آخر الأخبار

لغز علمي.. لماذا تعيش الفراشات الاستوائية 25 مرة أطول من غيرها؟

شارك
مصدر الصورة تتغذى فراشة Heliconius melpomene على حبوب اللقاح. Credit: Courtesy Louise Bestea

(CNN) -- معلوم أنّ عمر الفراشات قصير نسبيًا يمتد لبضعة أسابيع قبل موتها، إلا أنّ بعض الاستثناءات النادرة حيّرت العلماء. والآن، تُساعد بعض أنواع الفراشات الاستوائية التي تعيش مدة أطول نسبيًا العلماء على كشف أسرار طول العمر.

تنتمي هذه الفراشات إلى جنس Heliconius الذي يعيش في الغابات المطيرة الاستوائية بأمريكا الجنوبية والوسطى، وتتباين أعمارها بشكل كبير. إذ تعيش فراشة Dione juno لمدة 14 يومًا فقط بعد مرحلة البلوغ، بينما تعيش فراشة Heliconius hewitsoni لمدة 348 يومًا، أي نحو 25 ضعفًا.

كما تتمتّع أنواع أخرى من جنس Heliconius بأعمار طويلة نسبيًا، إذ تعيش ما بين 106 و277 يومًا، وفقًا لدراسة نُشرت، الثلاثاء، في دورية Nature Communications.

افترض بعض العلماء أنّ طول فترة البلوغ لدى فراشات Heliconius يعود إلى نظامها الغذائي المميز، فهي لا تعتمد فقط على الكربوهيدرات على غرار معظم الفراشات الأخرى.

لكنّ الأسباب الحقيقية بقيت غير واضحة، ما دفع الدكتورة جيسيكا فولي، المؤلفة الرئيسية للدراسة والباحثة ما بعد الدكتوراه لدى مركز أبحاث التغذية البشرية والشيخوخة التابع لوزارة الزراعة الأمريكية في جامعة تافتس، بوسطن، إلى إجراء دراسة متعمقة لهذا الجنس من الفراشات.

وقالت فولي لـCNN: "نرى اختلافات هائلة في متوسط العمر في المملكة الحيوانية. فمعلوم أن ذبابة مايو البالغة تعيش يومًا واحدًا، في حين يمكن لبعض الحيتان وأسماك القرش العيش لمئات السنين".

وأضافت: "أنا مهتمة بالأساس التطوري لهذه الاختلافات في طول العمر، لأنها قد تحمل رؤى مفيدة تتعلق بالشيخوخة الصحية لدى البشر".

واكتشفت فولي وزملاؤها أنّ التغذية تلعب دورًا في هذا الأمر، لكن بعض فراشات Heliconius طوّرت أيضًا آلية لمكافحة الشيخوخة لا يزال الباحثون يحاولون فهم تفاصيلها. وقد تساعد هذه الآلية على توفير نموذج لفهم أسباب طول العمر لدى البشر.

مصدر الصورة يمكن التعرّف إلى الفراشة الأكبر سنًا من نوع Heliconius melpomene (إلى اليمين) من خلال مقدار التآكل الظاهر على جناحيها. Credit: Courtesy Elizabeth Hodge

نظام غذائي خاص

تقول فولي إن دراسة الكائنات التي تُعد من "المعمّرة الاستثنائية" في المملكة الحيوانية تمثل تحديًا كبيرًا للعلماء، خصوصًا عندما يتطلب الأمر الانتظار لعقود أو حتى قرون كي تصل بعض الأنواع إلى مرحلة الشيخوخة.

لكن فراشات Heliconius، التي لم تُدرس بالقدر الكافي سابقًا، قدمت نموذجًا مثاليًا للبحث، إذ يستطيع العلماء مراقبة دورة حياتها كاملة خلال نحو عام واحد.

ولا يُعرف سوى نوع واحد آخر من الفراشات يعيش لمدة أطول من Heliconius، هو Myscelia cyanaris الذي قد يصل عمره إلى 380 يومًا، إلا أن البيانات المتوافرة حول أسباب طول عمره ما تزال محدودة.

وجمعت فولي وزملاؤها مجموعة واسعة من البيانات لدراسة أنماط العمر والشيخوخة لدى أنواع جنس Heliconius، مستفيدين من معلومات جُمعت من بيوت الفراشات التجارية، ومن دراسات الوسم والإطلاق وإعادة الالتقاط، إضافة إلى التجارب المضبوطة.

وأضافت أنّ الباحثين أرادوا معرفة ما إذا كان حذف مصدر غذائي غير معتاد من النظام الغذائي لهذه الفراشات سيقصّر أعمارها.

تتغذّى معظم الفراشات البالغة على رحيق الأزهار، معتمدة على الكربوهيدرات فقط كمصدر للطاقة، بدلًا من الأحماض الأمينية والدهون التي استقتها من المواد النباتية عندما كانت يرقات قبل تحولها إلى فراشات بالغة.

