشهد تدار بمنطق مختلف، وتحكم بتوازن دقيق بين الدين والسلطة والاقتصاد.
خصوصية مشهد جعلت الاحتجاجات فيها أكثر تعقيدا. فالمدينة التي تقدم كنموذج للتدين والولاء، لا تتحمل صورة الغضب الجماهيري. أي اختراق لهذا النموذج يعتبر فشلا رمزيا للنظام.
يقول الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأميركية بهنام بن طالبلو لـ”الحرة” إن مشهد “مدينة لا يمكن تجاهلها في أي قراءة سياسية للاحتجاجات”، ليس فقط لأنها ثاني أكبر مدن إيران، بل لأنها مسقط رأس المرشد الأعلى علي خامنئي، ومدينة الرئيس السابق إبراهيم رئيسي الذي كان ينظر إليه كخليفة محتمل للمرشد، إضافة إلى كونها مركزاً دينياً رئيسياً في العالم الشيعي.
في شوارعها الواسعة المحيطة بالحرم، تختلط العمائم السوداء والبيضاء بالباعة المتجولين، والحجاج القادمين من العراق وأفغانستان وباكستان ولبنان وحتى دول الخليج. لكن خلف هذا المشهد الروحاني، تدار واحدة من أكثر المدن انضباطاً أمنياً وأيدولوجياً في إيران.
ومع ذلك وخلافاً للصورة النمطية التي روّج لها النظام طويلاً عن مشهد كمدينة محافظة وموالية، شهدت المدينة خلال موجات الاحتجاج الأخيرة حشوداً ضخمة في أحياء مثل وكيل آباد، امتدت لمسافات طويلة، وترافقت مع إضرابات في بازار رضا القريب من مرقد الإمام الرضا، أكبر مجمع إسلامي في العالم من حيث المساحة، بحسب بن طالبلو، الذي يشير إلى أن الهتافات التي شهدتها مشهد ضد المرشد وضد النظام ككل، تبين أن “الثورة التي ادّعى النظام تمثيلها، قد انتهت اجتماعياً وأيديولوجياً”.
بينما اشتعلت شوارع طهران وكرج وشيراز، بدت مشهد أقل صخباً في الصورة العامة، غير أن هذا الهدوء لم يكن دليلاً على الرضا، بل نتيجة قبضة أمنية محكمة وخصوصية دينية تجعل أي احتجاج يقرأ فوراً كتهديد مباشر للنظام ولشرعيته الدينية معاً.
تظهر الفيديوهات التي انتشرت عبر مواقع التواصل والتي وصلتنا من الحركات المعارضة طوابير السيارات والمحتجين على الطريق السريع في أطراف المدينة، بينما كان الدخان يتصاعد وألسنة النيران تظهر هنا وهناك، في إشارة واضحة إلى أن غضب الناس لم يكن محدوداً بأحياء بعينها، بل أصبح استياء جماعياً.
رغم خصوصية مشهد الدينية، يؤكد بن طالبلو أن تعامل النظام الأمني معها لا يختلف نوعياً عن تعامله مع طهران أو شيراز. فالقبضة الأمنية، بحسب توصيفه، واحدة في كل المدن، والقداسة لم تعد تشكّل خط حماية حقيقياً، لا للمدينة ولا لسكانها.
حتى القرب من الحرم الرضوي لم يمنع وقوع احتجاجات في محيطه، ولا إضرابات في المؤسسات الاقتصادية المرتبطة به، ما اعتبره بن طالبلو دليلاً على الإفلاس الأيديولوجي للنظام وتحوّل المجتمع الإيراني.
يُنظر إلى مشهد بوصفها مدينة محافظة، لكن هذا الوصف يخفي تعقيدات أعمق. فالمحافظة هنا ليست فقط خياراً اجتماعياً، بل نتيجة رقابة مستمرة ووجود ديني كثيف في الفضاء العام. النساء يرتدين الحجاب الكامل بنسبة أعلى من مدن أخرى، والحياة الليلية تكاد تكون معدومة، لا بسبب القوانين فقط، بل بسبب ثقافة عامة تُكافئ الامتثال وتُعاقب الاختلاف.
في مشهد لا يُترك الأمن للصدفة. كاميرات، نقاط تفتيش غير معلنة، وحضور استخباراتي واضح، خصوصاً في مواسم الزيارات المليونية. مشهد مدينة تُدار بمنطق الاستباق: منع الحدث قبل وقوعه، لا التعامل معه بعد حدوثه.
والاحتجاج في مشهد لا يُقاس فقط بعدد المشاركين، بل برمزيته السياسية. فحين تخرج التظاهرات في مدينة تُقدَّم بوصفها “العاصمة الروحية” للنظام، فإن الرسالة تكون أشد وقعاً. يرى بن طالبلو أن هذا الأمر يكشف حجم القطيعة بين النخبة الحاكمة والمجتمع، حتى في المدن التي خرجت منها هذه النخبة نفسها .
يذكّر بأن مشهد لم تكن مدينة هامشية في تاريخ الاحتجاجات، بل كانت شرارة احتجاجات ديسمبر 2017 التي حوّلت المطالب من إصلاح اقتصادي إلى مواجهة سياسية شاملة مع النظام.
واليوم، تندلع الاحتجاجات على خلفية غضب اقتصادي متصاعد من انهيار العملة وتدهور مستوى المعيشة، لتنتقل بسرعة إلى مطالب سياسية مباشرة تتحدى النظام نفسه.
الاحتجاجات في مشهد لم تكتفِ بكسر الهدوء الأمني، بل كسرت أيضاً الصورة النمطية. فحجم المشاركة، الذي وصل إلى مئات الآلاف وربما أكثر، يعكس وفق بن طالبلو تمثيلاً واسعاً لمختلف الفئات الاجتماعية، لا حركة نخبوية أو هامشية .
كما أظهرت المقاطع المصورة إحراق أعلام النظام وصور رموزه، حتى في مناطق حساسة مثل قرب الحرم ومتاحفه. ويضيف بن طالبلو أن ما يوحّد هذه الاحتجاجات، في مشهد كما في بقية المدن الإيرانية، هو طابعها العلماني والوطني في مواجهة نظام إسلامي سلطوي، وهو ما يفسر امتدادها الجغرافي والاجتماعي.
“النظام قد ضخ أموالاً واستثمر في عناصر من مشهد، لكن هذا لا يعني أن أهل مشهد يؤيدون الأمور التي يضخ فيها النظام الأموال والموارد الوطنية. من أجل فهم المجتمع، من الأفضل تجاوز مدينة واحدة فقط ورؤية أن نسيج الانتفاضة الوطنية يشترك في أوجه تشابه كبيرة، على الرغم من الحضرية والريفية والمركزية والطرفية والغنى والفقر، فهي في الأساس علمانية وقومية ضد نظام إسلامي واستبدادي. هذا هو حقًا ما يربط ويوحد مختلف الناس من مختلف الخلفيات الديموغرافية والجغرافية والطبقات الاجتماعية”.
إذا كان الاحتجاج قادراً على الانفجار في مسقط رأس المرشد، فإن الرسالة، كما يرى بن طالبلو، تتجاوز مشهد إلى مدن دينية أخرى مثل قم. رسالة مفادها أن النظام يواجه إفلاساً أيديولوجياً عميقاً، وأن الدين لم يعد درعاً كافياً لحمايته من غضب الشارع.
المصدر:
الحرة