تعود الاتصالات الأمنية بين إسرائيل وسوريا إلى الواجهة بعد توقف استمر قرابة شهرين، برعاية أميركية مباشرة وضغوط يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدفع المسار قدما.
ورغم الأجواء “الإيجابية” التي أحاطت بجولة المحادثات في باريس هذا الأسبوع، فإن التقديرات في إسرائيل تشير إلى فجوات عميقة ما زالت تحول دون التوصل إلى اتفاق أمني شامل، في مسار يتقاطع فيه الأمن بالسياسة وبملفات إقليمية أكثر تعقيدا.
في مقابلة خاصة مع “الحرة”، رسم أكرم حسون، النائب الدرزي في الائتلاف الحكومي والمقرب من وزير الخارجية، ملامح الموقف الإسرائيلي من الاتصالات مع دمشق، محددًا ثلاث قضايا اعتبرها حاسمة لأي تقدم.
وقال حسون إن التوصل إلى اتفاق مع سوريا “ممكن في حالة واحدة فقط”. فهو مشروط “بقبول الرئاسة السورية بنودًا أمنية مهمة جدًا لإسرائيل”، وفي مقدمتها إقامة منطقة جنوبية خالية من السلاح ومن أي وجود أمني سوري. وأضاف أن إسرائيل “تدافع عن هذه المنطقة بنفسها”، معتبرا أن التجربة الأخيرة تشكل “أكبر برهان” على خطورة الواقع الميداني.
وشدد حسون على أن إسرائيل لن تنسحب من المناطق التي سيطرت عليها في ديسمبر 2024. وقال إن “الحديث لا يدور عن وعود سياسية، بل عن تهديدات فعلية”، مع وجود مجموعات وصفها بـ”التكفيرية”، إلى جانب عناصر مرتبطة بحماس تعمل بدعم من إيران وحزب الله ضد إسرائيل وضد استقرار سوريا في آن واحد.
وحول أسباب الإصرار الإسرائيلي على البقاء في هذه المناطق، قال حسون إن الحكومة السورية “غير قادرة على فعل شيء”، مشيرا إلى ما يحدث في مدن سورية عدة، من حلب إلى حمص والساحل. وأضاف أن إسرائيل ترى في بقائها عاملًا يمنع تمركز جهات مدعومة من إيران.
وأضاف أن دمشق، “إذا كانت نواياها صادقة”، يجب أن تدرك أن هذا الوجود يهدف إلى منع الفوضى لا إلى تكريس احتلال.
الملف الثاني الذي توقف عنده حسون تمثل في الدور الإيراني. قال إن إيران “تحاول القضاء على الرئيس السوري أحمد الشرع”، ليس فقط لزعزعة الحكم، بل أيضًا لزرع الفوضى واتهام إسرائيل لاحقًا بالمسؤولية.
واعتبر أن طهران لا تزال تدعم حزب الله ومجموعات مرتبطة بحماس داخل سوريا، وتسعى إلى استخدام تنظيمات متطرفة لتحقيق أهدافها، وقال إن إسرائيل ستواجه هذا الدور “بالتنسيق مع الولايات المتحدة”.
أما الملف الثالث، فكان الوضع الإنساني والأمني في محافظة السويداء. وقال حسون إن الحكومة السورية “أخفقت وفشلت واعتدت على الدروز والأقليات”، واعتبر أن ما يجري هناك يعكس فقدان الثقة بقدرة دمشق على حماية مواطنيها. وأشار إلى أن السويداء تعيش حصارًا فعليًا، مع قطع المياه والكهرباء ومنع إدخال المساعدات، واتهم السلطات السورية بالـ”تضليل” في هذا الشأن.
ودافع حسون عن فكرة الممر الإنساني لدروز السويداء، مؤكدًا أن الهدف هو “مساعدة الإخوة والأهل في جبل الدروز وإيصال المساعدات التي لا تصل”، نافيا أن يكون الأمر مرتبطًا بمشاريع احتلال أو شعارات توسعية، وقال إن “حماية الأقليات ومحاربة الإرهاب والتطرف جزء من المقاربة الإسرائيلية في الجنوب السوري”.
وفي موازاة ذلك، أفاد موقع “إبوك” بأن إسرائيل وسوريا استأنفتا محادثاتهما الأمنية في باريس، بعد توقف دام نحو شهرين، في محاولة لدفع اتفاق أمني بين الطرفين، ضمن مسار وساطة أميركية بدأ قبل أشهر. وبحسب مصادر سياسية رفيعة ، جاء استئناف المفاوضات بضغط مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يرى في الاتفاق الأمني خطوة تمهيدية لاتفاق تطبيع محتمل، ولتعزيز خطته للسلام في الشرق الأوسط.
وأشار التقرير إلى أن المحادثات جرت في أجواء وُصفت بالجيدة، مع الاتفاق على مواصلتها، رغم الإقرار بأن الفجوات بين الجانبين لا تزال عميقة. وقاد الوفد الإسرائيلي السكرتير العسكري لرئيس الحكومة والمرشح لرئاسة الموساد رومان غوفمان، وسفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر، والقائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي غيل ريخ. ومن الجانب السوري شارك وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات حسين السلامة. كما حضر ممثلون عن الرئيس ترامب، بينهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، إضافة إلى السفير الأميركي في تركيا والمبعوث إلى سوريا توماس باراك.
وأصدرت الولايات المتحدة بيانًا مشتركًا باسم إسرائيل وسوريا، تحدث عن التوصل إلى تفاهمات تتعلق بالالتزام المتبادل بالسعي إلى ترتيبات أمنية واستقرار مستدام، إلى جانب الاتفاق على إنشاء آلية تعاون استخباري في الزمن الحقيقي بين البلدين.
وأوضحت مصادر سياسية للموقع أن هذه الآلية تشبه “خطًا ساخنًا” يهدف إلى التنسيق المباشر، ومنع الاحتكاك وسوء التقدير، ومعالجة خلافات قد تنشأ، من بينها تلك المرتبطة بالأحداث الدامية في مناطق درزية في السويداء. وأشار التقرير إلى الاتفاق على فتح مسار موازٍ لمباحثات مدنية تشمل الطاقة والصحة والزراعة، إضافة إلى دفع أميركي لمبادرة تتعلق ببيع الغاز الإسرائيلي إلى سوريا.
في المقابل، لفت التقرير إلى أن مصادر أمنية إسرائيلية أكدت عدم التوصل إلى تفاهم بشأن تحديث اتفاق فصل القوات لعام 1974، وأن الخطوط الحمراء الإسرائيلية ما زالت قائمة وغير قابلة للتفاوض، وتشمل عدم الانسحاب من كتف جبل الشيخ، ولا من مرتفعات الجولان، ولا من منطقة العزل التي أُنشئت بعد سقوط نظام بشار الأسد. وأشار إلى أن الجانب السوري يصر على أن أي اتفاق أمني يجب أن يتضمن انسحابًا إسرائيليًا كاملًا إلى الخطوط التي كانت قائمة في ديسمبر 2024.
وفي بيان صادر عن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، تلقت “الحرة” نسخة منه، أُعلن أن الشق السياسي من الحوار بين إسرائيل وسوريا جرى تجديده بعد فترة من التوقف، بدعم ورعاية أميركيين.
تعكس هذه المعطيات مجتمعة مسارًا حذرًا يقوم، في جوهره، على محاولة ضبط التوتر أكثر مما يقوم على السعي إلى تسوية شاملة. فمن جهة، تُظهر التفاهمات التقنية والآليات المقترحة رغبة في منع الاحتكاك وسوء التقدير على الحدود، وفي إدارة الأزمات بدل الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. ومن جهة أخرى، تصطدم هذه المقاربة بجملة ملفات ثقيلة ما زالت بلا حلول، تتعلق بالوجود الميداني، وبمصادر التهديد الإقليمي، وبوضع الأقليات في الجنوب السوري.
وتكشف هذه المعادلة عن فجوة واضحة بين الطموح السياسي لتحقيق اختراق إقليمي، وبين الحسابات الأمنية التي تجعل أي تنازل محفوفًا بالمخاطر. وفي ظل تمسك كل طرف بمطالبه الأساسية، تبدو الاتصالات أقرب إلى إطار لإدارة الخلاف وتأجيل الانفجار، لا إلى اتفاق أمني يعيد رسم قواعد العلاقة بين الجانبين في المدى المنظور.
المصدر:
الحرة