مصدر الصورة فراشة بالغة من نوع Heliconius erato إلى جانب عذراء (خادرة) من النوع ذاته. تصوير: Courtesy Sebastián Mena

وأوضحت فولي أنّ "الاستراتيجية التطورية العامة تتمثل في التكاثر بأكبر قدر ممكن إلى أن تُستنزف موارد الدهون والأحماض الأمينية، وهو أمر لا يستغرق وقتًا طويلًا لدى هذه الحشرات الصغيرة. وعادةً ما تموت بعد فترة وجيزة من نفاد هذا المورد المحدود".

لكن معظم أنواع Heliconius تكيفت لتتغذى على حبوب اللقاح حتى في مرحلة البلوغ، ما يُزوّد هذه الحشرات بمزيد من الطاقة، بحسب استنتاجات الباحثين. كما تحتوي حبوب اللقاح على دهون تساعد على تخزين الطاقة وتُعزّز جهاز المناعة.

ودرس الباحثون عن كثب العلاقة بين فراشات Heliconius وحبوب اللقاح لمعرفة الفوائد الصحية التي تحصل عليها هذه الفراشات من نظامها الغذائي.

وبين 28 نوعًا من Heliconius شملتها الدراسة، لم تتغذّ سوى ستة أنواع من دون حبوب اللقاح، وقد تراوحت أعمارها بين 14 و98 يومًا. لكن ملاحظات الفريق أظهرت أنه حتى عند حرمان فراشات Heliconius من حبوب اللقاح، فإنها استمرت في العيش لفترة أطول بكثير من أقاربها التي لا تتغذى عليها.

مصدر الصورة تشكّل كمية كبيرة من حبوب اللقاح وجبة غذائية لفراشة Heliconius erato. تصوير: Courtesy Sebastián Mena

لغز تطوري

استخدم الفريق أيضًا أداة فريدة لقياس التراجع المرتبط بالتقدم في العمر لدى الفراشات الأكبر سنًا من خلال اختبار قوة التمسك. وصمّم الباحثون جهازًا أطلقوا عليه اسم "The Pullinator"، وهو عبارة عن مجثم مغطى بورق صنفرة ومثبت على قاعدة خشبية خفيفة الوزن.

وأوضحت فولي: "وضعنا الجهاز على ميزان مخبري وضبطناه على الصفر، ثم أمسكنا الفراشة برفق من جناحيها وخفضناها حتى تمسكت بالمجثم".

وتابعت: "بعد ذلك كنا نسحبها حتى تترك المجثم، لكن أثناء مقاومتها للسحب كان الميزان يسجل قراءات سالبة، واستخدمنا أكبر قراءة سالبة كمؤشر على مقدار الوزن الذي تستطيع الفراشة تحمله قبل أن تفلت قبضتها".

وأظهرت فراشات Heliconius hecale، التي يمكن أن تعيش حتى 277 يومًا، تراجعًا فسيولوجيًا طفيفًا أو معدومًا في اختبار قوة التمسك، في حين أظهرت فراشات Dryas iulia، القريبة منها تطوريًا ولا تتغذى على حبوب اللقاح وتعيش نحو 98 يومًا، علامات واضحة على التراجع المرتبط بالتقدم في العمر.

كما حافظت فراشات Heliconius hecale على كتلة الجسم ووظائف العضلات لفترة أطول، حتى عند حرمانها من حبوب اللقاح.

أظهرت النتائج أن العديد من أنواع Heliconius التي تتغذى على حبوب اللقاح تتمتع بأعمار أطول ومعدلات شيخوخة أبطأ، ما يشير إلى أن التغذية تؤدي دورًا مهمًا. كما أوضحت فولي أن الأحماض الأمينية المستمدة من حبوب اللقاح تساعد هذه الفراشات على الاستمرار في إنتاج المزيد من البيوض خلال مرحلة البلوغ، ما يطيل عمرها الإنجابي.

ولم يبد أنّ إزالة حبوب اللقاح بالكامل من نظام الفراشات الغذائي أنه أثّر سلبًا على طول عمرها. ويعتقد الباحثون أن هذه الحشرات، تمامًا كما طوّرت نظامًا غذائيًا قائمًا على حبوب اللقاح، قد تكون طوّرت أيضًا آليات بيولوجية تسمح لها بالعيش لفترة أطول.

وعلّقت فولي: "أظهرنا أن هذه الفراشات تمتلك بالفعل آليات تطورية مرتبطة بطول العمر، كما يبدو أنها طوّرت تباطؤًا في التراجع الفسيولوجي المرتبط بالتقدم في السن، ما يجعلها نماذج جديدة ممتازة لدراسة الآليات التي تسمح بحياة طويلة".

وأضافت: "مع ذلك، لا نعرف بعد ماهية هذه الآليات".

طول العمر في المملكة الحيوانية

مصدر الصورة تضع أنثى فراشة Heliconius erato بيضة على أحد النباتات. تصوير: Courtesy Sebastián Mena

وقالت فولي إنها وزملاءها مهتمون بالتحقيق في آليات طول العمر الأكثر غموضًا لدى فراشات Heliconius، إضافة إلى قدراتها الإدراكية القوية، إذ تمتلك أدمغة كبيرة نسبيًا وذاكرة طويلة الأمد لافتة حتى مع التقدم في العمر.

سي ان ان المصدر: سي ان ان
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار